المبحث الحادي عشر
إجابةُ دعاء أولياء الله
قوله: (( ولئن سألني لأعطينَّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه ) )، وفي الرواية الأخرى: (( إنْ دعاني أجبتُه ، وإنْ سألني ، أعطيته ) )، يعني أنَّ هذا المحبوبَ المقرَّب ، له عند الله منْزلةٌ خاصة تقتضي أنَّه إذا سأل الله شيئًا ، أعطاه إياه ، وإنِ استعاذَ به من شيءٍ ، أعاذه منه ، وإن دعاه ، أجابه ، فيصير مجابَ الدعوة لكرامته على ربه - عز وجل - ،
"وفيه دليل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين." [1]
وقد كان كثيرٌ مِنَ السَّلف الصَّالح معروفًا بإجابة الدعوة . وفي"الصحيح" [2] : أنَّ الرُّبيِّعَ بنتَ النَّضر كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ ، فَأَبَوْا فَأَتَوُا النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ . فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ « يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ » . فَرَضِىَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ » . .
وفي"صحيح الحاكم"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: كَمْ مِنْ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ذِي طِمْرَيْنِ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّ قَسَمَهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ ، فَإِنَّ الْبَرَاءَ لَقِيَ زَحْفًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ أَوْجَعَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالُوا: يَا بَرَاءُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: إِنَّكَ لَوْ أَقْسَمْتَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّكَ ، فَأَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ لِمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ ، ثُمَّ الْتَقَوْا عَلَى قَنْطَرَةِ السُّوسِ ، فَأَوْجَعُوا فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالُوا لَهُ: يَا بَرَاءُ ، أَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ لِمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ ، وَأَلْحَقْتَنِي بِنَبِيِّكَ - صلى الله عليه وسلم - ، فَمُنِحُوا أَكْتَافَهُمْ ، وَقُتِلَ الْبَرَاءُ شَهِيدًا. [3]
وروى ابن أبي الدنيا بإسنادٍ له أنَّ النعمان بن قوقل قال يومَ أحدٍ: اللهمَّ إنِّي أُقسم عليك أنْ أُقتل ، فأدخل الجنَّة ، فقُتِل ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: (( إنَّ النعمان أقسم على الله فأبرَّه ) ) [4] .
وروى الحاكم عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ أَلاَ تَأْتِى نَدْعُو اللَّهَ فَخَلَوَا فِى نَاحِيَةٍ فَدَعَا سَعْدٌ قَالَ: يَا رَبِّ إِذَا لَقِينَا الْقَوْمَ غَدًا فَلَقِّنِى رَجُلًا شَدِيدًا بَأْسُهُ شَدِيدًا حَرَدُهُ فَأُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلَنِى ثُمَّ ارْزُقْنِى عَلَيْهِ الظَّفَرَ حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ فَأَمَّنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِى غَدًا رَجُلًا شَدِيدًا حَرَدُهُ شَدِيدًا بَأْسُهُ أُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلُنِى ثُمَّ يَأْخُذُنِى فَيَجْدَعُ أَنْفِى فَإِذَا لَقِيتُكَ غَدًا قُلْتَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ فِيمَ جُدِعَ أَنْفُكَ وَأُذُنُكَ فَأَقُولُ فِيكَ وَفِى رَسُولِكَ فَتَقُولُ صَدَقْتَ. قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ: يَا بُنَىَّ كَانَتْ دَعْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ خَيْرًا مِنْ دَعْوَتِى لَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ وَإِنَّ أُذُنَهُ وَأَنْفَهُ لَمُعَلَّقَانِ فِى خَيْطٍ. [5] .
وكان سعدُ بنُ أبي وقَّاص مجابَ الدعوة ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ - رضى الله عنه - فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا ، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّى ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّى قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّى كُنْتُ أُصَلِّى بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَخْرِمُ عَنْهَا ، أُصَلِّى صَلاَةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِى الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِى الأُخْرَيَيْنِ . قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ . فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا ، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِى عَبْسٍ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَلاَ يَعْدِلُ فِى الْقَضِيَّةِ . قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا ، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ ، أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعْدٍ . قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِى فِى الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ . [6] .
وعَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ:أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَلِيٍّ، فَنَهَاهُ سَعْدٌ، فَلَمْ يَنْتَهِ، فَدَعَا عَلَيْهِ، فَمَا بَرِحَ حَتَّى جَاءَ بَعِيْرٌ نَادٌّ، فَخَبَطَهُ حَتَّى مَاتَ. [7] .
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِى بَعْضِ دَارِهِ فَقَالَ دَعُوهَا وَإِيَّاهَا فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِى دَارِهَا. قَالَ فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ تَقُولُ أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. فَبَيْنَمَا هِىَ تَمْشِى فِى الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِى الدَّارِ فَوَقَعَتْ فِيهَا فَكَانَتْ قَبْرَهَا. [8] .
و عن عبد الملك ابن أخت سهم بن منجاب قال: سمعت سهما يقول: غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين ، قال: فدعا بثلاث دعوات ، فاستجاب الله له فيهن كلهن قال: سرنا معه فنزلنا منزلا ، وطلبنا الوضوء فلم نقدر عليه فقام فصلى ركعتين ، ثم دعا الله فقال: « اللهم يا عليم يا حكيم ، يا علي يا عظيم ، إنا عبيدك ، وفي سبيلك نقاتل عدوك ، فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ من الأحداث ، وإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا قال: فما جاوزنا غير قليل ، فإذا نحن بنهر من ماء سماء يتدفق ، قال: فنزلنا فتروينا ، وملأت إداوتي ، ثم تركتها ، فقلت: لأنظرن هل استجيب له ؟ فسرنا ميلا أو نحوه ، فقلت لأصحابي: إني نسيت إداوتي فذهبت إلى ذلك المكان ، فكأنما لم يكن فيه ماء قط فأخذت إداوتي فجئت بها فلما أتينا دارين - وبيننا وبينهم البحر - فدعا أيضا فقال: اللهم يا عليم يا حليم ، يا علي يا عظيم ، إنا عبيدك ، وفي سبيلك نقاتل عدوك ، فاجعل لنا سبيلا إلى عدوك ثم اقتحم بنا البحر ، فوالله ما ابتلت سروجنا حتى خرجنا إليهم فلما رجعنا اشتكى البطن فمات ، فلم نجد ما نغسله به ، فكفناه في ثيابه ، ودفناه ، فلما سرنا غير بعيد إذا نحن بماء كثير فقال بعضنا لبعض: ارجعوا لنستخرجه فنغسله فرجعنا فطلبنا قبره ، فخفي علينا قبره ، فلم نقدر عليه ، فقال رجل من القوم: إني سمعته يدعو الله يقول: اللهم يا عليم يا حليم ، يا علي يا عظيم ، أخف جثتي ، ولا تطلع على عورتي أحدا فرجعنا وتركناه » . [9]
وشُكي إلى أنس بن مالك عطشُ أرضٍ له في البصرة ، فتوضأ وخرج إلى البرية ، وصلّى ركعتين ؛ ودعا فجاء المطرُ فسقى أرضه ، ولم يُجاوِزِ المطر أرضه إلا يسيرًا [10] .
وعن الحسن ، قال: أحرقت خصاص بالبصرة وبقي خص في وسطها لم يحترق ، وأمير البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري ، فخبر بذلك ، فبعث إلى صاحب الخص ، فأتي به فإذا شيخ ، فقال: يا شيخ ، ما بال خصك لم يحترق ؟ فقال: إني أقسمت على ربي ألا يحرقه ، فقال أبو موسى: أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « يكون في أمتي رجال طلس رءوسهم ، دنس ثيابهم ، لو أقسموا على الله لأبرهم » [11] .
وكان أبو مسلم الخولاني مشهورًا بإجابة الدعوة ، عن بلال بن كعب قال: « كانت الظباء تمر بأبي مسلم الخولاني ، فتقول له الصبيان: يا أبا مسلم ، ادع لنا ربك يحبس علينا هذا الظبي فيدعو الله عز وجل فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم » [12] .
وعن عثمان بن عطاء قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل منزله سلم ، فإذا بلغ وسط الدار كبر ، وكبرت امرأته ، قال: فيدخل فينزع رداءه وحذاءه ، فتأتيه بطعامه فيأكل فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه ، ثم أتى باب البيت فكبر وسلم فلم تجبه ، وإذا البيت ليس فيه سراج ، وإذا هي جالسة بيدها عود في الأرض تقلب به فقال لها: ما لك ؟ فقالت: الناس بخير ، وأنت أبو مسلم ، لو أنك أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم ، ويعطيك شيئا نعيش به ؟ فقال: « اللهم من أفسد علي أهلي فأعم بصره قال: وكانت معها امرأة فقالت لها: أنت امرأة مسلم ، فلو كلمت زوجك يكلم معاوية ليخدمكم ويعطيكم قال: فبينا هذه المرأة في منزلها ، والسراج يزهر ، إذ أنكرت بصرها ، فقالت: سراجكم طفيء ؟ قالوا لا ، قالت: إنا لله ، ذهب بصري ، فأقبلت كما هي إلى أبي مسلم ، فلم تزل تناشده الله عز وجل وتطلب إليه قال: فدعا الله عز وجل ، فرد عليها بصرها ، ورجعت امرأته إلى حالها الذي كانت عليه » [13] .
وعن عبد الملك بن عمير قال: « كان أبو مسلم الخولاني إذا استسقى سقي » [14]
وعن سليمان بن المغيرة قال: « انتهى أبو مسلم الخولاني إلى دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها ، فمشى على الماء ، ثم التفت إلى أصحابه ، فقال: هل تفقدون شيئا ؟ فتدعوا الله عز وجل » [15]
وعن عثمان بن أبي العاتكة قال: اشترى أبو مسلم نغلة ، فقالت أم مسلم: ادع الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا فيها ، فقال: اللهم بارك لنا فيها فماتت فاشترى أخرى ، فقالت: ادع الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا فيها فقال: قولي: اللهم متعنا بها ، فبقيت لهم [16] .
وعن حميد بن هلال قال: كان بين مطرف وبين رجل من قومه شيء فكذب على مطرف فقال له مطرف: « إن كنت كاذبا فعجل الله حتفك قال: فمات الرجل مكانه قال: فاستعدى أهله زيادا على مطرف ، فقال لهم زياد: هل ضربه ؟ هل هدمه بيده ؟ فقالوا: لا ، فقال: دعوة رجل صالح ، وافقت دعوته قدرا ، فلم يجعل لهم شيئا » [17] .
وعن عصام بن زيد - رجل من مزينة - قال: كان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن فيؤذيهم ، فقيل للحسن: يا أبا سعيد ، ألا تكلم الأمير حتى يصرفه عنا ؟ قال: فسكت عنهم قال: فأقبل ذات يوم والحسن جالس مع أصحابه ، فلما رآه قال: « اللهم قد علمت أذاه لنا ، فاكفناه بما شئت قال: فخر الرجل والله من قامته ، فما حل إلى أهله إلا ميتا على سرير فكان الحسن إذا ذكره ، بكى ، وقال للناس: ما كان أغره بالله » [18] .
وعن حماد بن جعفر بن زيد العبدي ، عن أبيه قال: خرجنا غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم ، فلما دنونا من أرض العدو ، قال الأمير: لا يشذن من العسكر أحد فذهبت بغلة صلة بثقلها ، فأخذ يصلي فقيل: إن الناس قد ذهبوا فقال: إنما هما خفيفتان قال: فدعا ثم قال: اللهم إني أقسم عليك أن ترد علي بغلتي وثقلها قال: فجاءت حتى وقفت بين يديه. [19]
وعن أبي السليل ، حدثني صلة بن أشيم قال: « كنت أسير بهذه الأهواز ، إذ جعت جوعا شديدا ، فلم أجد أحدا يبيعني طعاما ، فجعلت أتحرج أن أصيب أحدا من أهل الطريق شيئا فبينا أنا أسير إذ دعوت ربي ، فاستطعمت ، فسمعت وجبة خلفي ، فإذا أنا بثوب أو منديل فيه دخلة ملأى رطبا ، فأخذته وركبت دابتي ، فأكلت حتى شبعت ، فأدركني المساء ، فنزلت إلى راهب في دير له ، فحدثته الحديث ، فاستطعمني من الرطب ، فأطعمته رطبات قال ثم إني مررت على ذلك الراهب بعد زمان فإذا نخلات حسان حمال ، فقال: إنهن من رطباتك التي أطعمتني وجاء بالثوب إلى أهله ، فكانت امرأته تريه الناس » . [20]
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: « خرج قوم غزاة ، وخرج معهم محمد بن المنكدر ، وكانت صائفة ، فبينا هم يسيرون في الساقة قال رجل من القوم: أشتهي جبنا رطبا فقال محمد بن المنكدر: استطعموه يطعمكم ، فإنه لقادر على كل شيء فدعا القوم فلم يسيروا إلا قليلا حتى وجدوا مكتلا مخيطا ، كأنما أتي به من الروحاء ، فإذا هو جبن فقال بعض القوم: لو كان عسلا ؟ فقال محمد: فإن الذي أطعمكم جبنا هاهنا قادر على أن يطعمكم عسلا ، فاستطعموا يطعمكم فدعا القوم ، فساروا قليلا ، فوجدوا قافزة عسل على الطريق ، فنزلوا فأكلوا وحمدوا ربهم وشكروا » . [21]
وكان حبيبٌ العجميُّ أبو محمد معروفًا بإجابة الدعوة ؛ دعا لغلام أقرع الرأس ، وجعل يبكي ويمسح بدُموعه رأسَ الغلام ، فما قام حتَّى اسودَّ شعر رأسه ، وعاد كأحسن الناس شعرًا [22] .
وأُتي برجلٍ زمنٍ في مَحملٍ فدعا له ، فقام الرجلُ على رجليه ، فحمل مَحمِلَه على عنقه ، ورجع إلى عياله [23] .
واشترى في مجاعةٍ طعامًا كثيرًا ، فتصدَّقَ به على المساكين ، ثمَّ خاط أكيسَةً ، فوضعها تحتَ فراشه ، ثمَّ دعا الله ، فجاءه أصحابُ الطَّعام يطلبُونَ ثمنه ، فأخرج تلك الأكيسةَ ، فإذا هي مملوءةٌ دراهمَ ، فوزنها ، فإذا هي قدرُ حقوقهم ، فدفعها إليهم [24]
وكان رجلٌ يعبثُ به كثيرًا ، فدعا عليه حبيبٌ فبَرَصَ [25] .
وكان مرَّةً عند مالك بن دينار ، فجاءه رجلٌ ، فأغلظَ لمالكٍ مِنْ أجلِ دراهمَ قسمها مالك ، فلمَّا طال ذلك من أمره ، رفع حبيبٌ يده إلى السَّماء ، فقال: اللهمَّ إنَّ هذا قد شغلنا عن ذِكرِك ، فأَرِحْنا منه كيف شئتَ ، فسقط الرجل على وجهه ميتًا [26] .
وعن الشعبي ، أن قوما من المهاجرين خرجوا متطوعين في سبيل الله ، فنفق حمار رجل منهم ، فأرادوه على أن ينطلق معهم ، فأبى فانطلق أصحابه مترجلين وتركوه فقام وتوضأ وصلى ، ثم رفع يديه ، فقال: اللهم إني خرجت مجاهدا في سبيلك ، وابتغاء مرضاتك ، وأشهد أنك تحيي الموتى ، وأنك تبعث من في القبور ، اللهم فأحيي لي حماري ثم قام إلى الحمار فضربه ، فقام الحمار ينفض أذنيه ، فأسرجه وألجمه ، ثم ركبه فأجراه حتى لحق بأصحابه فقالوا له: ما شأنك ؟ قال: إن الله تعالى بعث لي حماري قال إسماعيل: قال الشعبي: أنا رأيت هذا الحمار بيع أو يباع بالكناسة. [27]
وخرجت سريَّةٌ في سبيل الله ، فأصابهم بردٌ شديد حتّى كادوا أن يهلِكُوا ، فدعَوا الله - عز وجل - و عن أرطأة بن المنذر ، حدثني أبو المثنى المليكي ، أن سرية ، خرجت في سبيل الله عز وجل ، فأصابهم برد شديد كادوا أن يهلكوا قال: فدعوا الله وإلى جانبهم شجرة عظيمة ، فإذا هي تلتهب ، فقاموا إليها ، فما زالوا عندها حتى جففوا ثيابهم ودفئوا ، وطلعت عليهم الشمس ، ثم انصرفوا ، ورد الله عز وجل الشجرة على هيئتها [28] .
وعن السدي بن يحيى ، خرج أبو قلابة حاجا ، فتقدم أصحابه في يوم صيف وهم صيام ، فأصابه عطش شديد ، فقال: « اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر فأطلعته سحابة فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه ، وذهب العطش عنه » [29] .
ومثلُ هذا كثيرٌ جدًا ، ويطول استقصاؤُه . وأكثر من كان مجابَ الدعوة من السلف كان يَصبِرُ على البلاء ، ويختار ثوابه ، ولا يدعو لنفسه بالفرج منه . وقد رُوي أنَّ سعدَ بن أبي وقاص كان يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة دعوته ، فقيل له: لو دعوتَ الله لِبصرك ، وكان قد أضرَّ ، فقال: قضاءُ الله أحبُّ إليَّ من بصري .
وابتلي بعضُهم بالجُذام ، فقيل له: بلغنا أنَّك تَعرِفُ اسمَ الله الأعظم ، فلو سألته أنْ يَكشِفَ ما بك ؟ فقال: يا ابن أخي ، إنَّه هو الذي ابتلاني ، وأنا أكره أنْ أُرادَّه [30] .
وقيل لإبراهيم التيمي - هو في سجن الحجاج - لو دعوتَ الله تعالى ، فقال: أكره أنْ أدعُوَهُ أنْ يُفرِّجَ عنِّي ما لي فيه أجر . وكذلك سعيدُ بنُ جبير صبر على أذى الحجاج حتّى قتله، وكان مجابَ الدعوة؛ كان له ديكٌ يقوم بالليل بصياحه للصلاة فلم يَصِحْ ليلةً في وقته، فلم يقم سعيدٌ للصلاة فشقَّ عليه فقال: ما له ؟ قطع الله صوتَه ، فما صاح الدِّيكُ بعد ذلك ، فقالت له أمه: يا بني لا تَدْعُ بعد هذا على شيءٍ [31] .
وذُكر لرابعة رجلٌ له منْزلةٌ عند الله ، وهو يقتاتُ مما يلتقِطُه مِنَ المنبوذات على المزابل ، فقال رجل: ما ضرَّ هذا أنْ يدعو الله أنْ يُغنِيَه عن هذا ؟ فقالت رابعةُ: إنَّ أولياءَ الله إذا قضي الله لهم قضاءٌ لم يتسخَّطوه .
وعن خالد بن الفزر قال: كَانَ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ مِنَ البَكَّائِينَ، وَكَانَ ضَيِّقَ الحَالِ جِدًّا -يَعْنِي: فَقِيْرًا مِسْكِيْنًا-.
فَجَلَستُ وَهُوَ مُتَخَلٍّ يَدْعُو، فَقُلْتُ: لَوْ دَعَوتَ اللهَ أَنْ يُوْسِعَ عَلَيْكَ؟!
فَالْتَفَتَ يَمِيْنًا وَشِمَالًا، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَأَخَذَ حَصَاةً، فَرَمَى بِهَا إِلَيَّ، فَإِذَا هِيَ تِبرَةٌ فِي كَفِّي، وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهَا، وَقَالَ: مَا خَيْرٌ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ لِلآخِرَةِ.ثُمَّ قَالَ: هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصلِحُ عِبَادَه.فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ؟ قَالَ: اسْتَنْفِقْهَا. فَهِبْتُهُ -وَاللهِ- أَنْ أَرُدَّهَا. ». [32]
وقال الشيخ صالح بن عثيمين رحمه الله [33] :
"ولئن سألني لأعطينه هذه من ثمرات النوافل ومحبة الله عز وجل أنه إذا سأل الله أعطاه ولئن استعاذني يعني استجار بي مما يخاف من شره لأعيذنه فهذه من علامة محبة الله أن يسدد الإنسان في أقواله وأفعاله فإذا سدد دل ذلك على أن الله يحبه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) } [الأحزاب/70-72] "
قال ابن رجب رحمه الله:
وربما دعا المؤمنُ المجابُ الدعوة بما يعلم الله الخِيَرةَ له في غيره ، فلا يُجيبه إلى سؤاله ، ويُعوِّضه عنه ما هو خيرٌ له إما في الدنيا أو في الآخرة . وقد تقدم في حديث أنس المرفوع: (( إنَّ الله يقول: إنَّ من عبادي من يسألني بابًا من العبادة ، فأكفه عنه كيلا يَدخُلَه العُجْبُ ) ) [34] .
(1) - شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية - (ج 1 / ص 34)
(2) - صحيح البخاري 3/243 ( 2703 ) و4/23 ( 2806 ) و6/29 ( 4500 ) و65 ( 4611 ) الأرش: العوض
(3) - المستدرك للحاكم (5274) وصححه ووافقه الذهبي وسنن الترمذى (4227) ومسند أبي يعلى الموصلي (3878) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (1077) وصحيح الجامع (4573) مختصرا ومطولا وهو حسن لغيره والمرفوع صحيح
(4) -في كتاب"مجابو الدعوة" ( 22 ) و مجابو الدعوة (7 ) وفيه ضعف
وطئ: وضع قدمه على الأرض أو على الشيء وداس عليه ، ونزل بالمكان
(5) - المستدرك للحاكم (2409) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 6 / ص 307) (13148) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (3588 ) ومجمع الزوائد (15652) وقال عقبه:رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وحلية الأولياء - (ج 1 / ص 56) وسير أعلام النبلاء (1/112) وهو حديث حسن
(6) - صحيح البخارى (755 ) = أخرم: أنقص =أركد: أطيل فيهما
(7) - مجابو الدعوة (21 ) وسير أعلام النبلاء (1/116) وقال عقبه: وَلِهَذِهِ الوَاقِعَةِ طُرُقٌ جَمَّةٌ، رَوَاهَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي (مُجَابِيّ الدَّعْوَةِ) .
(8) - صحيح مسلم (4218 )
(9) - مجابو الدعوة (25 ) وهو حسن
(10) - أخرجه: ابن سعد في"الطبقات"7/15 ، وابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 44 ) .
(11) -الأولياء (42 ) وصفة الصفوة - (ج 1 / ص 400)
(12) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 84 ) ، وأبو نعيم في"الحلية"2/129 .
(13) - مجابو الدعوة (70 )
(14) - مجابو الدعوة (72)
(15) - مجابو الدعوة (71 )
(16) - مجابو الدعوة (73 )
(17) - مجابو الدعوة (74 )
(18) - مجابو الدعوة (78 )
(19) - مجابو الدعوة (41 )
(20) - مجابو الدعوة (42 )
الدوخلة:سفيفة من خوص يوضع فيها الطعام . انظر: الفائق 1/216 .
(21) - مجابو الدعوة (53 ) = المكتل: الزنبيل أي السلة أو القفة الضخمة تصنع من الخوص
(22) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 96 ) .
(23) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 97 ) .
(24) -أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 99 ) ، وأبو نعيم في"الحلية"6/150 .
(25) -أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 124 ) .
(26) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 95 ) .
(27) - مجابو الدعوة (35 ) وإسناده صحيح
(28) - مجابو الدعوة (95 )
(29) - مجابو الدعوة (116 ) وفي"الأولياء"، له ( 63 ) .
(30) - انظر: الأولياء لابن أبي الدنيا: 25 .
(31) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة" ( 122 ) .
(32) - مجابو الدعوة (107 ) و سير أعلام النبلاء (6/406)
(33) - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 3 / ص 18)
(34) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"الأولياء" ( 1 ) ، وانظر: مجمع الزوائد 10/264 . وفيه ضعف