فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 60

ومثل حديث القلتين كما في سنن أبى داود (63 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَن أَبِيهِ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ » .

فقد صححه قوم وضعفه آخرون ، فمن صححه كالشافعية عملوا به ، ومن ضعفه لم يعمل به كالحنفية [1]

أَوْ يَكُونُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أُولَئِكَ الْمَجْرُوحِينَ عِنْدَهُ ؛ مثل حديث: « مَن غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ » . [2]

فقد صححه قوم وضعفه آخرون ، قال ابن الملقن:"هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق كَثِيرَة ، يَدُور - فِيمَا حصرنا مِنهَا - عَلَى سِتَّة من الصَّحَابَة أبي هُرَيْرَة ، وَعَائِشَة ، وَعلي ، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان ، والمغيرة رَضي اللهُ عَنهم ."

ثم أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فيحضرنا من (طرقه) ثَلَاثَة عشر طَرِيقا:

فذكرها جميعًا وذكر قول العلماء على جميعها ، ثم قال عقبها هَذَا مَا حَضَرنَا من كَلَام الْحفاظ قَدِيما وحديثًا عَلَيْهِ ، وَحَاصِله تَضْعِيف رَفعه وَتَصْحِيح وَقفه ، وَلَا بُد من النّظر فِي ذَلِك عَلَى سَبِيل التَّفْصِيل دون الِاكْتِفَاء بالتقليد ، وَقد قَامَ بذلك صَاحب «الإِمَام» وَحَاصِل مَا يعتل بِهِ فِي ذَلِك وَجْهَان:

أَحدهمَا: من جِهَة رجال الْإِسْنَاد ، فَأَما رِوَايَة صَالح مولَى التوءمة - وَهِي الطَّرِيق الثَّالِث - (فقد) سلف قَول مَالك وَشعْبَة فِيهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : اخْتَلَط فِي آخر عمره ، فَخرج عَن (حد) الِاحْتِجَاج بِهِ .

وَأما رِوَايَة عَمْرو بن عُمَيْر - وَهِي الطَّرِيق الرَّابِع - فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ (فِيهِ) : إِنَّمَا (يعرف) بِهَذَا الحَدِيث ، وَلَيْسَ بالمشهور . وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّه مَجْهُول الْحَال لَا يعرف بِغَيْر هَذَا ، (وَهَذَا) الحَدِيث من غير مزِيد ذكره (ابْن أبي حَاتِم) .قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا عِلّة الْخَبَر .

وَأما زُهَيْر الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الْخَامِس فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: رَوَى عَنهُ أهل الشَّام أَحَادِيث مَنَاكِير . وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ .

وَأما حَدِيث الْعَلَاء - وَهُوَ السَّادِس - فَقَالَ ابْن الْقطَّان: لَيْسَ بِمَعْرُوف .

وَأما السَّابِع: فَفِي إِسْنَاده أَبُو (وَاقد) واسْمه: صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة . قَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِذَاكَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَجَمَاعَة: ضَعِيف . وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث .

وَأما الثَّامِن: فَفِيهِ أَبُو إِسْحَاق ، وَهُوَ مَجْهُول ، كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ .

وَأما التَّاسِع: فمحمد بن (عَمْرو) قَالَ يَحْيَى: مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه .

وَأما الْعَاشِر: فالبكراوي ، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ، طرح النَّاس حَدِيثه ، كَمَا قَالَه أَحْمد ، وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: ذهب حَدِيثه .

وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِقَوي ، يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ: ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان: يروي المقلوبات عَن الْأَثْبَات ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ .

وَأما الْحَادِي عشر: فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (وحنين) بن أبي حَكِيم ، وَلَا يحْتَج بهما .

الْوَجْه الثَّانِي: التَّعْلِيل ؛ فَأَما رِوَايَة سُهَيْل فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه رُوِيَ مَوْقُوفا . وَأَيْضًا ؛ فقد رَوَاهُ سُفْيَان ، عَن سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ، عَن أبي هُرَيْرَة - كَمَا سلف - فَأدْخل (رجلا) بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة ، وَهَذَا اخْتِلَاف .

قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَإِنَّمَا لم يقو عِنْدِي أَنه يرْوَى عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَيدخل بعض الْحفاظ بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة «إِسْحَاق مولَى زَائِدَة» . قَالَ: فَيدل عَلَى (أَن) أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة ، وَلَيْسَت معرفتي [ بِإسْحَاق ] مولَى زَائِدَة مثل معرفتي بِأبي صَالح ، وَلَعَلَّه أَن يكون ثِقَة .

(وَأما) رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب ؛ فقد أسلفنا (روايتنا) لَهُ عَن صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَعَن الْقَاسِم بن عَبَّاس ، عَن عَمْرو بن عُمَيْر ، عَن أبي هُرَيْرَة .

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب (رِوَايَة) ابْن أبي ذِئْب: وَصَالح مولَى التوءمة لَيْسَ بِالْقَوِيّ .

وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو فقد رَوَاهَا عبد الْوَهَّاب عَنهُ مَوْقُوفَة عَلَى أبي هُرَيْرَة ، وَرجحه بَعضهم عَلَى الرّفْع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ . وَرَوَاهُ مُعْتَمر (أَيْضا) عَن مُحَمَّد فَوَقفهُ ، وَقد أسلفنا عَن أبي حَاتِم أَن الرّفْع خطأ . ثمَّ شرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُجيب عَن ذَلِك فَقَالَ: لقَائِل أَن يَقُول: أما الْكَلَام عَلَى صَالح مولَى التوءمة فَهُوَ وَإِن كَانَ مَالك قَالَ فِيهِ: إِنَّه لَيْسَ بِثِقَة - كَمَا قدمْنَاهُ - واستضعفه غَيره (فقد قَالَ) يَحْيَى فِيهِ: إِنَّه ثِقَة حجَّة . قيل لَهُ: إِن مَالِكًا (ترك) السماع مِنهُ ! فَقَالَ: (إِن) مَالِكًا إِنَّمَا أدْركهُ بعد أَن خرف ، وَلَكِن ابْن أبي ذِئْب سمع مِنهُ قبل أَن يخرف .

وَقَالَ السَّعْدِيّ: تغير جدًّا ، وَحَدِيث ابْن أبي ذِئْب (مَقْبُول) مِنهُ لقدم سَمَاعه . قَالَ الشَّيْخ: فَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَلَام مَالك فِيهِ بعد تغيره وَأَن رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب قديمَة مَقْبُولَة ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَنهُ . قَالَ: وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ «إِنَّه اخْتَلَط فِي آخر عمره ؛ فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ» لِأَنَّهُ قد تبين بِشَهَادَة من تقدم بقدم سَماع ابْن أبي ذِئْب وَأَنه مَقْبُول .

قلت: وَبِه يُجَاب (أَيْضا) عَن إعلال ابْن الْجَوْزِيّ الحَدِيث بِهِ كَمَا أسلفناه عَنهُ . قَالَ الشَّيْخ: وَأما رِوَايَة سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة فسندها عِنْد التِّرْمِذِيّ من شَرط الصَّحِيح ، وَقَالَ فِيهَا التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حَدِيث حسن ، وَعبد الْعَزِيز (بن) الْمُخْتَار وَأَبُو صَالح مُتَّفق عَلَيْهِمَا ، وَمُحَمّد بن عبد الْملك و (سُهَيْل) أخرج لَهما مُسلم . وَقَالَ الشَّيْخ فِي (الْإِلْمَام) أَيْضا: رِجَاله رجال مُسلم . وَقد أخرجهَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الشَّامي ، حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من غسل مَيتا فليغتسل ، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ» وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَائِدَة أُخْرَى ؛ وَهِي مُتَابعَة حمادٍ عبدَ الْعَزِيز .

وَأما رِوَايَة سُفْيَان وَإِدْخَال إِسْحَاق بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة ، فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِي يدلُّ عَلَى أَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة ، وَلَكِن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة موثق أخرج لَهُ مُسلم ، وَقَالَ يَحْيَى: ثِقَة . وَإِذا كَانَ ثِقَة ، فكيفما كَانَ الحَدِيث عَنهُ أَو عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، لم يخرج عَن ثِقَة .

قلت: وَقَول الشَّافِعِي السالف إِن فِي إِسْنَاده رجلا لم أَقف (عَلَى معرفَة) ثَبت حَدِيثه إِلَى يومي عَلَى مَا يقنعني . الظَّاهِر أَنه أَرَادَ إِسْحَاق هَذَا وَقد وضح لَك ثقته ، وَقد قَالَ فِيهِ مرّة أُخْرَى: لَعَلَّه أَن يكون ثِقَة . كَمَا أسلفناه عَنهُ .

وَأما طَرِيق أبي دَاوُد الَّذِي زيد فِيهِ «إِسْحَاق» فَلَا أرَى لَهُ عِلّة لصِحَّة إِسْنَاده واتصاله . حَامِد بن يَحْيَى الْمَذْكُور فِي أول إِسْنَاده مَشْهُور ، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق . وَذكر جَعْفَر الْفرْيَابِيّ أَنه سَأَلَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ عَنهُ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله ، أُبْقِي حَامِد إلىأن يحْتَاج يسْأَل عَنهُ ؟ ! وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَقَالَ: كَانَ أعلم زَمَانه وَمن بعده مخرج لَهُ فِي «الصَّحِيح» . وَقد جنح ابْن حزم الظَّاهِرِيّ (إِلَى تَصْحِيحه) فَإِنَّهُ احْتج بِهِ فِي الْمَسْأَلَة وَقَالَ: إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ثِقَة مدنِي ، وَثَّقَهُ أَحْمد بن صَالح الْكُوفِي وَغَيره .

وَأما زُهَيْر فقد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة . وَقَالَ يَحْيَى: ثِقَة . وَقَالَ أَحْمد: مقارب الحَدِيث . وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ الْعجلِيّ: جَائِز الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق ، فِي حفظه سوء (وَقَالَ: حَدِيثه) بِالشَّام ، أنكر من حَدِيثه بالعراق لسوء حفظه ، وَمَا (حدث) بِهِ من حفظه فَهُوَ أغاليط .

قلت: وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أهل الشَّام عَنهُ (الَّتِي) قَالَ البُخَارِيّ فِيهَا مَا سلف ، لَكِن رَوَى البُخَارِيّ (أَيْضا) عَن أَحْمد أَنه قَالَ: كأنَّ (زهيرًا) الَّذِي رَوَى عَنهُ أهل الشَّام (زُهَيْر) آخر .

وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو (فقد) احْتج بهَا ابْن حزم حَيْثُ رَوَاهَا من جِهَة حَمَّاد بن سَلمَة ، وَمُحَمّد بن عَمْرو رَوَى عَنهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ وتابع (بِهِ) مُسلم ، وَقد رفع هَذَا الحَدِيث حَمَّاد ، وَتَابعه أَبُو (بَحر) وَفِي قَول أبي حَاتِم: يكْتب حَدِيثه . مَا يَقْتَضِي أَن يَجْعَل تَأْكِيدًا فِي رَفعه ، وَرِوَايَة الْوَقْف لم يَعْتَبِرهَا ابْن حزم تَقْدِيمًا للرفع عَلَيْهَا ، وَقَالَ (عَلّي) بن الْمَدِينِيّ: كَانَ يَحْيَى بن سعيد حسن الرَّأْي فِي أبي بَحر .

وَأما ابْن لَهِيعَة فقد (سلفت) تَرْجَمته فِيمَا مَضَى ، وَأما حنين بن أبي حَكِيم فقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان .

وَأما الِاخْتِلَاف عَلَى ابْن أبي ذِئْب فقد يُقَال: إنَّهُمَا إسنادان مُخْتَلِفَانِ لِابْنِ أبي ذِئْب لَا يُعلل أَحدهمَا بِالْآخرِ ؛ لاخْتِلَاف رجالهما .

وَأما قَول ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث الْعَلَاء: إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف . إِن أَرَادَ أَنه لَا يعرف مخرجه فَلَيْسَ كَذَلِك ، فقد خرجه الْبَزَّار كَمَا أسلفناه ، وَإِن أَرَادَ (مَعَ) (معرفَة طَرِيقه) أَنه غير مَشْهُور ؛ فَلَا (يُنَاسِبه) ذَلِك ، وَإِنَّمَا (يُنَاسِبه) النّظر فِي رجال إِسْنَاده .

وَأما أَبُو وَاقد فقد قَالَ أَحْمد فِيهِ: مَا أرَى بِهِ بَأْسا . فَلَعَلَّ ذَلِك يَقْتَضِي أَن يُتَابع بروايته ، وَأما (جَهَالَة) بعض رُوَاته فَلَا يقْدَح فِيمَا صَحَّ مِنهُمَا ؛ فقد ظهر صِحَة بعض طرقه وَحسن بَعْضهَا ومتابعة الْبَاقِي لَهَا ، فَلَا يخْفَى إِذا مَا فِي إِطْلَاق الضعْف عَلَيْهَا ، وَإِن الْأَصَح الْوَقْف ، وَقد علم أَيْضا مَا يعْمل عِنْد اجْتِمَاع الرّفْع وَالْوَقْف وشهرة الْخلاف (فِيهِ) ، وَقد نقل الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فِي «حاويه» عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه خرج لصِحَّة هَذَا الحَدِيث مائَة وَعشْرين طَرِيقا ، فَأَقل أَحْوَاله (إِذا) أَن يكون حسنا . [3]

أَوْ قَدْ اتَّصَلَ مِن غَيْرِ الْجِهَةِ الْمُنْقَطِعَةِ ، كما في سنن النسائى (210 ) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَن مَالِكٍ عَن نَافِعٍ عَن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَن أُمِّ سَلَمَةَ تَعْنِى أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِى وَالأَيَّامِ الَّتِى كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِى أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلاَةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ لْتُصَلِّى » [4] .

هَذَا الحَدِيث عَلَى شَرط الصَّحِيح [5] رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الْأَئِمَّة: مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ فِي «الْأُم» وَأحمد والدارمي فِي «مسنديهما» وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» من رِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن أم سَلمَة رَضي اللهُ عَنها بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة .

قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» وَغَيره: إِسْنَاده عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم .

قلت: وَأعله جمَاعَة بالانقطاع ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : هَذَا حَدِيث مَشْهُور إِلَّا أَن سُلَيْمَان بن يسَار لم يسمعهُ من أم سَلمَة [6] ، وَكَذَا (قَالَ) فِي «خلافياته» أَن سُلَيْمَان لم (يسمعهُ) مِنهَا ، إِنَّمَا سَمعه من رجل عَنهَا ، كَذَلِك رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد وَعبيد الله بن (عمر) وصخر بن جوَيْرِية ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل عَنهَا . وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «الْوَهم وَالْإِيهَام» : هَذَا حَدِيث مُرْسل فِيمَا أرَى . وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي «شرح الْمسند» : إِنَّه مُرْسل . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ: لم يسمعهُ سُلَيْمَان مِنهَا ، وَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن مرْجَانَة ، عَن أم سَلمَة .

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : (قد) اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، فَرَوَاهُ مَالك ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن أم سَلمَة . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسد بن مُوسَى ، عَن اللَّيْث ، عَن نَافِع . وَرَوَاهُ كَذَلِك أَسد أَيْضا ، عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر ، عَن الْحجَّاج ، عَن نَافِع بِهِ ،قَالَ: وَقيل بِإِدْخَال رجل بَين سُلَيْمَان ، وَأم سَلمَة ، فَرَوَاهُ اللَّيْث ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان أَن رجلا أخبرهُ عَن أم سَلمَة ... الحَدِيث .

(رَوَاهُ) أَبُو دَاوُد من غير سِيَاقَة أَلْفَاظه كلهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَخْر بن جوَيْرِية ، عَن نَافِع ، ذكره أَبُو دَاوُد محيلًا عَلَى رِوَايَة اللَّيْث ، وَسَاقه الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن الْجَارُود بِتَمَامِهِ من حَدِيث صَخْر ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان: أَنه حَدثهُ رجل عَن أم سَلمَة [7] ، وَكَذَلِكَ ذكر عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل ، عَن أم سَلمَة . ورأيته فِي «مُسْند السراج» لَيْسَ بَين سُلَيْمَان وَأم سَلمَة أحد .

وَأخرجه أَبُو دَاوُد ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل من الْأَنْصَار: «أَن امْرَأَة كَانَت تهراق الدَّم» .

وَذكر الرَّافِعِيُ - فِي شَرحه للمسند مقَالَة الْبَيْهَقِيّ السالفة ، وَأجَاب عَنهَا فَقَالَ: ذكر الْبَيْهَقِيّ أَن سُلَيْمَان لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أم سَلمَة مستدلًا بِأَن اللَّيْث رَوَاهُ عَن نَافِع عَن سُلَيْمَان ، عَن رجل (عَنهَا) ، وَكَذَلِكَ (رَوَاهُ) جوَيْرِية بن أَسمَاء وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، وَعبيد الله بن (عمر) عَن نَافِع ، لَكِن يُمكن أَن يكون سَمعه سُلَيْمَان من رجل (عَن) أم سَلمَة ثمَّ سَمعه مِنهَا ، فروَى تَارَة هَكَذَا وَتارَة هَكَذَا . قَالَ: وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي «التَّارِيخ» أَن سُلَيْمَان بن يسَار سمع ابْن عَبَّاس وَأَبا هُرَيْرَة وَأم سَلمَة [8] . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ .

وَهُوَ جمع حسن وَبِه يتَّفق الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور وَقد (جزم) صَاحب «الْكَمَال» بِأَن سُلَيْمَان سمع مِنهَا ، وَتَبعهُ (الْمزي) والذهبي [9] .

وَقَدْ ضَبَطَ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ الْحُفَّاظِ ؛ وغيرهم لم يضبطها،كما في السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 282) (21905) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِى أَبُو عَلِىٍّ الْحَافِظُ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُرَيْثٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ حَدَّثَنِى أَبِى ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الأَصْبَهَانِىُّ أَنْبَأَنَا عَلِىُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِىُّ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِى عِيسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَن قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَن أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِن مَمْلُوكٍ فَأَجَازَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عِتْقَهُ وَغَرَّمَهُ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ. قَالَ قَتَادَةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِىَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. {ج} أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا عَلِىٌّ قَالَ سَمِعْتُ النَّيْسَابُورِىَّ يَقُولُ مَا أَحْسَنَ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ ضَبَطَهُ وَفَصَلَ بَيْنَ قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبَيْنَ قَوْلِ قَتَادَةَ وَفِيمَا بَلَغَنِى عَن أَبِى سُلَيْمَانَ الْخَطَابِىِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ صَاحِبِ الْخِلاَفِيَّاتِ قَالَ هَذَا الْكَلاَمُ مِن فُتْيَا قَتَادَةَ لَيْسَ مِن مَتْنِ الْحَدِيثِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِىِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ الْمُقْرِئِ عَن هَمَّامٍ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ أُخْبَرَ هَمَّامٌ أَنَّ ذِكْرَ السِّعَايَةِ مِن قَوْلِ قَتَادَةَ وَأَلْحَقَ سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ الَّذِى مَيَّزَهُ هَمَّامٌ مِن قَوْلِ قَتَادَةَ فَجَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِى أَبُو عَلِىٍّ الْحَافِظُ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُرَيْثٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِىٍّ يَقُولُ أَحَادِيثُ هَمَّامٍ عَن قَتَادَةَ أَصَحُّ مِن حَدِيثِ غَيْرِهِ لأَنَّهُ كَتَبَهَا إِمْلاَءً. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ الْقَاضِى يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا قِلاَبَةَ الرَّقَاشِىَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِىَّ بْنَ الْمَدِينِىِّ يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ شُعْبَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ قَتَادَةَ مَا سَمِعَ مِنهُ وَمَا لَمْ يَسْمَعْ وَهِشَامٌ أَحْفَظُ وَسَعِيدٌ أَكْثَرُ قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدِ اجْتَمَعَ شُعْبَةُ مَعَ فَضْلِ حِفْظِهِ وَعِلْمِهِ بِمَا سَمِعَ مِن قَتَادَةَ وَمَا لَمْ يَسْمَعْ وَهِشَامٌ مَعَ فَضْلِ حِفْظِهِ وَهَمَّامٌ مَعَ صِحَّةِ كِتَابِهِ وَزِيَادَةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا لَيْسَ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى خِلاَفِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ وَمَن وَافَقَهُ فِى إِدْرَاجِ السِّعَايَةِ فِى الْحَدِيثِ وَفِى هَذَا مَا يُشْكِلُ فِى ثُبُوتِ الاِسْتِسْعَاءِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ.

أَوْ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ مِن الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ مَا يُبَيِّنُ صِحَّتَهَا ،كما في مسند أحمد (134) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أَنْبَأَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِى عَمَّارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى فِى يَدِ رَجُلٍ خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ فَقَالَ « أَلْقِ ذَا » . فَأَلْقَاهُ فَتَخَتَّمَ بِخَاتَمٍ مِن حَدِيدٍ فَقَالَ « ذَا شَرٌّ مِنهُ » . فَتَخَتَّمَ بِخَاتَمٍ مِن فِضَّةٍ فَسَكَتَ عَنهُ.

فهذا الحديث في سنده انقطاع عمار بن أبي عمار لم يدرك عمر رضي الله عنه .

وبنحوه في مسند أحمد (7165) عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِى أَنَّهُ لَبِسَ خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَأَنَّهُ كَرِهَهُ فَطَرَحَهُ ثُمَّ لَبِسَ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ فَقَالَ: « هَذَا أَخْبَثُ وَأَخْبَثُ » . فَطَرَحَهُ ثُمَّ لَبِسَ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ فَسَكَتَ عَنهُ. وهذا حديث قوي ، فيقوى ذاك الحديث من أجله ، ويحتج به .

وهكذا كل حديث يقول عنه الإمام الترمذي: هذا حديث حسن ، فهو حديث ضعيف روي من أكثر من وجه .

تنحصرُ أسباب الضعف والقدح في الرواة في فئتين:

(1) وانظر الكلام عليه مطولا نصب الراية - (ج 1 / ص 104) والتلخيص الحبير - (ج 1 / ص 135) (4) والبدر المنير - (ج 1 / ص 404) فما بعد

(2) انظر طرقه وتخريجه في المسند الجامع - (ج 17 / ص 9) (13218 -13221)

(3) - البدر المنير - (ج 2 / ص 524) فما بعدها

(4) - تستثفر: تشد فرجها بخرقة بعد أن تحتشى قطنا =خلفت: تركت

(5) - البدر المنير - (ج 3 / ص 121)

(6) - السنن الكبرى للبيهقي ج 1 / ص 332)

(7) - سنن الدارقطنى (855 )

(8) - التاريخ الكبير [ج 4 -ص 41 ] (1901)

(9) - تهذيب الكمال [ج12 -ص 100 ] (2574) وتهذيب التهذيب [ج4 - صفحة 199 ] (391)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت