وذلك لأنه كم من حديث صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل بيت خاصة، كنسخة بريد عن أبي بردة عن أبي موسى [1] ، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [2] ، أو كان الصحابيُّ مقِلًّا خاملًا لم يحمل عنه إلا شرذمةٌ قليلونَ، فمثلُ هذه الأحاديث يغفلُ عنها عامةُ أهلِ الفتوى، واجتمعتْ عندهم آثارُ فقهاءِ كلِّ بلدٍ من الصحابة والتابعين ، وكانَ الرجلَ فيما قبلهم لا يتمكنُ إلا من جمعِ حديثِ بلدهِ وأصحابهِ، وكان مَن قبلهم يعتمدون في معرفة أسماءِ الرجالِ ومراتب عدالتِهم على ما يخلصُ إليهم من مشاهدة الحالِ، وتتبعِ القرائنَ ، وأمعنَ هذه الطبقةُ في هذا الفنِّ ، وجعلوه شيئًا مستقلًّا بالتدوين والبحث، وناظروا في الحكم بالصحَّةِ وغيرها ، فانكشفَ عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خفيًّا من حالِ الاتصاِل والانقطاعِ ، وكان سفيانُ ووكيعُ وأمثالهُما يجتهدونَ غاية الاجتهادِ فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتَّصلِ إلا منْ دون الألف حديثٍ، كما ذكره أبو داودَ السجستانيُّ في رسالته إلى أهل مكة ، وكان أهل هذه الطبقة يروونَ أربعينَ ألفَ حديثٍ، فما يقرب منها، بل صحَّ عن البخاري أنه اختصرَ صحيحه من ستمائةِ ألفِ حديثٍ، وعن أبي داودَ أنه اختصر سننه من خمسمائةِ ألفِ حديثٍ، وجعل أحمدُ مسندَه ميزانًا يعرَفُ به حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما وُجِدَ فيه ولو بطريقٍ واحدٍ من طرقِه فله أصلٌ، وإلا فلا أصلَ له [3] ، وكان رؤوس هؤلاء عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، ويحيى بنُ سعيدٍ القطانَ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وعبدُ الرزاقِ ، وأبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ ، ومسددٌ وهنادُ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحقُ بنُ راهويه، والفضلُ بنُ دكين، وعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيّ وأقرانُهم ، وهذه الطبقةُ هي الطرازُ الأولُ من طبقات المحدِّثين فرجعَ المحققونَ منهم بعد إحكام فنِّ الروايةِ ومعرفةِ مراتبِ الأحاديثِ إلى الفقهِ، فلم يكنْ عندهم من الرأيِ أن يجمعَ على تقليدِ رجلٍ ممنْ مضى ،مع ما يروون من الأحاديثِ والآثارِ المناقضةِ في كلِّ مذهبٍ من تلك المذاهبِ، فأخذوا يتتبعونَ أحاديثَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وآثارَ الصحابِ والتابعينَ والمجتهدينَ على قواعدَ أحكموها في نفوسِهم، وأنا أبيِّنُها لكَ في كلماتٍ يسيرةٍ ، كان عندهم إنه إذا وُجد في المسألة قرآنٌ ناطقٌ فلا يجوزُ التحوًّلُ منه إلى غيره ، وإذا كان القرآنُ محتمِلًا لوجوهٍ فالسُّنَّةُ قاضيةٌ عليه، فإذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواءٌ كانَ مستفيضًا دائرًا بين الفقهاءِ، أو يكونُ مختصًّا بأهلِ بلدٍ أو أهلِ بيتٍ ،أو بطريق خاصةٍ، وسواءٌ عمِلَ به الصحابةُ والفقهاءُ أو لم يعملوا به، ومتَى كان في المسألةِ حديثٌ فلا يتبعُ فيها خلافُه أثرًا من الآثارِ، ولا اجتهادَ أحدٍ منَ المجتهدينَ، وإذا أفرغوا جهدهم في تتبعِ الأحاديثِ ولم يجدوا في المسألة حديثًا أخذوا بأقوالِ جماعةٍ من الصحابةِ والتابعينَ، ولا يتقيدونَ بقومٍ دون قومٍ، ولا بلدٍ دون بلدٍ كما كانَ يفعلُ مَن قبلهم، فإنِ اتفقَ جمهورُ الخلفاءِ والفقهاءِ على شيءٍ فهو المتبعُ، وإن اختلفوا أخذوا بحديثِ أعلمِهم علمًا، أو أورعهم ورعًا، أو أكثرهِم ضبطًا، أو ما اشتهرَ عنهم، فإن وجدوا شيئًا يستوي فيه قولانِ فهي مسألةٌ ذاتُ قولينِ، فإن عجزوا عن ذلك تأمَّلوا في عمومات الكتابِ والسُّنَّة وإيماآتِهما واقتضاآتِهما، وحملوا نظير المسألةِ عليها في الجوابِ إذا كانتا متقاربتين باديَ الرأيِ، لا يعتمدون في ذلك على قواعدَ منَ الأصولِ، ولكن على ما يخلُص إلى الفهِم ويثلِجُ به الصدرَ، كما أنه ليس ميزانُ التواتر عددَ الرواة ولا حالَهم ، ولكنِ اليقينُ الذي يعقبُه في قلوبِ الناسِ كما نبَّهنا على ذلك في بيان حال الصحابةِ، وكانتْ هذه الأصولُ مستخرجةً من صنيعِ الأوائلَ وتصريحاتِهم .
عَن جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ فِى كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِى بَيْنَهُمْ قَضَى بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى الْكِتَابِ وَعَلِمَ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى ذَلِكَ الأَمْرِ سُنَّةً قَضَى بِهِ ، فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: أَتَانِى كَذَا وَكَذَا فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى فِى ذَلِكَ بِقَضَاءٍ؟ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ قَضَاءً ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِينَا مَن يَحْفَظُ عَلَى نَبِيِّنَا. فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ رُءُوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَإِنْ أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ. [4]
وعَن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ قَضَى بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعَلِمَ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى فِي ذَلِكَ بِقَضَاءٍ ؟ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ يَذْكُرُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ قَضَاءً ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَن يَحْفَظُ عَلَيْنَا دِينَنَا . أَوْ قَالَ: مَن يَحْفَظُ عَن نَبِيِّنَا" [5]
وعَن شُرَيْحٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ جَاءَكَ شَىْءٌ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلاَ تَلْتَفِتْكَ عَنهُ الرِّجَالُ ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَانْظُرْ سُنَّةً عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاقْضِ بِهَا ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَانْظُرْ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَخُذْ بِهِ ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ فَاخْتَرْ أَىَّ الأَمْرَيْنِ شِئْتَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتَقَدَّمْ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأَخَّرَ فَتَأَخَّرْ ، وَلاَ أَرَى التَّأَخُّرَ إِلاَّ خَيْرًا لَكَ. [6]
وعَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ:"إِذَا حَضَرَكَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنهُ فَانْظُرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ , فَبِمَا قَضَى بِهِ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ , فَبِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ وَأَئِمَّةُ الْعَدْلِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْتَهِدَ رَأْيَكَ , فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ , وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَامِرَنِيَ فَآمِرْنِي , وَلَا أَرَى مُؤَامَرَتَكَ إِيَّايَ إِلَّا خَيْرًا لَكَ , وَالسَّلَامُ" [7]
وعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ: أَكْثَرُوا عَلَى عَبْدِ اللهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نَقْضِي ، وَلَسْنَا هُنَاكَ ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ قَدَّر َأَنْ بَلَغَنَا مِنَ الأَمْرِ مَا تَرَوْنَ ، فَمَن عَرَضَ لَهُ مِنكُمْ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلِيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ ، فَإِنْ جَاءَهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِنْ جَاءَهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ، وَلَمْ يَقْضِ بِهِ نَبِيُّهُ ، فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَإِنْ أَتَاهُ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ، وَلاَ قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلاَ قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَلْيَجْتَهِدْ بِرَأْيِهِ ، وَلاَ يَقُولُ: إنِّي أَخَافُ وَإِنِّي أَخَافُ ، فَإِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَدَعْ مَا يَرْبِيكَ إلَى مَا لاَ يَرْبِيكَ. [8]
وعَنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:"إِذَا حَضَرَكَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنهُ ، فَانْظُرْ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ ، فَإِنْ عَيِيتَ فَمَا قَضَى بِهِ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنْ عَيِيتَ فَمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَإِنْ عَيِيتَ فَاؤُمَّ وَلَا تَأْلُ ، فَإِنْ عَيِيتَ فَأَقِرَّ ، وَلَا تَسْتَحِ" [9]
وعَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ , قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ"إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ , فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ , وَكَانَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , وَكَانَ عَن أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخْبَرَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَن أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ اجْتَهَدَ فِيهِ رَأْيَهُ" [10]
وعن مُعْتَمِرَ عَن أَبِيهِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَا تَخَافُونَ أَنْ تُعَذَّبُوا أَوْ يُخْسَفَ بِكُمْ أَنْ تَقُولُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ فُلاَنٌ. [11]
وعَن قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا بِحَدِيثٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَجُلٌ: قَالَ فُلاَنٌ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَتَقُولُ قَالَ فُلاَنٌ؟ لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. [12]
وعَنِ الأَوْزَاعِىِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّهُ لاَ رَأْىَ لأَحَدٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا رَأْىُ الأَئِمَّةِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ كِتَابٌ وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ رَأْىَ لأَحَدٍ فِى سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [13]
وعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّى مَعَ الإِمَامِ فَقَالَ يَقُومُ عَن يَسَارِهِ. فَقُلْتُ حَدَّثَنِى سُمَيْعٌ الزَّيَّاتُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَقَامَهُ عَن يَمِينِهِ فَأَخَذَ بِهِ. [14]
وعَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ: جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَن شَىْءٍ ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَخْبِرْنِى أَنْتَ بِرَأْيِكَ. فَقَالَ: أَلاَ تَعْجَبُونَ مِن هَذَا؟ أَخْبَرْتُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَسْأَلُنِى عَن رَأْيِى ، وَدِينِى عِنْدِى آثَرُ مِن ذَلِكَ ، وَاللَّهِ لأَنْ أَتَغَنَّى أُغْنِيَّةً أَحَبُّ إِلَىَّ مِن أَنْ أُخْبِرَكَ بِرَأْيِى" [15] أخرج هذه الآثار كلها الدارمي ."
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَلَّدَ نَعْلَيْنِ وَأَشْعَرَ الْهَدْىَ فِى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ وَأَمَاطَ عَنهُ الدَّمَ. قَالَ وَفِى الْبَابِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِن أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ الإِشْعَارَ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِىِّ وَالشَّافِعِىِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. قَالَ أَبُو عِيسَى سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ لاَ تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْىِ فِى هَذَا فَإِنَّ الإِشْعَارَ سُنَّةٌ وَقَوْلَهُمْ بِدْعَةٌ. قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ مِمَن يَنْظُرُ فِى الرَّأْىِ أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ. قَالَ الرَّجُلُ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِىَ عَن إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ أَنَّهُ قَالَ الإِشْعَارُ مُثْلَةٌ. قَالَ فَرَأَيْتُ وَكِيعًا غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَقُولُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ ثُمَّ لاَ تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَن قَوْلِكَ هَذَا. [16]
وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقولون: ما من أحد إلا ومأخوذٌ من كلامه ومردودٌ عليه إلا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - . [17]
وبالجملة فلمَّا مهَّدوا الفقهَ على هذه القواعد فلم تكن مسألةٌ من المسائلَ التي تكلم فيها مَن قبلهم والتي وقعتْ في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثًا مرفوعًا متصلاَ أو مرسلاَ أو موقوفًا صحيحًا أو حسنًا أو صالحًا للاعتبار،أو وجدوا أثرًا من آثارِ الشيخينِ أو سائر الخلفاءِ وقضاةِ الأمصارِ وفقهاءِ البلدان، أو استنباطًا من عمومٍ أو إيماءً أو اقتضاءً فيسَّر اللهُ لهم العملَ بالسنَّة على هذا الوجه، وكان أعظمَهم شأنًا وأوسعَهم روايةً وأعرفَهم للحديثِ مرتبةً وأعمقَهم فقهاُ أحمدُ بنُ حنبلٍ، ثمَّ إسحقُ بنُ راهويه، وكان ترتيبُ الفقهِ على هذا الوجه يتوقفُ على جمعِ شيءٍ كثيرٍ منَ الأحاديثَ والآثارِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَادِي: سَمِعْت رَجُلًا يَسْأَلُ أَحْمَدَ: إذَا حَفِظَ الرَّجُلُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ يَكُونُ فَقِيهًا ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَمِائَتَيْ أَلْفٍ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَثَلَاثَ مِائَةِ أَلْفٍ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَأَرْبَعَ مِائَةِ أَلْفٍ ، قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا ، وَحَرَّكَ يَدَهُ . [18]
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَادِي ، وَقَدْ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُهُ: إذَا حَفِظَ الرَّجُلُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ يَكُونُ فَقِيهًا ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَمِائَتَيْ أَلْفٍ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ ؟ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا ، وَحَرَّكَهَا ، قَالَ حَفِيدُهُ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: فَقُلْتُ لِجَدِّي: كَمْ كَانَ يَحْفَظُ أَحْمَدُ ؟ فَقَالَ أَجَابَ عَن سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ . [19] ومراده الإفتاء على هذا الأصل.
ثم أنشأَ اللُه تعالى قرنًا آخرَ فرأوا أصحابهم قد كفوهم مؤونةَ جمعِ الأحاديثِ وتمهيدَ الفقهِ على أصلهِم فتفرَّغوا لفنونٍ أخرَى كتمييزِ الحديثِ الصحيحِ المجمعِ عليهِ من كبراءِ أهل الحديثِ، كيزيدَ بنِ هارون ويحيى بنِ سعيد القطان وأحمدَ وإسحقَ وأضرابِهم ، وكجمعِ أحاديثَ الفقهِ التي بنَى عليها فقهاءُ الأمصارِ وعلماءُ البلدان مذاهبَهم ، وكالحكمِ على كلِّ حديثٍ بما يستحقُّه، وكالشاذةِ والفاذةِ منَ الأحاديثَ التي لم يرووها أو طرقها التي لم يخرج من جهتها الأوائل، مما فيهِ اتصالٌ أو علوُّ سندٍ أو روايةُ فقيهٍ عن فقيهٍ، أو حافظٌ عن حافظٍ أو نحو ذلك من المطالب العلمية ، وهؤلاءِ همُ البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داودَ وعبدُ بنُ حميد والدارميُّ، وابنُ ماجةَ، وأبو يعلَى والترمذيُّ والنسائيُّ والدارقطنيُّ والحاكمُّ والبيهقيُّ والخطيبُّ والديلميُّ، وابنَ عبدِ البرِّ وأمثالُهم.
وكان أوسعَهم علمًا عندي وأنفعَهم تصنيفًا وأشهرَهم ذكرًا رجالٌ أربعةٌ متقاربونَ في العصرِ: أولهُم أبو عبد اللهِ البخاريُّ، وكان غرضُه تجريدَ الأحاديثَ الصِّحاحِ المستفيضةِ المتصلةِ من غيرها ، واستنباطَ الفقهِ والسيرةِ والتفسيرِ منها، فصنَّفَ جامعَهُ الصحيحَ ووفَّى بما شرطَ ، وبلغنا أنَّ رجلًا من الصالحين رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه وهو يقول: مالكَ اشتغلتَ بفقهِ محمدِ بنِ إدريسَ وتركتَ كتابي؟ قال: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: صحيحُ البخاري ، ولعمري إنه نالَ منَ الشهرةِ والقبولِ درجةً لا يرامُ فوقَها . [20]
وثانيهم مسلمُ النيسابوريُّ توخَّى تجريدَ الصِّحاحِ المجمعِ عليها بين المحدِّثين المتصلةِ المرفوعة مما يستنبطُ منه السنَّةُ ، وأراد تقريبها إلى الأذهانِ وتسهيلَ الاستنباطِ منها، فرتَّبَهُ ترتيبًا جيدًا، وجمعَ طرقَ كل حديثٍ في موضع واحد، ليتضحَ اختلافُ المتون وتشعبِ الأسانيد أصرحَ ما يكون، وجمع بين المختلفاتِ، فلم يدع لمن له معرفةٌ بلسان العرب عذرًا في الإعراض عن السنَّة إلى غيرها .
وثالثُهم أبو داودَ السجستانيُّ، وكان همُّه جمعَ الأحاديث التي استدلَّ بها الفقهاءُ، ودارتْ فيهم، وبنَى عليها الأحكامَ علماءُ الأمصارِ، فصنَّف سننَه، وجمعَ فيها الصحيحَ والحسنَ والليِّنَ والصالحَ للعملِ، قال أبو داودَ: وما ذكرتُ في كتابي حديثًا أجمعَ الناسُ على تركه، وما كان منها ضعيفًا أصرحُ بضعفه، وما كان فيه علةٌ بينتها بوجهٍ يعرفُه الخائضُ في هذا الشأن ، وترجمَ على كلِّ حديثٍ بما قد استنبط منه عالمٌ ، وذهبَ إليه ذاهبٌ، ولذلك صرح الغزاليُّ وغيره بأن كتابه كافٍ للمجتهدِ.
ورابعُهم أبو عيسى الترمذيُّ، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بيَّنا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيثُ جمعَ كلَّ ما ذهبَ إليه ذاهبٌ، فجمعَ كلتا الطريقتين وزادَ عليهما بيانُ مذاهبِ الصحابةِ والتابعينَ وفقهاءِ الأمصار، فجمع كتابًا جامعًا واختصرَ طرقَ الحديثِ اختصارًا لطيفًا، فذكر واحدًا وأومأَ إلى ما عداهُ، وبيَّن أمر كلِّ حديثٍ من أنه صحيحٌ أو حسنٌ أو ضعيفٌ أو منكرٌ، وبيَّن وجهَ الضعفِ ليكونَ الطالبُ على بصيرةٍ من أمرهِ فيعرفَ ما يصلحُ للاعتبارِ مما دونَه، وذكر أنه مستفيضٌ أو غريبٌ، وذكر مذاهبَ الصحابةِ وفقهاءِ الأمصار، وسمَّى من يحتاجُ إلى التسميةِ، وكنَّى من يحتاجُ إلى التكنيةِ فلم يدع خفاءً لمنْ هو من رجالِ العلم ، ولذلك يقالُ: إنه كافٍ للمجتهدِ، مُغْنٍ للمقلِّدِ .
(1) - كما في صحيح البخارى (92 ) عَن بُرَيْدٍ عَن أَبِى بُرْدَةَ عَن أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَن أَشْيَاءَ كَرِهَهَا ، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ « سَلُونِى عَمَّا شِئْتُمْ » . قَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِى قَالَ « أَبُوكَ حُذَافَةُ » . فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ « أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ » . فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِى وَجْهِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
(2) - كما في سنن أبى داود (135) عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطُّهُورُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِى إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلاَثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِى أُذُنَيْهِ وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ « هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ » . (صحيح)
(3) - قلت: هذا على سبيل التغليب ، وإلا فهناك أحاديث ليست في المسند ، وهي صحيحة وموجودة في المسانيد الأخرى أو السنن الأخرى أو الصحاح . والعبرة بصحة السند ليس إلا .
(4) - سنن الدارمى (163) وفيه انقطاع
(5) - معجم الإسماعيلي ( 84 ) وفيه انقطاعٌ
(6) - سنن الدارمى (169) صحيح
(7) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ ( 527 ) صحيح لغيره
(8) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 7 / ص 241) ( 23445و23446) صحيح
(9) - الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ ( 8830 ) صحيح لغيره
(10) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (534 ) صحيح
(11) - سنن الدارمى (439) صحيح
(12) - سنن الدارمى (449) صحيح
(13) - سنن الدارمى (440) صحيح
(14) - مسند أحمد (3418) صحيح
(15) - سنن الدارمى (109) وفيه انقطاع
(16) - سنن الترمذى (916 ) صحيح
أشعر: طعن في أحد جانبى سنام البعير حتى يسيل دمها = قلد: جعل في عنق الهدى نعلين
(17) - الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 22) وعقد الجيد - (ج 1 / ص 27)
(18) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 56)
(19) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 5 / ص 60)
(20) - قلت: لا تؤخذ الأحكام الشرعية من المنامات ، وفقه الإمام الشافعي ما هو إلا استنباط للأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والمصادر الأخرى ، فالاشتغالُ بالفقه الشافعي ، ليس فيه إعراضٌ عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنه الفهم الصحيح لها .