3)ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم تبلغ علماء التابعين ممن وسِّد إليهم الفتوى فاجتهدوا بآرائهم أو اتبعوا العموميات أو اقتدوا بمن مضَى من الصحابة فأفتوا حسب ذلك ، ثم ظهرتْ بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم يعملوا بها ظنًّا منهم أنها تخالفُ عملَ أهلِ مدينتِهم وسنَّتِهم التي لا اختلاف لهم فيها، وذلك قادحٌ في الحديثِ أو علةٌ مسقطةٌ له، أو لم تظهرْ في الثالثة وإنما ظهرتْ بعد ذلك عندما أمعنَ أهلُ الحديث في جمعِ طرقِ الحديثِ، ورحلوا إلى أقطارِ الأرض وبحثوا عن حملة العلم.
فكثيرٌ من الأحاديث لا يرويه من الصحابة إلا رجلٌ أو رجلانِ، ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجلٌ أو رجلانِ وهلم جرا، فخفيَ على أهل الفقهِ، وظهر في عصر الحفَّاظ الجامعينَ لطرق الحديث.
وكثيرٌ من الأحاديث رواهُ أهل البصرة مثلًا وسائرُ الأقطار في غفلةٍ عنه، فبيَّنَ الشافعيُّ رحمه الله تعالى أنَّ العلماءَ من الصحابة والتابعين لم يزلْ شأنُهم أنهم يطلبونَ الحديثَ في المسألة ، فإذا لم يجدوا تمسَّكوا بنوع آخر من الاستدلال، ثم إذا ظهر عليهمُ الحديثُ بعدُ رجعوا عن اجتهادهم إلى الحديثِ، فإذا كان الأمر على ذلك لا يكونُ عدمُ تمسُّكهم بالحديث قدحًا فيه، اللهم إلا إذا بيَّنوا العلَّة القادحةَ.
مثاله حديثُ القلَّتين، فإنه حديثٌ صحيحٌ روي بطرق كثيرةٍ معظمُها ترجعُ إلى نسخةِ الوليدِ، أو أبي الوليد بن كثيرٍ عن محمد بن جعفر بن الزبير ،أو محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله وكلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ذلك.
وهذان وإنْ كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسِّدَ إليهم الفتوَى وعوَّل الناسُ عليهم، فلم يظهرِ الحديثُ في عصر سعيد بن المسيب، ولا في عصر الزهري ، ولم يمشِ عليه المالكيةُ، ولا الحنفيةُ ، فلم يعملوا به، وعمل به الشافعيُّ . [1]
وحديث خيار المجلس فإنه حديث صحيح [2] روي بطرق كثيرة، وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به فرأى مالك وأبو حنيفة أن هذه علةٌ قادحةٌ في الحديث، وعمل به الشافعيُّ
(4) ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعيِّ فتكثرت واختلفت وتشعبت، ورأى كثيرًا منها يخالفُ الحديثَ الصحيحَ حيث لم يبلغهم ، ورأى السَّلفَ لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث، فتركَ التمسكَ بأقوالهم ما لم يتفقوا ، وقال: هم رجال ونحن رجال.
(5) ومنها أنه رأى قومًا من الفقهاء يخلُطون الرأيَ الذي لم يسوِّغه الشرعُ بالقياس الذي أثبته، فلا يميزون واحدًا منهما من الآخر ،ويسمونه تارةً بالاستحسان ، وأعني بالرأي أن ينصبَ مظنِّةَ حرجٍ أو مصلحةٍ علةً لحكمٍ، وإنما القياسُ أن تخرجَ العلةُ من الحكم المنصوصِ، ويدارُ عليها الحكمُ ، فأبطلَ هذا النوعَ أتمَّ إبطالٍ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَن اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّع [3] ، فإنه أراد أن يكون شارعًا حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول،مثاله رشدُ اليتيم أمرٌ خفيٌّ، فأقاموا مظِنَّة الرشدِ- وهو بلوغُ خمسٍ وعشرينَ سنةً -مقامهُ، وقالوا: إذا بلغَ اليتيمُ هذا العمرَ سلِّمَ إليه مالهُ، قالوا: هذا استحسانٌ، والقياسُ ألا يسلَّمَ إليهِ .
وبالجملةِ فلمَّا رأى الشافعيُّ في صنيع الأوائل مثلَ هذه الأمور أخذَ الفقهَ منَ الرأسِ، فأسسَ الأصولَ، وفرَّعَ الفروعَ، وصنَّف الكتبَ فأجادَ وأفادَ، واجتمعَ عليها الفقهاءُ، وتصرَّفوا فيها اختصاراَ وشرحًا واستدلالًا وتخريجًا ، ثمَّ تفرَّقوا في البلدانِ فكانَ هذا مذهبُ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ تعالَى"."
الفصل الثاني
فلسفة الاختلاف بين الفقهاء [4]
1-أهميةُ معرفة الاختلاف الفقهي:
إن معرفة الاختلاف الفقهي من شروط الاجتهاد، وكذلك الإفتاء، وفي ذلك يقول هشام بن عبد الله الرازي: من لم يعرف الاختلاف فليس بفقيه.
ويقول عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه ، ويقول قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه [5] .
وإذا كان الافتراق حول العقائد في جملته شرًّا، فإنه يجب أن نقرر أن الاختلاف الفقهي في غير ما جاء به نص من الكتاب والسُّنَّة لم يكن شرًّا، بل كان دراسة عميقة لمعاني الكتاب والسُّنَّة وما يستنبط منها من أقيسة، ولم يكن افتراقًا بل كان خلافًا في النظر، وكان يستعين كل فقيه بأحسن ما وصل إليه الفقيه الآخر، ويوافقه أو يخالفه [6] . وكان عمر بن عبد العزيز يسره اختلاف الصحابة في الفروع، ويقول: ما أحب أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا، لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم لكان في سعة. وفي عبارة أخرى له أيضًا: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم [7] .
وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر: ( لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى نفسه في سعة، أو رأى أن خيرًا منه قد عمله) .
وفي عبارة أخرى: (أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء) . وقال يحيى بن سعيد: اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا .
وبالرغم من أن معظم المنقول عن العلماء يؤكد أن في الاختلاف رحمة وخيرًا، فقد روي عن بعض العلماء عكس ذلك، فعن مالك: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعة، وإنما الحق في واحد . وعن المزني: ذم الله الاختلاف وأمر بالرجوع عنده إلى الكتاب والسُّنَّة .
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين الاتجاهين، فبين أن الاختلاف قد يكون رحمة إذا لم يُفضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم ، إذ قد يكون خفاء الحكم على المكلف رحمة لما في ظهوره من الشدة عليه. وقد يكون عذابًا، فإن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة [8] .
2-الاختلاف الحقيقي أو المعنوي، والخلاف اللفظي:
من الأمور المهمة في المقارنة الفقهية تحرير النزاع، وذلك لاستبعاد ما ظاهره الاختلاف وليس في الحقيقة كذلك، فإذا اعتبرت الرأيين اللذين ظاهرهما الخلاف وجدتهما متفقين في المعنى بالرغم من اختلاف التعبير الموهم بوجود خلاف.
الخلاف الحقيقي أو المعنوي: ما يترتب عليه آثار شرعية مختلفة، وأحكام متباينة، أو هو ما يتعدى الخلاف فيه من الألفاظ إلى المعاني بشكل يؤثر على اختلاف النتائج والأحكام، وذلك كمسألة ما يقع بالطلاق بالثلاث مجتمعة.
والخلاف اللفظي، أو الاختلاف في العبارة: ما يرجع فيه الخلاف إلى التسمية والاصطلاح الفقهي، وذلك كتسمية جمهور الفقهاء الفرض واجبًا، ولذا كان من الخطأ نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة، كما أن نقل الوفاق في محل الخلاف لا يصح، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بغرض القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها [9] .
3-الفرق بين الخلاف والاختلاف:
بعض العلماء يسمي الخلاف الحقيقي (خلافًا) ، ويسمي الخلاف اللفظي (اختلافًا) . ومن ذلك قول الكفوي: (الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفًا والمقصود واحد، والخلاف هو أن يكون كلاهما مختلفًا) . والغالب استعمال لفظي الخلاف والاختلاف على لسان الأصوليين والفقهاء بمعنى واحد.
غير أن الشاطبي وبعض المؤلفين في الفقه والأصول فرقوا بين الخلاف والاختلاف على نحو آخر هو أن الخلاف ما نشأ عن متابعة الهوى، وهو الاجتهاد غير المعتبر شرعًا، لصدوره عمن ليس بعارف بما يفتقر إليه الاجتهاد، أو هو قول بلا دليل. أما (الاختلاف) فهو عند هؤلاء: ما يقع من آراء للمجتهدين في المسائل الدائرة بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظارهم، أو بسبب خفاء بعض الأدلة أو عدم الاطلاع عليها.
فالاختلاف هو نتيجة لتحري المجتهد قصد الشارع، وذلك باتباعه الأدلة على الجملة والتفصيل والبحث عنها، أي هو قول بني على دليل [10] .
4-الخلاف الزمني، والخلاف البلداني:
يتباين الحكم أحيانًا في موضوع واحد بين إمام المذهب وأصحابه، أو بين الفقهاء من طبقات مختلفة في الزمن، ويكون السبب في ذلك تغير العرف باختلاف محل الحكم، ومثاله: اختلاف أبي حنيفة وصاحبيه في سقوط خيار الرؤية بمشاهدة غرفة واحدة من الدار عند أبي حنيفة ، حيث كان المعتاد بناء الغرف على نحو موحد في عصره، وخالف في ذلك صاحباه فاشترطا رؤية جميع غرف الدار، وذلك لتغير طريقة البنيان في زمنهما. ويسمي المؤلفون هذا النوع: خلاف عصر وزمان وليس خلاف حجة وبرهان.
وقد يكون منشأ الخلاف اختلاف البلاد، ففي سقوط خيار الرؤية أيضًا يرى زفر وابن أبي ليلى أنه لابد من الدخول داخل البيوت، ولا تكفي رؤية صحن الدار، قال البابرتي: الأصح أن جواب القدوري على وفاق عادتهم في الكوفة أو بغداد في الأبنية... أما اليوم فلابد من الدخول في داخل الدار للتفاوت في مالية الدور بقلة مرافقها وكثرتها [11] .
اختلاف التنوع واختلاف التضاد: سيأتي الكلام عنه فيما بعد.
5-أسباب الاختلافات الفقهية:
الينبوع الصافي لهذه الشريعة هو كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - . وإن النصوص تتناهى، ولكن الحوادث لا تتناهى، فكان لابد من استنباط حكم شرعي لكل حادثة من الحوادث، والنصوص إن شملت الأحكام الكلية، لا تجيء فيها الأحكام الجزئية في النص، فكان لابد من التعرف بالنظر والفحص، وقد تشعبت بين أيدي الدارسين طرق تعرف الأحكام، وكل أخذ بما استقام في منطقه ونظره، وبما وصل إليه من حديث أو أثر لصحابي صح عنده [12] .
وهذا هو السبب الرئيسي للاختلاف بين الفقهاء، وقد أشار من كتبوا في أصول الفقه ، أو تاريخ التشريع من قدامى ومعاصرين؛ إلى أسباب الاختلاف، ومن أقدمها كتاب ابن السيد البطليوسي الأندلسي، وقد لخص الشاطبي أسباب الاختلاف من كتاب ابن السيد وهي أوسع المراجع لها، وحصرها في ثمانية أسباب:
السبب الأول: الاشتراك الواقع في الألفاظ، واحتمالها للتأويلات، وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اشتراك في موضوع اللفظ المفرد؛ كالقرء للمحيض وللطهر.
القسم الثاني: اشتراك في أحواله العارضة في التصريف، نحو: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] ، لاحتمال لفظ (يضار) وقوع الضرر منهما إذا اعتبر مبنيًا للمعلوم، أو عليهما إذا اعتبر مبنيًا للمجهول.
القسم الثالث: اشتراك من قبل التركيب نحو { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: 10] ، لما جاء فيه من الاختلاف في الفاعل: هل هو (الكلم) أم (العمل) ؟
السبب الثاني: دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز، وهو ثلاثة أقسام أيضًا:
القسم الأول: ما يرجع إلى اللفظ المفرد، نحو: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [النور: 35] .
القسم الثاني: ما يرجع إلى أحواله، نحو: { بَل مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } [سبأ: 33] .
القسم الثالث: ما يرجع إلى جهة التركيب، كإيراد الممتنع بصورة الممكن، وأشباهه مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره، كالأمر بصورة الخبر.
السبب الثالث: دوران الدليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه، كمسألة البيع بشرط، فكل قائل بشيء منها استند إلى دليل لم يلاحظ فيه دليل غيره، كما حصل لليث بن سعد مع أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة .
السبب الرابع: دورانه بين العموم والخصوص، نحو: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة: 256] ، هل هو خبر بمعنى النهي، أو هو خبر حقيقي؟
السبب الخامس: اختلاف الرواية، وله علل ثمانية: فساد الإسناد، ونقل الحديث على المعنى، أو من الصحف، والجهل بالإعراب، والتصحيف، وإسقاط جزء الحديث، أو سببه، وسماع بعض الحديث وفوت بعضه.
السبب السادس: جهات الاجتهاد والقياس.
السبب السابع: دعوى النسخ وعدمه.
السبب الثامن: ورود الأدلة على وجوه تحتمل الإباحة وغيرها؛ كالاختلاف في الأذان والتكبير على الجنائز، ووجوه القراءات.
ويذكر ابن رشد أسباب الاختلاف - وهي عنده ستة - كما يلي:
1 -تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًا يراد به الخاص، أو خاصًا يراد به العام، أو عامًا يراد به العام، أو خاصًا يراد به الخاص. أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون له.
2 -الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كالقرء، أو المركب كمرجع الاستثناء في { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } [المائدة: 34] على الفاسق فقط أو الشاهد معه، فتجوز شهادة القاذف بعد توبته.
3 -اختلاف الإعراب.
4 -تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي: إما الحذف وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.
5 -إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، كإطلاق الرقبة وتقييدها بالأيمان للعتق.
6 -التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها شرع الأحكام بعضها من بعض، وكذلك التعارض الذي هو معارضة القول للفعل أو للإقرار أو القياس ، ومعارضة الإقرار للقياس [13] .
وقد أورد الشيخ علي الخفيف أسباب اختلاف الفقهاء بأسلوب عصري مبسط، فردها إلى ستة أسباب هي:
1 -الاختلاف في فهم بعض آيات القرآن، أو السنة النبوية.
2 -التفاوت فيما يحفظه أو يطلع عليه كل إمام، أو في ضبط حال خاصة وفي روايتها.
3 -الاختلاف في القبول أو الرد لأسانيد ما وصل من الأحاديث إلى كل إمام.
4 -التفاوت في فهم أسرار الشريعة وعللها وأغراضها.
5 -اختلاف البيئات والعادات والمعاملات باختلاف الأقطار الإسلامية وتباعدها، حيث تختلف بذلك المصالح المعتبرة التي تقوم عليها كثير من الأحكام.
6 -اختلاف المسلمين سياسيًّا في آخر عهد عثمان وفي عهد علي بظهور الشيعة والخوارج [14] .
ويذكر ولي الله الدهلوي أسبابًا رئيسية للاختلاف بين فقهاء الصحابة، وأكثرها يصدق أيضًا على اختلاف غيرهم بما يتناسب مع طبيعة السبب وتصوره في عهد التابعين أو الأئمة المجتهدين. وأهم هذه الأسباب التي لها صفة العموم هي:
1 -سماع حديث في قضية ولم يسمعه مجتهد آخر فاجتهد برأيه. ثم إما أن يوافق اجتهاده الحديث رغم عدم علمه به، أو يبلغه الحديث بسند مردود فلا يأخذ به، أو لا يبلغه الحديث أصلًا.
2 -اختلاف الاجتهاد في حمل الحكم على القربة أو الإباحة .
3 -الاختلاف في الجمع بين الأمرين المتعارضين [15] .
وقد لخص أحد الباحثين هذه الأسباب في تقسيم رباعي:
1 -الاختلاف في ثبوت الحديث وعدم ثبوته.
2 -الاختلاف في فهم النص.
3 -الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة.
4 -الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط [16] .
المقارنة بين المذاهب الفقهية:
موضوع (محل) المقارنة ومعيارها:
موضوع المقارنة: هو الفروع الاجتهادية التي تخفى أدلتها، فهذه الخلاف فيها واقع في الأمة ويعذر المخالف فيها، لخفاء الأدلة أو تعارضها أو الاختلاف في ثبوتها.
وهذا النوع هو المراد في كلام الفقهاء إذا قالوا: في المسألة خلاف، وهناك أمور أخرى ليست موضوعًا للمقارنة، لأنها ليست من المحال التي يصح فيها الاختلاف، وهي أصول الدين الأساسية التي تثبت بالأدلة القاطعة والفروع المعلومة من الدين بالضرورة [17] .
وقد أورد الشاطبي في هذه المسألة بيانًا دقيقًا لفلسفة التشريع في هذه المسألة فقال: موضوع الاختلاف عند الأصوليين هو ما تعددت فيه آراء المجتهدين وأهل الرأي في المسائل التي لم يرد فيها دليل قطعي، إذ محل الاجتهاد المعتبر هو ما يتردد فيه بين طرفين ويظهر في كل منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر، فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد وضوح الحق في النفي أو الإثبات وليس محلًا للاجتهاد، وكل المسائل التي وقع فيها الاختلاف إنما وقع فيها لأنها دائرة بين طرفين واضحين فحصل الإشكال والتردد، وبإحكام النظر في هذا المعنى يترشح للناظر أن يبلغ درجة الاجتهاد، لأنه يصير بصيرًا بمواضع الاختلاف جديرًا بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له. ثم أورد الشاطبي حديث ابن مسعود: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصورًا في العمل [18] .
6-المعيار النسبي للمسائل الخلافية:
هذا عن موضوع المقارنة، أما تحديد المخالف من غيره بين المذاهب فإن الحكم بكون المسألة الفقهية خلافية لا يستقيم إلا بوضع معيار لذلك، فإنه إذا لم يوجد ذلك المعيار اعتبر كل فريق أن سواهم هو المخالف.
وقد كثر الاختلاف في المسائل الفقهية إلا قليلًا، يعرف هذا من النظر في الكتب التي أفردت لهذا الغرض، مثل مراتب الإجماع لابن حزم وغيرهما من كتب الفقه المقارن.
والسبيل إلى حُسن الاستخدام لهذا المصطلح، في مجال التطابق والتناسق بين المذاهب، مراعاة الاتفاق والاختلاف، وليس المراد به اختلاف مذهب عن مذهب، وإنما المخالفة للجمهور، أي ما عليه بقية الفقهاء، قال الحجوي: وقد اتفقوا في مسائل كثيرة، فمنها ما وقع عليه إجماع الأمة معهم، ومنها ما خالفهم فيها غيرهم، وتلك المسائل التي فيها الاتفاق لا تنسب إلى واحد منهم، فلا يقال في نحو وجوب الزكاة: إنه مذهب مالك مثلًا، فلا يضاف لكل واحد منهم إلا ما اختص به [19] .
وهناك نوع من الخلاف الذي يقع فيه لمذهب معين الانفراد عن جميع المذاهب يسميه بعض المؤلفين (المفردات) أي ما انفرد به صاحب المذهب عن غيره من الفقهاء، ومن الكتب المشهورة فيه: نظم المفردات للعمري وشرحه للبهوتي، وهو ما انفرد به الإمام أحمد بن حنبل عن بقية الاجتهادات، ولا يخفى أن هذا النمط من الخلاف هو الجدير بالاهتمام، للبحث في أسبابه وتحقيق مستنده، أملًا في زواله أو تضييقه إن كان ممكنًا.
ومن هذه المفردات نوع خاص يتصف بالغرابة والنكارة بالنسبة لجمهور الفقهاء، وهو بمثابة نشاز عن الاتجاهات الفقهية، ولذا يسمونه (نوادر الفقهاء) بمعنى المسائل الشاذة أو الخلاف المشذذ، والفرق بين هذا النوع وبين ما ينفرد به فقيه عن الجمهور دون تشذيذه، أنه قد يكون هذا الانفراد قوي المنزع ظاهر النفع لتحقيقه مقاصد التشريع، وهو حينئذ جدير أن يقويه العمل به، وهذا ما يحصل فعلًا باختياره للقضاء به في أحد العهود الماضية أو في العصر الحاضر (عصر التقنين) .
ولعل هذا المشذذ هو المستحق للبحث والتمحيص، لأن هذا الانفراد مع الاستغراب والاستنكار من بقية الفقهاء، ومن وراءهم من الأتباع، يؤدي إلى الإنكار والجدل في أوساط المتمذهبين، وتنشأ عنه الفرقة والتنازع بين المسلمين.
وفي ذلك يقول التميمي في كتابه (نوادر الفقهاء) : الاجتهاد إنما يجب على العلماء، ويلزم حذاق الفقهاء، إذا لم يكن في النازلة اتفاق على حكم، ولا حقيقة من علم، وإذ قد ثبت مذهبنا فيها بعد إقامة الدليل على مرادنا فيها، فلنصف الآن من مسائل الفقه ما وصل إلينا وقدرنا عليه من خلال الأقوال النادرة عن الإجماع على خلافها، ليكون من علم على حقيقة من أمره، وهداية في حكمه [20] .
(1) - ففي سنن الترمذى (67 ) عَن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِى الْفَلاَةِ مِنَ الأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ » . قَالَ عَبْدَةُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلَّةُ هِىَ الْجِرَارُ وَالْقُلَّةُ الَّتِى يُسْتَقَى فِيهَا. قَالَ أَبُو عِيسَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِىِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالُوا إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَىْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ وَقَالُوا يَكُونُ نَحْوًا مِن خَمْسِ قِرَبٍ. = القلة: الجرة العظيمة ،وانظر تخريجه وطرقه والحكم عليه مفصلا في البدر المنير - (ج 1 / ص 404)
(2) - عَن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا » . البخاري رقم (2082)
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ » . وَرُبَّمَا قَالَ أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ . صحيح البخارى ( 2109 )
(3) - الإحكام في أصول الأحكام - (ج 2 / ص 459) والمستصفى - (ج 1 / ص 432) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 7 / ص 381) وكشف الأسرار - (ج 7 / ص 104) والبحر المحيط - (ج 7 / ص 364) والتقرير والتحبير - (ج 5 / ص 448)
(4) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 21784) فما بعدها
(5) - الموافقات للشاطبي: 4/61.
(6) - المذاهب الإسلامية لأبي زهرة، ص12، 16.
(7) - الاعتصام للشاطبي: 13/11، والموافقات للشاطبي: 4/125.
(8) - مجموع فتاوى ابن تيمية: 14/159.
(9) - منهج البحث الفقهي، د. عبد الوهاب سليمان، ص177، ومن مراجعه (سلم الوصول شرح نهاية السؤل: 1/77) .
(10) - الكليات للكفوي، ص61، والموافقات للشاطبي: 4/214، 222، وفتح القدير لابن الهمام: 6/394، وحاشية ابن عابدين: 4/331.
(11) - فتح القدير: 5/144، والعناية شرح الهداية: 5/144، والاختيار للموصلي: 2/23.
(12) - المذاهب الإسلامية، الشيخ محمد أبو زهرة، ص12، 16.
(13) - الموافقات للشاطبي: 4/172، 211 - 214؛ وكشف الأسرار للبزدوي: 4/1196؛ بداية المجتهد، لابن رشد: 1/5 - 6.
(14) - أحكام المعاملات المالية ، للشيخ علي الخفيف، ص14 - 15.
(15) - الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، للدهلوي، ص23 - 30.
(16) - دراسات في الاختلافات الفقهية، د. محمد أبو الفتح البيانوني، ص33 - 34.
(17) - الموسوعة الفقهية: 2/295، ومن مراجعها إرشاد الفحول للشوكاني، ص260 - 261، وللشاطبي كلام طويل متعلق بهذا تحت عنوان محل الاجتهاد (الموافقات: 4/154) .
(18) - الموافقات للشاطبي: 4/162.
(19) - الفكر السامي: 4/415.
(20) - نوادر الفقهاء للتميمي، ص24.