فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 60

وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالكَ وسفيانَ وبعدهم قومٌ لا يكرهونَ المسائل ، ولا يهابون الفُتيا، ويقولون على الفقهِ بناءُ الدِّين، فلا بدَّ من إشاعتِه، ويهابونَ روايةَ حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،والرفعِ إليه، فعن عَاصِمَ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِىَّ عَن حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِيهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ: لاَ ، عَلَى مَن دُونَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَبُّ إِلَيْنَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَن دُونَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - [1]

وعَن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ. فَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَحْفَظُ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّى أَقُولُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ عَلْقَمَةُ أَحَبُّ إِلَىَّ. [2]

وعَنِ الشَّعْبِىِّ وَابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ. [3]

وعَن قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى الْكُوفَةِ فَبَعَثَنِى مَعَهُمْ ، فَجَعَلَ يَمْشِى مَعَنَا حَتَّى أَتَى صِرَارَ - وَصِرَارُ مَاءٌ فِى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ - فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْغُبَارَ عَن رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْكُوفَةَ فَتَأْتُونَ قَوْمًا لَهُمْ أَزِيزٌ بِالْقُرْآنِ فَيَأْتُونَكُمْ ، فَيَقُولُونَ: قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَكُمْ فَيَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْحَدِيثِ ، فَاعْلَمُوا أَنَّ أَسْبَغَ الْوُضُوءِ ثَلاَثٌ ، وَثِنْتَانِ تُجْزِيَانِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْكُوفَةَ فَتَأْتُونَ قَوْمًا لَهُمْ أَزِيزٌ بِالْقُرْآنِ ، فَيَقُولُونَ: قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَكُمْ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْحَدِيثِ فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِيهِ. قَالَ قَرَظَةُ: وَإِنْ كُنْتُ لأَجْلِسُ فِى الْقَوْمِ فَيَذْكُرُونَ الْحَدِيثَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنِّى لَمِن أَحْفَظِهِمْ لَهُ ، فَإِذَا ذَكَرْتُ وَصِيَّةَ عُمَرَ سَكَتُّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَعْنَاهُ عِنْدِى الْحَدِيثُ عَن أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ. [4]

وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَالَ: كَانَ الشَّعْبِىُّ إِذَا جَاءَهُ شَىْءٌ اتَّقَى ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ. قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: كَانَ الشَّعْبِىُّ فِى هَذَا أَحْسَنَ حَالًا عِنْدَ ابْنِ عَوْنٍ مِن إِبْرَاهِيمَ . [5] ، أخرج هذه الآثار الدارميُّ .

فوقعَ تدوينُ الحديثِ والفقهِ والمسائلَ من حاجتهم بموقعٍ من وجهٍ آخرَ ، وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديثَ والآثارِ ما يقدرون به على استنباط الفقهِ على الأصولِ التي اختارَها أهلُ الحديث، ولم تنشرحْ صدورُهم للنظر في أقوال علماء البلدانِ وجمعِها والبحث عنها ،واتَّهموا أنفسَهم في ذلك ، وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجةِ العليا منَ التحقيق، وكانتْ قلوبُهم أميلَ شيءٍ إلى أصحابِهم، فعَن مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَانَ يُشَرِّكُ ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: هَلْ أَحَدٌ مِنهُمْ أَثْبَتُ مِن عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لاَ وَلَكِنِّى رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُشَرِّكُونَ فِى ابْنَتَيْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ وَأُخْتَيْنِ. [6]

قال أبو حنيفة رحمه الله: كان حَمَّاد أفقه من الزُّهري، وكان إبراهيم أفقه من سَالم، وعلْقَمَة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كانت لابن عمر صحبة، وإن كان له فضل صحبة، فالأسود له فضلٌ كثير، وعبدُ الله عبدُ الله. [7]

المبحث الثاني

تمهيد الفقه على قاعدة التخريج:

وكان عندهم من الفطانةِ والحدس وسرعةِ انتقال الذهنِ من شيء إلى شيءٍ ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم: « وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ » [8] ، وقوله تعالى: { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) } [المؤمنون53 ]

فمهدوا الفقهَ على قاعدة التخريج ، وذلك أن يحفظَ كلُّ أحدٍ كتابَ من هو لسانُ أصحابه وأعرفِهم بأقوالِ القوم وأصحِّهم نظرا في الترجيح ، فيتأملُ في كل مسألة وجه الحكم ، فكلَّما سئلَ عن شيء ، أو احتاج إلى شيء رأى فيما يحفظُه من تصريحات أصحابهِ ، فإن وجد الجواب فيها ، وإلا نظر إلى عموم كلامِهم ، فأجراهُ على هذه الصورة ، أو إشارةٍ ضمنيةٍ لكلام ، فاستنبط منها .

وربما كان لبعض الكلام إيماءً أو اقتضاءً يفهم المقصودَ ،وربما كان للمسألة المصرح بها نظيرٌ يحمَلُ عليها ، وربما نظروا في علة الحكم المصرَّح به بالتخريج أو بالسبر

والحذف ، فأداروا حكمَه على غير المصرَّح به .

وربما كان له كلامان لو اجتمعا على هيأة القياس الاقتراني أو الشرطيِّ أنتجا جواب المسألة .

وربما كان في كلامهم ما هو معلومٌ بالمثال والقسمة غيرُ معلومٍ بالحدِّ الجامعِ المانعِ ، فيرجعون إلى أهل اللسانِ ، ويتكلَّفون ، في تحصيل ذاتياتِه ، وترتيبِ حدٍّ جامعٍ مانعٍ له ، وضبطِ مبهَمِه وتمييزِ مشكلِه .

وربما كان كلامُهم محتملًا بوجهين ، فينظرون في ترجيحِ أحدِ المحتملين ، وربما يكون تقريبَ الدلائل خفيًّا ، فيبينون ذلك .

وربما استدلَّ بعضُ المخرجين من فعل أئمتهم وسكوتهم ونحو ذلك .

المبحث الثالث

المجتهدون في المذهب:

فهذا هو التخريجُ ويقال له: القول المخرَّج لفلان كذا ، ويقال على مذهب فلان ، أو على أصل فلان ، أو على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا ، ويقال لهؤلاء: المجتهدون في المذهب ، وعني هذا الاجتهاد على هذا الأصل، من قال: من حفظ المبسوطَ كان مجتهدًا ، أي وإن لم يكن له علمٌ بروايةٍ أصلًا ، ولا بحديثٍ واحدٍ فوقعَ التخريجُ في كلِّ مذهبٍ ، وكثرَ ، فأيُّ مذهبٍ كان أصحابه مشهورين وممدٌّ إليهم القضاءُ والإفتاءُ ، واشتهرت تصانيفُهم في الناس ، ودرسوا درسًا ظاهرًا انتشرَ في أقطار الأرض ، ولم يزل ينتشرُ كلَّ حين ، وأيُّ مذهبٍ كان أصحابُه خاملين ، ولم يولَّوا القضاءَ والإفتاءَ ولم يرغب فيهم الناسُ اندرسَ بعدَ حين .

المبحث الرابع

الأفضل الجمع بين التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث:

اعلم أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكلٍّ منهما أصلٌ أصيلٌ في الدين ، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما ، فمنهم من يقلُّ من ذا ويكثرُ من ذاك . . . ، ومنهم من يكثرُ من ذا ويقلُّ من ذاك ، فلا ينبغي أن يهملَ أمرٌ واحدٌ منهما بالمرة كما يفعله عامة الفريقين ، وإنما الحقُّ البحتُ أن يطابق أحدهُما بالأخر ، وأن يجبرَ خللَ كلٍّ بالأخرَ ، فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سُنَّتُكُمْ وَالَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الْغَالِى وَالْجَافِى ، فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا أَقَلَّ النَّاسِ فِيمَا مَضَى ، وَهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ فِيمَا بَقِىَ ، الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا مَعَ أَهْلِ الإِتْرَافِ فِى إِتْرَافِهِمْ ، وَلاَ مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ فِى بِدَعِهِمْ ، وَصَبَرُوا عَلَى سُنَّتِهِمْ حَتَّى لَقُوا رَبَّهُمْ ، فَكَذَلِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكُونُوا. [9]

فمن كان من أهل الحديثِ ينبغي أن يعرضَ ما اختاره ، وذهب إليه على رأي المجتهدينَ من التابعين ، ومَن كان من أهل التخريج ينبغي له أن يجعلَ من السُّنَن ما يحترزُ به من مخالفةِ الصريحِ الصحيحِ، ومن القول برأيِه فيما فيه حديثٌ أو أثرٌ بقدر الطاقةِ .

المبحث الخامس

ينبغي للمحدِّث أن لا يرد الحديثَ لأدنى شائبةٍ:

ولا ينبغي لمحدِّث أن يتعمق بالقواعد التي أحكمها أصحابُه ، وليست مما نصَّ عليه الشارعُ ، فيردَّ به حديثًا أو قياسًا صحيحًا كردِّ ما فيه أدنى شائبة الإرسال والانقطاع كما فعله ابن حزم: ردَّ حديث تحريم المعازف لشائبة الانقطاع في رواية البخاري ، على أنه في نفسه متصلٌ صحيح [10] ، فإن مثله إنما يصارُ إليه عند التعارض ، وكقولهم: فلان أحفظُ لحديث فلان من غيره ، فيرجِّحون حديثه على حديث غيره لذلك ، وإن كان في الآخر ألفُ وجه من الرجحان .

وكان اهتمامُ جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برؤوسِ المعاني دون الاعتباراتِ التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية ، فاستدلالهُم بنحو الفاء والواو وتقديم كلمة وتأخيرها ونحو ذلك من التعمق ، وكثيرًا ما يعبِّرُ الراوي الآخر عن تلك القصة ، فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر ، والحقُّ أن كلَّ ما يأتي به الراوي فظاهرُه أنه كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن ظهرَ حديثٌ آخرَ أو دليلٌ آخر وجبَ المصيرُ إليه .

المبحث السادس

ينبغي للمخرِّج أن لا يخرِّجَ قولًا لا يفيده نفسُ كلام أصحابه:

ولا ينبغي لمخرج أن يخرجَ قولًا لا يفيده نفسُ كلام أصحابه ، ولا يفهمُه منه أهلُ العرف والعلماء باللغة ، ويكون بناء على تخريج مناطٍ أو حملِ نظيرِ المسألةِ عليها مما يختلف فيه أهلُ الوجوه وتتعارضُ الآراء ، ولو أن أصحابه سئلوا عن تلك المسألة ربما يحملون النظيرَ على النظير المانعِ ، وربما ذكروا علةًّ غير ما خرَّجه هو وإنما جاز التخريجُ لأنه في الحقيقة من تقليدِ المجتهدِ ، ولا يتمُّ إلا فيما يفهمُ من كلامه .

المبحث السابع

رعايةُ الحديث أوجبُ:

ولا ينبغي أن يردَّ حديثًا أو أثرًا تطابقَ عليه القومُ لقاعدة استخرجَها هو أو أصحابُه كردِّ حديث المصرَّاةِ [11]

(1) - سنن الدارمى (272) صحيح

(2) - سنن الدارمى (273) صحيح

المحاقلة: هى المزارعة على نصيب معلوم = المزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا

(3) - سنن الدارمى (277) صحيح لغيره = تربد: تغير لون وجهه

(4) - سنن الدارمى (286) صحيح =الأزيز: خنين من الخوف وهو صوت البكاء

(5) - سنن الدارمى (135) صحيح

(6) - سنن الدارمى (2952) صحيح

(7) - شرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 263) وفواتح الرحموت - (ج 2 / ص 205)

(8) - عَن عِمْرَانَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ: « كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ » . صحيح البخارى (7551 )

إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَآل مَحْجُوب عَن الْمُكَلَّف فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِد فِي عَمَل مَا أُمِرَ بِهِ وَلَا يَتْرُك وُكُولًا إِلَى مَا يَئُول إِلَيْهِ أَمْره فَيُلَام عَلَى تَرْك الْمَأْمُور وَيَسْتَحِقّ الْعُقُوبَة .عون المعبود - (ج 10 / ص 226)

(9) - سنن الدارمى (222) حسن

(10) - ففي صحيح البخارى ( 5590 ) وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلاَبِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو عَامِرٍ - أَوْ أَبُو مَالِكٍ - الأَشْعَرِىُّ وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِى سَمِعَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « لَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِى الْفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُوا ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا . فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » . الحِر: الفرج والمعنى يستحلون الزنا

وقال ابن حزم في المحلى (ج 7 / ص 494) : وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَمْ يَتَّصِلْ مَا بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَصَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ - وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ أَبَدًا، وَكُلُّ مَا فِيهِ فَمَوْضُوعٌ، وَوَاللَّهِ لَوْ أُسْنِدَ جَمِيعُهُ أَوْ وَاحِدٌ مِنهُ فَأَكْثَرَ مِن طَرِيقِ الثِّقَاتِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَا تَرَدَّدْنَا فِي الأَخْذِ بِهِ.

وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 16 / ص 61) :

َأَمَّا دَعْوَى اِبْن حَزْم الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا اِبْن الصَّلَاح فِي"عُلُوم الْحَدِيث"فَقَالَ: التَّعْلِيق فِي أَحَادِيث مِن صَحِيح الْبُخَارِيّ قُطِعَ إِسْنَادهَا ، وَصُورَته صُورَة الِانْقِطَاع وَلَيْسَ حُكْمه وَلَا خَارِجًا - مَا وُجِدَ ذَلِكَ فِيهِ مِن قَبِيل الصَّحِيح - إِلَى قَبِيل الضَّعِيف ، وَلَا اِلْتِفَات إِلَى أَبِي مُحَمَّد بْن حَزْم الظَّاهِرِيّ الْحَافِظ فِي رَدّ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِن حَدِيث أَبِي عَامِر وَأَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ عَن رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -"لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَام يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِير وَالْخَمْر وَالْمَعَازِف"الْحَدِيث مِن جِهَة أَنَّ الْبُخَارِيّ أَوْرَدَهُ قَائِلًا"قَالَ هِشَام بْن عَمَّار"وَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ ، فَزَعَمَ اِبْن حَزْم أَنَّهُ مُنْقَطِع فِيمَا بَيْن الْبُخَارِيّ وَهِشَام وَجَعَلَهُ جَوَابًا عَن الِاحْتِجَاج بِهِ عَلَى تَحْرِيم الْمَعَازِف ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ مِن وُجُوه ، وَالْحَدِيث صَحِيح مَعْرُوف الِاتِّصَال بِشَرْطِ الصَّحِيح ، وَالْبُخَارِيّ قَدْ يَفْعَل مِثْل ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيث فِي مَوْضِع آخَر مِن كِتَابه مُسْنَدًا مُتَّصِلًا ، وَقَدْ يَفْعَل ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَاب الَّتِي لَا يَصْحَبهَا خَلَل الِانْقِطَاع ا ه . وَلَفْظ اِبْن حَزْم فِي"الْمُحَلَّى": وَلَمْ يَتَّصِل مَا بَيْن الْبُخَارِيّ وَصَدَقَة بْن خَالِد . وَحَكَى اِبْن الصَّلَاح فِي مَوْضِع آخَر أَنَّ الَّذِي يَقُول الْبُخَارِيّ فِيهِ قَالَ فُلَان وَيُسَمِّي شَيْخًا مِن شُيُوخه يَكُون مِن قَبِيل الْإِسْنَاد الْمُعَنعَن ، وَحُكِيَ عَن بَعْض الْحُفَّاظ أَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ فِيمَا يَتَحَمَّلهُ عَن شَيْخه مُذَاكَرَة ، وَعَن بَعْضهمْ أَنَّهُ فِيمَا يَرْوِيه مُنَاوَلَة . وَقَدْ تَعَقَّبَ شَيْخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل كَلَام اِبْن الصَّلَاح بِأَنَّهُ وَجَدَ فِي الصَّحِيح عِدَّة أَحَادِيث يَرْوِيهَا الْبُخَارِيّ عَن بَعْض شُيُوخه قَائِلًا قَالَ فُلَان وَيُورِدهَا فِي مَوْضِع آخَر بِوَاسِطَةٍ بَيْنه وَبَيْن ذَلِكَ الشَّيْخ . قُلْت: الَّذِي يُورِدهُ الْبُخَارِيّ مِن ذَلِكَ عَلَى أَنْحَاء: مِنهَا مَا يُصَرِّح فِيهِ بِالسَّمَاعِ عَن ذَلِكَ الشَّيْخ بِعَيْنِهِ إِمَّا فِي نَفْس الصَّحِيح وَإِمَّا خَارِجه ، وَالسَّبَب فِي الْأَوَّل إِمَّا أَنْ يَكُون أَعَادَهُ فِي عِدَّة أَبْوَاب وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجه فَتَصَرَّفَ فِيهِ حَتَّى لَا يُعِيدهُ عَلَى صُورَة وَاحِدَة فِي مَكَانَيْنِ ، وَفِي الثَّانِي أَنْ لَا يَكُون عَلَى شَرْطه إِمَّا لِقُصُورٍ فِي بَعْض رُوَاته وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مَوْقُوفًا ، وَمِنهَا مَا يُورِدهُ بِوَاسِطَةٍ عَن ذَلِكَ الشَّيْخ وَالسَّبَب فِيهِ كَالْأَوَّلِ ، لَكِنَّهُ فِي غَالِب هَذَا لَا يَكُون مُكْثِرًا عَن ذَلِكَ الشَّيْخ ، وَمِنهَا مَا لَا يُورِدهُ فِي مَكَان آخَر مِن الصَّحِيح مِثْل حَدِيث الْبَاب ، فَهَذَا مِمَّا كَانَ أَشْكَلَ أَمْره عَلَيَّ ، وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي الْآن أَنَّهُ لِقُصُورٍ فِي سِيَاقه ، وَهُوَ هُنَا تَرَدُّد هِشَام فِي اِسْم الصَّحَابِيّ ، وَسَيَأْتِي مِن كَلَامه مَا يُشِير إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ يَقُول: إِنَّ الْمَحْفُوظ أَنَّهُ عَن عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم عَن أَبِي مَالِك ، وَسَاقَهُ فِي"التَّارِيخ"مِن رِوَايَة مَالِك بْن أَبِي مَرْيَم عَن عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم كَذَلِكَ ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُهَلَّب إِلَى شَيْء مِن ذَلِكَ . وَأَمَّا كَوْنه سَمِعَهُ مِن هِشَام بِلَا وَاسِطَة وَبِوَاسِطَةٍ فَلَا أَثَر لَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَجْزِم إِلَّا بِمَا يَصْلُح لِلْقَبُولِ ، وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ يَسُوقهُ مَسَاق الِاحْتِجَاج . وَأَمَّا قَوْل اِبْن الصَّلَاح أَنَّ الَّذِي يُورِدهُ بِصِيغَةِ"قَالَ"حُكْمه حُكْم الْإِسْنَاد الْمُعَنعَن ، وَالْعَنعَنَة مِن غَيْر الْمُدَلِّس مَحْمُولَة عَلَى الِاتِّصَال ، وَلَيْسَ الْبُخَارِيّ مُدَلِّسًا ، فَيَكُون مُتَّصِلًا ، فَهُوَ بَحْث وَافَقَهُ عَلَيْهِ اِبْن مَنْدَهْ وَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيّ"قَالَ"وَهُوَ تَدْلِيس ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخنَا بِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَصِف الْبُخَارِيّ بِالتَّدْلِيسِ ، وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ مُرَاد اِبْن مَنْدَهْ أَنَّ صُورَته صُورَة التَّدْلِيس لِأَنَّهُ يُورِدهُ بِالصِّيغَةِ الْمُحْتَمَلَة وَيُوجَد بَيْنه وَبَيْنه وَاسِطَة وَهَذَا هُوَ التَّدْلِيس بِعَيْنِهِ ، لَكِنْ الشَّأْن فِي تَسْلِيم أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَة مِن غَيْر الْمُدَلِّس لَهَا حُكْم الْعَنعَنَة فَقَدْ قَالَ الْخَطِيب: وَهُوَ الْمَرْجُوع إِلَيْهِ فِي الْفَنّ أَنَّ"قَالَ"لَا تُحْمَل عَلَى السَّمَاع إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ مِن عَادَته أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي مَوْضِع السَّمَاع ، مِثْل حَجَّاج بْن مُحَمَّد الْأَعْوَر ، فَعَلَى هَذَا فَفَارَقَتْ الْعَنعَنَة فَلَا تُعْطَى حُكْمهَا وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَثَرهَا مِن التَّدْلِيس وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ عُرِفَ مِن عَادَته أَنْ يُورِدهَا لِغَرَضٍ غَيْر التَّدْلِيس ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْد الْحُفَّاظ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْبُخَارِيّ مِن التَّعَالِيق كُلّهَا بِصِيغَةِ الْجَزْم يَكُون صَحِيحًا إِلَى مَنْ عَلَّقَ عَنهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِن شُيُوخه ، لَكِنْ إِذَا وُجِدَ الْحَدِيث الْمُعَلَّق مِن رِوَايَة بَعْض الْحُفَّاظ مَوْصُولًا إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّة أَزَالَ الْإِشْكَال ، وَلِهَذَا عَنَيْت فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر بِهَذَا النَّوْع وَصَنَّفَتْ كِتَاب"تَعْلِيق التَّعْلِيق". وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ وَفِي كَلَامه عَلَى عُلُوم الْحَدِيث أَنَّ حَدِيث هِشَام بْن عَمَّار جَاءَ عَنهُ مَوْصُولًا فِي"مُسْتَخْرَج الْإِسْمَاعِيلِيّ"قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي"مُسْنَد الشَّامِيِّينَ"فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد بْن عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار ، قَالَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه فَقَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْن نَجْدَة حَدَّثَنَا بِشْر بْن بَكْر حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر بِسَنَدِهِ اِنْتَهَى . وَنُنَبِّه فِيهِ عَلَى مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدهمَا: أَنَّ الطَّبَرَانِيّ أَخْرَجَ الْحَدِيث فِي مُعْجَمه الْكَبِير عَن مُوسَى بْن سَهْل الْجُوَيْنِيّ وَعَن جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْفِرْيَابِيّ كِلَاهُمَا عَن هِشَام ، وَالْمُعْجَم الْكَبِير أَشْهَر مِن مُسْنَد الشَّامِيِّينَ فَعَزْوه إِلَيْهِ أَوْلَى ، وَأَيْضًا فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجه عَلَى الْبُخَارِيّ مِن رِوَايَة عَبْدَان بْن مُحَمَّد الْمَرْوَزِيِّ وَمِن رِوَايَة أَبِي بَكْر الْبَاغَنْدِيّ كِلَاهُمَا عَن هِشَام ، وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه عَن الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّه الْقَطَّان عَن هِشَام .

ثَانِيهمَا: قَوْله: إِنَّ أَبَا دَاوُدَ أَخْرَجَهُ يُوهِم أَنَّهُ عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاع وَهُوَ الْمَعَازِف ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَل لَمْ يَذْكُر فِيهِ الْخَمْر الَّذِي وَقَعَتْ تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ لِأَجَلِهِ فَإِنَّ لَفْظه عِنْد أَبِي دَاوُدَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد"حَدَّثَنَا عَطِيَّة بْن قَيْس سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم الْأَشْعَرِيّ يَقُول حَدَّثَنِي أَبُو عَامِر أَوْ أَبُو مَالِك الْأَشْعَرِيّ وَاَللَّه مَا كَذَبَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه يَقُول: لَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتِي أَقْوَام يَسْتَحِلُّونَ الْحِر وَالْحَرِير وَالْخَمْر - وَذَكَرَ كَلَامًا قَالَ - يُمْسَخ مِنهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة"نَعَمْ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْحَدِيث مِن هَذَا الْوَجْه مِن رِوَايَة دُحَيْم عَن بِشْر بْن بَكْر بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ:"يَسْتَحِلُّونَ الْحِر وَالْحَرِير وَالْخَمْر وَالْمَعَازِف"الْحَدِيث . اهـ

(11) - كما في صحيح البخارى (2151 ) ومسلم (3907 ) عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِن تَمْرٍ » .

المصراة: الشاة يجمع اللبن في ضرعها عند إرادة البيع فتبدو أنها كثيرة اللبن

وفي إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 73) :

وَمِمَّا قِيلَ إنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ ، قَالُوا: وَهُوَ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ مِن وُجُوهٍ: مِنهَا أَنَّهُ تَضَمَّنَ رَدَّ الْبَيْعِ بِلَا عَيْبٍ وَلَا خَلْفَ فِي صِفَةٍ ، وَمِنهَا أَنَّ { الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ } ؛ فَاللَّبَنُ الَّذِي يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ إيَّاهُ ، وَمِنهَا أَنَّ اللَّبَنَ مِن ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ مِثْلِهِ ، وَمِنهَا أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ مِن التَّضْمِينِ بِالْمِثْلِ فَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقِيمَةِ ، وَالتَّمْرُ لَا قِيمَةَ وَلَا مِثْلَ ، وَمِنهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَضْمُونَ إنَّمَا يُضْمَنُ بِقَدْرِهِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَقَدْ قُدِّرَ هَاهُنَا الضَّمَانُ بِصَاعٍ .

قَالَ أَنْصَارُ الْحَدِيثِ: كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ خَطَأٌ ، وَالْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا ، وَلَوْ خَالَفَهَا لَكَانَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ لَا يُضْرَبُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، كَمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن أَنْ يُضْرَبَ كِتَابُ اللَّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، بَل يَجِبُ اتِّبَاعُهَا كُلِّهَا ، وَيُقَرُّ كُلٌّ مِنهَا عَلَى أَصْلِهِ وَمَوْضِعِهِ ؛ فَإِنَّهَا كُلُّهَا مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ شَرْعَهُ وَخَلْقَهُ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَهُوَ الْخَطَأُ الصَّرِيحُ .

فَاسْمَعُوا الْآنَ هَدْمَ الْأُصُولِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُعْتَرَضُ بِهَا عَلَى النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ: أَمَّا قَوْلُكُمْ:"إنَّهُ تَضَمَّنَ الرَّدَّ مِن غَيْرِ عَيْبٍ وَلَا فَوَاتِ صِفَةٍ"فَأَيْنَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَلَقَّاةِ عَن صَاحِبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَتَكْفِينَا هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ ، وَلَنْ تَجِدُوا إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْحَصْرِ سَبِيلًا ؛ ثُمَّ نَقُولُ: بَل أُصُولُ الشَّرِيعَةِ تُوجِبُ الرَّدَّ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْتُمْ ، وَهُوَ الرَّدُّ بِالتَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ ، فَإِنَّهُ هُوَ وَالْخُلْفُ فِي الصِّفَةِ مِن بَابٍ وَاحِدٍ ، بَل الرَّدُّ بِالتَّدْلِيسِ أَوْلَى مِن الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يُظْهِرُ صِفَةَ الْمَبِيعِ تَارَةً بِقَوْلِهِ وَتَارَةً بِفِعْلِهِ ، فَإِذَا أَظْهَرَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ فَبَانَ بِخِلَافِهَا كَانَ قَدْ غَشَّهُ وَدَلَّسَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ ، وَلَوْ لَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِذَلِكَ لَكَانَ هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُوجَبُ الْعَدْلِ ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي الْمَبِيعِ بِنَاءً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُ الْبَائِعُ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِهَا لَمْ يَبْذُلْ لَهُ فِيهَا مَا بَذَلَ ، فَإِلْزَامُهُ لِلْمَبِيعِ مَعَ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ الَّذِي تَتَنَزَّهُ الشَّرِيعَةُ عَنهُ ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْخِيَارَ لِلرُّكْبَانِ إذَا تُلُقُّوا وَاشْتُرِيَ مِنهُمْ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطُوا السُّوقَ وَيَعْلَمُوا السِّعْرَ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا عَيْبٌ وَلَا خُلْفٌ فِي صِفَةٍ ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ تَدْلِيسٍ وَغِشٍّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت