الحقُّ والباطلُ يتصارعان في الإسلام،وليس خارج المجتمع المسلم فقط كما قد يظن بعض المسلمين. فالشيطانُ يحشد للمسلم من جنده ما لا يفعلُ لغيره بغية إخراجِه من الحقِّ الذي هو عليه. أو إبعاده عنه قدر الإمكان. ولذلك تجدُ في المسلمين من يجتمعُ فيه إسلامٌ وشركٌ من رياءٍ ونحوه أو يجتمعُ فيه إيمانٌ ونفاقٌ، أو إسلامٌ وفسقٌ. وبحسب انقياده للشيطانِ ومكابدته له تزداد نسبة ذلك أو تنقص. فمنَ الناس من يكون فيه إيمانٌ وشعبةٌ من النفاق، لأن الإيمانَ شعَبٌ ،وقد تذهبُ شعبةٌ من شعب الإيمان وتحلُّ مكانها شعبةٌ من شعب النفاق كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - « أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ » . [2] .
وقد يجتمع في المرء إسلامٌ وجاهليةٌ، وتكون في مقابل إسلامه جزءا يسيرًا فعنِ الْمَعْرُورِ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلًا ، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَقَالَ لِىَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ » [3] . وعن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِىَّ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « أَرْبَعٌ فِى أُمَّتِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِى الأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِى الأَنْسَابِ وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ » . وَقَالَ « النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ » . [4] .
وقد يجتمعُ في المرء إيمان وعمل صالح من وجه وفسق من وجه آخر، فلا يقتضي وجود الثاني ذهابَ الأول، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا ، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَكَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تَلْعَنُوهُ ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » [5] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أُتِىَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ « اضْرِبُوهُ » . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَخْزَاكَ اللَّهُ . قَالَ: « لاَ تَقُولُوا هَكَذَا لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ » [6] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أُتِىَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِسَكْرَانَ ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ مَالَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ » [7] . (( فوصفه بأنه أخٌ لهم مع شربهِ للخمرِ، وأثبتَ له محبةَ الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وكان من حبِّه للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يدخلُ طرفةً المدينة إلا اشترى منها شيئا ولو بالدين ليهديه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ) [8] والله لا يحب الخمر ولا شاربها لكن إن اجتمع في العبد صلاحٌ وفسقٌ فيحبُّ الله فيه الصلاحَ ويبغضُ الفسق منه. ومثاله قوله - صلى الله عليه وسلم - « سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ » [9] . فوصفه بأنه (( مسلم ) )وأن فيه فسقا وكفرا ليس على معنى كفر الردة. فإنَّ الردةَ مخرجةٌ عن الإسلام. وإنما الكفرُ الوارد هنا كنايةٌ عن إنكارِ المقاتلِ حقَّ أخيه المسلم عليه من حرمةِ مالهِ ودمهِ،أو أن تكون كفرا غير مخرجٍ من الملَّة كما أثرَ عن ابن عباس (( كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ وَفُسُوقٌ دُونَ فُسُوقٍ ) ) [10]
وعليه فقد يجتمعُ بالمسلم إسلامٌ وكفرٌ ليس كفرَ الرِّدةِ. وقد يجتمع فيه إسلامٌ ونفاقٌ ليس نفاق محادة الله ورسوله. وقد يجتمعُ إسلامٌ وشركٌ: ليس الشركَ الأكبرَ المخرج َمن أصل التوحيد.
وبهذا يثبتُ اجتماعُ ولايةٍ في المسلمِ من وجهٍ وعداوةٍ من وجهٍ أخر. وذلك بخلاف المعتزلة والخوارج والمرجئة الذين تواطأت عقيدتهم على اعتبار أن الإيمان شيء واحد وألزمهم ذلك اعتبار نظيره في الولاية [11] . وحتى في الثواب والعقاب فإنه عندهم شيء واحد. فإما نار لا خروج منها وإما جنة، وذلك باستثناء طوائف المرجئة.
قال ابن تيمية رحمه الله: (( وأما الظالم لنفسه فهو من أهل الإيمان، فمعه ولايةٌ بقدر إيمانه وتقواه كما معه من ولاية الشيطانِ بقدر فجوره، إذ الشخصُ الواحدُ يجتمع فيه الحسناتُ والسيئاتُ حتى يمكن أن يثابَ ويعاقبَ، وهذا قولُ جميع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل السنة، بخلاف الخوارج والمعتزلة القائلين بأنه لا يخرجُ من النار من دخلها من أهل القبلة [12] ،كما أن التقوى لا تنتفي بوقوع سيئةٍ من السيئاتِ إلا أن تكون شركًا أكبر ،فإن مفهوم أهل السنة والجماعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} (63) سورة يونس ،ليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئينَ في بعض الأشياء خطأ مغفورًا لهم ولا ترك الصغائرِ مطلقًا ولا تركَ الكبائر أو الكفرِ الذي تعقبه التوبة، فقد قال تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (33) سورة الزمر، فوصفهم بالتقوى ثم قال: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (35) سورة الزمر، فوصف أعمالهم بأن فيها سيء وأسوأ وأثبت لهم التقوى. وهذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو أنهم لا يخرجون عن التقوى من أتى ذنبا صغيرًا لم يصر عليه ولا بإتيان ذنبٍ كبيرٍ إذا تاب منه )) [13] .
ـــــــــــــــ
(1) - انظر كتاب أولياء الله بين المفهوم الصوفي والمنهج السلفي ص 23 فما بعدها
(2) - صحيح البخارى (34 )
(3) - صحيح البخارى (30 )
(4) - صحيح مسلم (2203 )
(5) - صحيح البخارى (6780 )
(6) - صحيح البخارى (6777 )
(7) - صحيح البخارى (6781)
(8) - نفس المصدر 11: 77.
(9) - صحيح البخارى (48 )
(10) - تفسير الدر المنثور 2: 286، تفسير الطبري المجلد الرابع 6: 165- 166، والبغوي 2: 41- 40.
(11) - أنظر مقالات الإسلاميين 266- 265.
(12) - مختصر الفتاوى 590.
(13) - نظر جامع الرسل 1: 268 تحقيق د. محمد رشاد سالم.