وَلاَ يَثْبُتُ الْقَتْل الْعَمْدُ بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِتَعَذُّرِ مُشَاهَدَةِ الشُّهُودِ قَصْدَ السَّاحِرِ وَتَأْثِيرَ سِحْرِهِ [1] .
قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ مِمَّنْ قَتَل بِسِحْرِهِ بِالسَّيْفِ وَلاَ يُسْتَوْفَى بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ، أَيْ لأَِنَّ السِّحْرَ مُحَرَّمٌ ؛ وَلِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ [2] .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ إِنْ قَتَل بِسِحْرِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْل مِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل بِهِ .
9-تَعْزِيرُ السَّاحِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْل:
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ السَّاحِرَ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقَتْل ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ سِحْرُهُ كُفْرًا وَلَمْ يَقْتُل بِسِحْرِهِ أَحَدًا ، إِذَا عَمِل بِسِحْرِهِ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا لِيَنْكَفَّ هُوَ وَمَنْ يَعْمَل مِثْل عَمَلِهِ ، وَلَكِنْ بِحَيْثُ لاَ يَبْلُغُ بِتَعْزِيرِهِ الْقَتْل عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاِرْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً . وَفِي قَوْلٍ لِلإِْمَامِ: تَعْزِيرُهُ بِالْقَتْل [3] .
10-الإِْجَارَةُ عَلَى فِعْل السَّحَرِ أَوْ تَعْلِيمِهِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِئْجَارَ لِعَمَل السِّحْرِ لاَ يَحِل إِنْ كَانَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ السِّحْرِ حَرَامًا - عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَهُمْ فِي حُكْمِهِ - وَلاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ ، وَلاَ تَحِل إِعْطَاءُ الأُْجْرَةِ ، وَلاَ يَحِل لآِخِذِهَا أَخْذُهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ سَاحِرًا لِيَعْمَل لَهُ عَمَلًا هُوَ سِحْرٌ فَالإِْجَارَةُ حَرَامٌ وَلاَ تَصِحُّ ، وَلاَ يُقْتَل الْمُسْتَأْجَرُ لأَِنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ ، حَتَّى لَوْ قَتَل السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ ذَاكَ أَحَدًا ، وَيُؤَدَّبُ الْمُسْتَأْجَرُ أَدَبًا شَدِيدًا ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مَنْ يَسْتَأْجِرُ لِحَل السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ ، فَأَجَازُوا ذَلِكَ - أَيْ عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ حَل السِّحْرِ - لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِلاَجِ [4] ، وَكَذَا أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الإِْجَارَةَ عَلَى إِزَالَةِ السِّحْرِ نَحْوَ مَا يَحْصُل لِلزَّوْجِ مِنَ الاِنْحِلاَل الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالرَّبْطِ . قَالُوا: وَالأُْجْرَةُ عَلَى مَنِ الْتَزَمَ الْعِوَضَ ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الرَّجُل نَفْسَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا [5] .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِسْتِئْجَارُ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ وَلاَ تُسْتَحَقُّ عَلَى تَعْلِيمِ السِّحْرِ أُجْرَةٌ [6] ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ كُتُبِ السِّحْرِ وَيَجِبُ إِتْلاَفُهَا [7] .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَى السِّحْرِ إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُبَاحًا فَلاَ مَانِعَ مِنَ الاِسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ ، كَتَعْلِيمِ رُقًى عَرَبِيَّةً لِيَحِل بِهَا السِّحْرَ [8] . وَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِكُتُبِ سِحْرٍ لأَِنَّهَا إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ آلَةَ سِحْرٍ [9] . .
11-الفرقُ بين السحر والكرامة:
هناك أناس التبس عليهم حال السحرة الكذابين والمشعوذين فتحيروا فيما يصدر من السحرة من خوارق العادات كالطيران في الهواء والمشي على الماء وقطع المسافة الطويلة في زمن قصير والإخبار عن الغيب فيقع الخبر كذلك، وشفاء المرضى فيظن هؤلاء الجهال أن هذا الساحر من أولياء الله وقد يؤول الأمر إلى أن يعبد من دون الله ويرجى منه النفع والضر والعياذ بالله، فظن بعض الناس أن خوارق العادات التي تجري من السحرة والعرافين كرامات من الله فالتبس عند الجهال حال أولياء الرحمن بحال أولياء الشيطان.
والشرع فرق بين أولياء الله وأولياء الشيطان، فأولياء الله عز وجل هم الحافظون لحدود الله المتمسكون بشرعه ظاهرًا وباطنًا،الممتثلون لأوامر الله المجتنبون لنواهيه، المحافظون على صلاة الجماعة قال الله تعالى:"أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ" [يونس:62-63] .
وليس من شرط الولاية لله تعالى أن يكون للولي كرامة بخرق العادات فإن أعظم الكرامة هي الاستقامة، وأما أولياء الشيطان فيظهر منهم خوارق عادات يظنها الجهال كرامات، وهي في الحقيقة أحوال شيطانية تخدمهم فيها الشياطين ليضلوا بها المفتونين, فلا تغتر بمن دخل النار وخرج سالمًا أو طار في الهواء أو مشى على الماء أو أمسك بالثعابين، بل انظر إلى تمسكهم بالشرع تجدهم لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا يسمعون القرآن بل يسمعون أغاني الزور ويغشون الفجور أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ [المجادلة:19] . واعتبر ذلك بالدجال الأكبر الذي يقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض انبتي فتنبت، ويحيي الموتى بإذن الله، وهو أخطر خلق الله.
12-الكهان والعرافون والمنجمون:
وممن يدخل في ذم السحرة: الكهان والعرافون والمنجمون والذين يخطون في الرمل، وكل هؤلاء يدّعون علم الغيب، وهم كفرة خارجون عن الإسلام بادعائهم الغيب. قال الله تعالى: { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (65) سورة النمل. ومن صدقهم في دعواهم فهو كافر بالله مشرك. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً حَائِضًا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - » [10] ..
قلت: وهنا تفصيل لذلك:
المسألة الأولى:الكهانة [11] :
الكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار [12] .
فكان الناس في الجاهلية يتعقدون أن الأمراض تحدث بسبب غضب الآلهة عليهم أو بسبب سيطرة الأرواح الشريرة عليهم، فكانوا يستعينون بمن لهم القربة من الآلهة أو لهم القدرة على طرد تلك الأرواح وهم الكهنة، وقال القرطبي: (... وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم) [13] .
ولما جاء الإسلام (جرد علم الطب من خرافاته وتعاويذه وسحرته وكهنته) [14]
وجاءت آيات القرآن مقوية لإرادته مطمئنة لقلبه، دون أن نجد فيه ألفاظًا سحرية أو آيات تشير إلى اللجوء إلى التعزيمات وأقوال الكهنة لدفع الأمراض، وإنما بين لنا أن العلاج بالدواء لا بالكهان والمعزمين قال في وصف العسل: { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } سورة النحل: الآية 69 .
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَعْرَابَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ: تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً ، إِلاَّ الْهِرَمَ. [15]
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً ، أَوْ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلاَّ وَقَدْ أَنْزَلَ ، أَوْ خَلَقَ لَهُ دَوَاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، إِلاَّ السَّامَ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا السَّامُ ؟ قَالَ: الْمَوْتُ" [16] "
وبينت السنة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتطبب، ويسأل عن أعلم الأطباء وأفضلهم، وشرع - صلى الله عليه وسلم - التداوي واستعمله في نفسه وأمر به غيره.
وهكذا ميز الإسلام بين الطب وبين الدجل الذي يدعيه بعض المشعوذين لاستدرار أموال الناس بالباطل [17] .
فمنع الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلك الطرق ومنها الكهانة، فقد سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الكُهَّانِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَيْسُوا بِشَيْءٍ"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ ، يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ" [18]
، فبين لهم بطلان قولهم وأنه لا حقيقة له. كما نهاهم عن التكسب بمثل هذه الطرق حيث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ وَلاَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَلاَ مَهْرُ الْبَغِىِّ » [19] .
بل منعهم من التعلق بالطرق الوهمية والاعتماد عليها. واعتبر ذلك كفرًا بالله تعالى، فعَن أَبِى هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ » [20] .
وعَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً » [21] .
وهذا دليل على أن إتيان الكهنة ومن شابههم مذموم شرعًا، إذ أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإثباتهم [22] ، كما قال القرطبي: (وثبت النهي عن إتيانهم فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم) [23]
المسألة الثانية:العرافة [24] :
والعراف هو المنجم الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به - ويزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، من كلام من يسأله أو فعله أو حاله [25] .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ [26]
المسألة الثالثة:التميمة [27] :
وهي خرزات كانت العرب تعلقها على الصبيان يتقون بها العين بزعمهم [28] .
ويقال: قلادة تعلق فيها العودة، ويرون أنها تدفع عنهم الآفات، فلما أرادوا دفع المقادير بذلك كان شركًا [29] .
وعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللَّهُ لَهُ » [30] ..
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ َنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا قَالَ « إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً » . فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا فَبَايَعَهُ وَقَالَ « مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ » [31] .
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عَضُدِهِ حَلَقَةٌ مِنْ صُفْرٍ ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ ؟ قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ ؟ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تُوكَلَ إِلَيْهَا ؟ انْبِذْهَا عَنْكَ. [32]
وعَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَهُوَ مَرِيضٌ نَعُودُهُ فَقِيلَ لَهُ لَوْ تَعَلَّقْتَ شَيْئًا. فَقَالَ أَتَعَلَّقُ شَيْئًا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ » [33] .
وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ » . قَالَتْ قُلْتُ لِمَ تَقُولُ هَذَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِى تَقْذِفُ وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلاَنٍ الْيَهُودِىِّ يَرْقِينِى فَإِذَا رَقَانِى سَكَنَتْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّمَا ذَاكِ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْخَسُهَا بِيَدِهِ فَإِذَا رَقَاهَا كَفَّ عَنْهَا إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِى كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِى لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا » . [34]
وأما من تعلقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها وهو يعلم أن لا كاشف إلا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس بها [35]
، ولذا كان سعيد بن المسيب يأمر بتعليق القرآن، ويقول لا بأس به [36] ، . وكذا جاءت الرخصة بتعليقه على الصبيان عن الباقر وابن سيرين مطلقًا، وقال الألوسي: وهو الذي عليه الناس قديمًا وحديثًا في سائر الأمصار [37] .
المسألة الرابعة:التولة [38] :
ما يحبب المرأة إلى زوجها وهي من أنواع السحر [39] .
قال أبو عبيد: وذلك لا يجوز [40]
وفي حديث ابن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ » [41] .
قال القاري: والتِوَلَة بكسر التاء وبضم وفتح الواو نوع من السحر أو خيط يقرأ فيه من السحر، أو قرطاس يكتب فيه شيء من السحر للمحبة أو غيرها.
وسماها النبي - صلى الله عليه وسلم - شركًا لأنها قد تفضي إلى الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر، ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى، وإما لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودًا في الجاهلية وكان مشتملًا على ما يتضمن الشرك [42] .
13-سبلُ الوقايةِ منَ السِّحرِ:
إن الوقاية من السحر هو: بكمال التوحيد والتوكل على الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] .
والوقاية من السحر بالدعاء والاستعاذة منه ، عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [43]
ومن الوقاية من السحر التحصن بتلاوة القرآن وأنواع الذكر الصحيحة صباحًا ومساءً عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلاَّمٍ يَقُولُ حَدَّثَنِى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِىُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ » . قَالَ مُعَاوِيَةُ بَلَغَنِى أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ [44] . يعني السحرة لا يقدرون على ضرر من قرأها وحفظها.
ومن الوقاية من السحر تحريق كتبه، وقتل الإمام للسحرة ورفع أمرهم إلى السلطان لكف شرهم وعظيم ضررهم عن الناس, وإذا وقع السحر بأحد فعلاجه بإحراق مادته التي انعقد بها السحر إذا عُثر عليها وعُلمت، فعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ: قَالَتْ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ ، وَمَا يَفْعَلُهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ قَالَ:"يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، قَالَ: وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ"قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ قَالَ:"يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ"قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ؟ قَالَ:"لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ"حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبٍ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْبِئْرِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ، وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْرِجْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ: أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ"فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ"" [45] ."
(1) - نهاية المحتاج 7 / 379 ، 380 ، والقليوبي 4 / 179 ، وروضة الطالبين 9 / 347 ، والزرقاني 8 / 29 .
(2) - نهاية المحتاج 7 / 290 ، والقليوبي وشرح المنهاج 4 / 124 ، ومواهب الجليل للحطاب 6 / 256 ، والزرقاني 8 / 29 .
(3) - مطالب أولي النهى 6 / 304 ، ومغني المحتاج 2 / 183 .
(4) - الزرقاني 8 / 63 ، والمواق بهامش مواهب الجليل 6 / 280 ، وابن عابدين 5 / 57 .
(5) - الشبراملسي على نهاية المحتاج 5 / 268 و تحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 24 / ص 298) ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - (ج 17 / ص 265) وحاشية البجيرمي على المنهج - (ج 10 / ص 173)
(6) - حاشية القليوبي على المنهاج 3 / 70 .
(7) - حاشية الشيخ عميرة على شرح المنهاج 2 / 158 .
(8) - مطالب أولي النهى 3 / 604 .
(9) - مطالب أولي النهى 4 / 98 ، 483 .
(10) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 198) (14504) وصحيح الجامع ( 5942) وهو حديث صحيح
(11) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 14790)
(12) - النهاية لابن الأثير: 4/215، والكهانة أنواع منها ما يتلقونه من الجن ومنها ما يخبر به الجن من يواليه ومنها ما يستند إلى ظن وتخمين ومنها ما يستند إلى التجربة والعادة وقد يعتقد بعضهم بالطرق والزجر والنجوم. انظر فتح الباري: 10/217.
(13) - فتح الباري: 10/217.
(14) - الطب النبوي: ص39 - 41.
(15) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 7 / ص 360) (23883) صحيح
(16) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 7 / ص 360) (23884) صحيح
(17) - الطب النبوي: ص39 - 41.
(18) - صحيح البخارى (6213)
(19) - سنن أبى داود (3486 ) صحيح
(20) - مسند أحمد (9784) صحيح لغيره
(21) - صحيح مسلم (5957)
(22) - فتح الباري: 10/217، 219؛ والنووي على مسلم: 14/223.
(23) - فتح الباري: 10/219؛ وعون المعبود: 9/295.
(24) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 14791)
(25) - النهاية لابن الأثير: 3/218 و4/215؛ وغريب الحديث، لابن الجوزي: 2/86؛ والمفردات للأصفهاني: ص443، وعرفه بقوله: هو الذي يخبر بالأخبار المستقبلة بضرب من الظن ونحو ذلك عرفه الحافظ في الفتح: 10/217.
(26) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 11 / ص 181) (287) والمعجم الأوسط للطبراني (1456) صحيح
(27) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 14791)
(28) - غريب الحديث لابن الجوزي: 1/112؛ وفيض القدير، للمناوي: 2/342 ومثلها الرتيمة وهو خيط كان يربط في العنق أو في اليد في الجاهلية لدفع المضرة عن أنفسهم على زعمهم، ابن عابدين: 5/232.
(29) - السنن الكبرى: 9/350.
(30) - مسند أحمد (17866) حسن لغيره
(31) - مسند أحمد (17884) صحيح
(32) - صحيح ابن حبان - (ج 13 / ص 453) ( 6088) حسن
(33) - مسند أحمد (19294) حسن لغيره
(34) - سنن أبى داود (3885 ) صحيح-التولة: نوع من السحر يحبب المرأة إلى زوجها
(35) - السنن الكبرى: 9/350.
(36) - السنن الكبرى: 9/350.
(37) - تفسير روح المعاني: 15/146؛ والمجموع: 9/56؛ وفيض القدير: 2/342، 6/107؛ وحاشية ابن عابدين: 5/232.
(38) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 14792)
(39) - غريب الحديث لابن الجوزي: 1/113؛ والنهاية لابن الأثير: 1/200، والحديث رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وغيرهم.
(40) - السنن الكبرى للبيهقي: 9/350.
(41) - مر تخريجه
(42) - عون المعبود: 10/367.
(43) - المستدرك للحاكم (1813) وصحيح الجامع (7739) والدعاطب (33) وهو حديث حسن
(44) - صحيح مسلم (1910 ) -البطلة: السحرة = الصواف: جمع صافة وهى الباسطة أجنحتها في الهواء =الغيايتان: مثنى غياية وهى السحابة =الفرقان: الجماعتان
(45) - صحيح مسلم (5832 ) .الجُب: وعاء طلع النخل = المطبوب: المسحور = المشاطة: ما يسقط من الشعر عند تسريحه = النقاعة: الماء الذى توضع فيه الحناء والمراد أنه متغير اللون