المطلب الثاني
الرد على الألباني
قلت: كان ينبغي عليه عدم التسرُّع في تضعيف هذا الحديث الصحيح ،لأنه في صحيح الإمام البخاري وكفى .
والألباني رحمه الله ، قد ضعف بعض الأحاديث التي في الصحيحين ، وبعضها لم يسبق إليه ، ضاربًا بالقواعد والضوابط التي وضعت في هذا الفن عرض الحائط .
والسبب فيما أرى يعود لعدة عوامل:
الأول- تشدده في قبول الأخبار في كثير من الأحيان ، كابن الجوزي رحمه الله .
الثاني - اعتماده في الأغلب على المختصرات في الجرح والتعديل .
الثالثة -نسيانه - كما أخبرني بذلك الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله، فقد يضعف حديثًا في مكان ويصححه في مكان آخر دون أن يتذكر ذلك .
هذا وقد رددت عليه هذه الأحاديث التي ضعفها في الصحيحين وغيرها ،فعلى سبيل المثال: الأحاديث التي ضعفها في الصحيحين أو أحدهما في تعليقه على رياض الصالحين ، للإمام النووي رحمه الله:من كتابي (الدفاع عن كتاب رياض الصالحين) ، والرقم الأول المتسلسل لي ، والثاني رقمه في رياض الصالحين:
24- ( 947 ) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: فَإِذَا دَفَنْتُمُونِى فَشُنُّوا عَلَىَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِى قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّى.. رواه مسلم
27- (1024) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ،فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ » متفق عليه .
26- ( 1021 ) عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ » .. وفي رواية:"من آخر سورة الكهف"رواهما مسلم .
34- ( 1179 ) ٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ » . رواه مسلم .
72 - (770) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا،فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ". رواه مسلم .
76- (1585) عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"قَالَ اللهُ: ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ،وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ،وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ،وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ". رواه البخارى .
وقد ناقشته في تضعيفها جميعًا ، فراجعها في الكتاب المذكور إن شئت .
والخلاصة أنه لا يجوز الاعتماد على ما انفرد الألباني رحمه الله بتضعيفه وحده ، فلا بد من مراجعة كلام العلماء السابقين ، لأنه كان من المتشددين فيما أرى ، فإن وافقوه فبه ونعمت ، وإن خالفوه فالقول قولهم في الأعمِّ الأغلب .
المطلب الثالث
الردُّ على الحافظ الذهبي
قلت: وقال الذهبي أيضًا في سير أعلام النبلاء:"وَرَوَى البُخَارِيُّ حَدِيْثَ: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ) عَنِ ابْنِ كرَامَةَ، عَنْ خَالِدٍ.وَهُوَ غَرِيْبٌ جِدًّا، لَمْ يَرْوِهِ سِوَى ابْنِ كَرَامَةَ، عَنْهُ" [1] .
وفيها أيضًا:"قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ اللهَ قَالَ:مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالحَرْبِ) ، وَذَكَرَ الحَدِيْثَ.غَرِيبٌ جِدًّا، مَدَارُهُ عَلَى ابْنِ كرَامَةَ، قَدْ رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْهُ، وَيُرْوَى شَبَهُهُ مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنْ مَوْلاَهُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ." [2]
وأمَّا قول الإمام الذهبي في الميزان والسير: فهو مردود على الذهبي رحمه الله، من وجهين:
الوجه الأول: من كلام الذهبي نفسه عن رواة الصحيحين:
ورواة الصحيحين أجمل الذهبي حالهم في الموقظة فقال:
"من أَخرَج له الشيخان على قسمين:"
أحدُهما: ما احتَجَّا به في الأصول .
وثانيهما: من خرَّجا له متابعةً وشَهادَةً واعتبارًا.
فمن احتَجَّا به أو أحدُهما ، ولم يُوثَّق ، ولا غُمِزَ ، فهو ثقة ، حديُثُه قوي .
ومن احتَجَّا به أو أحدُهما ، وتُكلِّم فيه:
فتارةً يكون الكلامُ فيه تعنُّتًا ، والجمهورُ على توثيقِه ، فهذا حديثُهُ قويّ أيضًا .
وتارةً يكون الكلامُ في تليينِهِ وحِفظِهِ له اعتبار . فهذا حديثهُ لا يَنحطُّ عن مرتبة الحسَن ، التي قد نُسمِّيها: من أدنى درجات الصحيح فما في الكتابين بحمد الله رجلٌ احتَجَّ به البخاريُّ أو مسلمٌ في الأصولِ ، ورواياتُه ضعيفة ، بل حَسَنةٌ أو صحيحة .
ومن خَرَّجَ له البخاريُّ أو مسلمٌ في الشواهد والمتابَعات ، ففيهم من في حِفظِه شيء ، وفي توثيِقه تردُّد . فكلُّ من خُرِّجَ له في الصحيحين ، فقد قَفَزَ القَنْطَرة ، فلا مَعْدِلَ عنه إلا ببرهانٍ بَيِّن .
نعم ، الصحيحُ مراتب ، والثقاتُ طَبَقات ، فليس مَنْ وُثِّق مطلقًا كمن تُكلِّمَ فيه ، وليس من تُكلِّم في سُوءِ حفظِه واجتهادِه في الطَّلَب ،كمن ضعَّفوه ولا من ضعَّفوه ورَوَوْا له كمن تركوه ، ولا من تركوه كمن اتَّهموه وكذَّبوه .فالترجيحُ يَدخُلُ عند تعارُضِ الروايات . وحَصْرُ الثقاتِ في مصنَّفٍ ،كالمتعذِّر . وضَبْطُ عَدَدِ المجهولين مستحيل" [3] "
وقال الذهبي في أول جزئه (الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد) : « وقد كتبت في مصنفي الميزان عددًا كثيرًا من الثقات الذين احتج البخاري أو مسلم أو غيرهما بهم لكون الرجل منهم قد دون اسمه في مصنفات الجرح وما أوردتهم لضعف فيهم عندي بل ليعرف ذلك وما زال يمر بي الرجل الثبت وفيه مقالُ مَن لا يُعبأ به ؛ ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمة ؛ فبعض الصحابة كفّر بعضهم بتأويل ما ، والله يرضى عن الكل ويغفر لهم ، فما هم بمعصومين وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا أصلًا..." [4] "
قلت: وهذا أبلغ ردٍّ عليه .
والوجه الثاني -ليس هذا الحديث غريبا كما زعم !!
وخالد بن مخلد إذا كان له مناكير لا يعني أن يكون هذا الحديث منها أصلا ، لأن الإمام البخاري روى له ما لم ينكر عليه ،وقد ذكر ابن عدى في ترجمته ما أنكر عليه ،ولم يذكر هذا الحديث وقال:"قد اعتبرت حديثه ما روى عنه من الكوفيين محمد بن عثمان بن كرامة ، ومن الغرباء أحمد بن سعيد الداري وعندي من حديثهما صدر صالح ، ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته ، فلعله توهما منه أو حملا على الحفظ وهو عندي إن شاء الله لا بأس به"اهـ . [5]
وقد حدَّث عن خالد كبارُ أهل العلم منهم البخاري ومسلم وابن أبي شيبة وأبو داود في مسند مالك والترمذي والنسائي وابن ماجه .. [6]
فهو ثقة له أفراد ،وقد اعتمد حديث الولي وقواه ابن تيمية رحمه الله في كتابه القيم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان [7] ، بل وسائر كتبه وفتاواه [8] . وذكره في الفتاوى الكبرى واحتجَّ به في مواضع عديدة [9] ، وفي الصارم المسلول [10]
وأفرده العلامة الشوكاني بكتاب ضخم تخريجًا وشرحًا في كتابه النفيس ( القطر الجلي شرح حديث الولي) [11] .
بل هو مما تلقته الأمةُ بالقبولِ ، واحتجَّ به جميعُ الأئمة دون نكير ، فيكون إجماعًا على صحَّتهِ . [12]
ـــــــــــــــ
(1) - سير أعلام النبلاء (ج 19 / ص 198)
(2) - نفسه (16/7)
(3) - الموقظة في علم مصطلح الحديث (ج 1 / ص 18)
(4) - لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين) - (ج 3 / ص 318)
(5) - الكامل في ضعفاء الرجال 3/36
(6) - راجع التهذيب 3/116-118
(7) - هذا وقد يسر الله تعالى لنا تحقيقه ونشره ، انظره في مكتبة صيد الفوائد
(8) - انظر: مجموع الفتاوى - (ج 2 / ص 225) و (ج 2 / ص 340) و (ج 2 / ص 341) و (ج 2 / ص 371) و (ج 2 / ص 390) و (ج 2 / ص 463) و (ج 3 / ص 416) و (ج 5 / ص 511) (ج 6 / ص 483) و (ج 7 / ص 442) و (ج 8 / ص 143) و (ج 10 / ص 7) و (ج 10 / ص 305) و (ج 10 / ص 682) و (ج 10 / ص 755) و (ج 11 / ص 23) و (ج 11 / ص 61) و (ج 11 / ص 75) و (ج 11 / ص 159) و (ج 11 / ص 179) و (ج 11 / ص 314) و (ج 11 / ص 332) و (ج 11 / ص 516) و (ج 11 / ص 549) و (ج 11 / ص 619) و (ج 11 / ص 665) و (ج 17 / ص 133) و (ج 25 / ص 316)
(9) - انظرها الفتاوى الكبرى - (ج 1 / ص 207) و (ج 3 / ص 179) و (ج 7 / ص 396) و (ج 10 / ص 381)
(10) - انظر الصارم المسلول - (ج 1 / ص 172) و (ج 1 / ص 388)
(11) - وهو مطبوع ومحقق وأخذت به رسالة دكتوراه من الأزهر .
(12) - انظر على سبيل المثال: الفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 9 / ص 158) والحاوي للفتاوي للسيوطي - (ج 2 / ص 34) والقول الجلي في حديث الولي، ولقاءات الباب المفتوح - (ج 59 / ص 12) و (ج 66 / ص 19) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 8 / ص 252) و (ج 10 / ص 220) و (ج 14 / ص 149) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 1908) سؤال رقم 21170 و (ج 1 / ص 1973) سؤال رقم 21371 و (ج 1 / ص 048) سؤال رقم 21565 و (ج 1 / ص 2974) سؤال رقم 2723 و (ج 1 / ص 3115) سؤال رقم 31762 و (ج 1 / ص 3318) سؤال رقم 34171 و (ج 1 / ص 4909) سؤال رقم 4983 وفتاوى ابن حجر الهيثمى - (ج 6 / ص 12) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 1098) رقم الفتوى 2944 فقد ذكره في أكثر من أربع وعشرين مرة وفتاوى إسلامية - (ج 1 / ص 185) وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 2 / ص 63) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 2 / ص 186) و الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 257) و (ج 32 / ص 153) و (ج 33 / ص 104) و (ج 39 / ص 232) و (ج 41 / ص 101)