فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 79

المبحث الثالث

الدفاعُ عن صحيحي البخاري ومسلم [1]

المطلب الأول

تلقي الأمة أحاديث الصحيحين بالقبول

إن الله عز وجل حفظ دينه من عبث العابثين،وكيد الكائدين،وتمثل هذا الحفظ في صور عديدة وأشكال مختلفة،ولا يخفى هذا الأمر على منصف خلع العصبية المقيتة،وتحلَّى بالعدل الذي هو ميزة العقلاء،فإن كتاب الله قال الله عنه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] .

فهذا المصحف الذي نسخ منه مئات الملايين من النسخ،وعبر الأزمان المتفاوتة،منذ نزل على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا هذا وهو مع كل هذا محروس من الزيادة والنقصان،فلو أخذ إنسان نسخًا من القرآن من مكتبات الدنيا كلها لوجدها متفقة لا اختلاف بينها.

أما السنة النبوية التي هي بمثابة الشرح للقرآن،فقد هيأ الله من يحفظها من جهابذة الرجال،الذين بذلوا أنفسهم لهذا الشأن العظيم من أمثال الإمام البخاري الذي قال عنه أَبو الطَّيِّبُ حَاتِمُ بنُ مَنْصُوْرٍ الكِسِّيُّ: مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ فِي بصرِهِ وَنفَاذِهِ مِنَ العِلْمِ . [2]

وقال رجاء الحافظ: فَضْلُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ عَلَى العُلَمَاءِ كفضلِ الرِّجَالِ عَلى النِّسَاءِ.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ،كُلُّ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ؟!

فَقَالَ: هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ يَمْشِي عَلَى ظَهرِ الأَرْضِ.. [3]

ويقول محمد بن إسحاق بن خزيمة: مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَديمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ [4] .

ولقد كثرت السهام التي توجه للإسلام وللقضايا المسلَّمة عند جماهير علماء الأمة في هذا الزمان،وهذه الهجمات ليست جديدة ولا يستبعد أن تكون هنالك أيدٍ خفيةً تحرك مثل هذه الدعوات المغرضة لتشكيك المسلمين عامة وطلبة العلم الشرعي خاصة في قضايا صارت من القطعيات في دين الإسلام كقول بعض من ينسب للعلم الشرعي إن السنة ليست مصدرًا للتشريع ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم،وكقول بعضهم إنه لا يوجد حديث واحد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - - بلفظه،بل كل ما ورد إنما هو بالمعنى،وكقول بعضهم: إن أصول الفقه بدعة وإنه لا قياس في الشرع ونحو ذلك من الترهات والخزعبلات .

وقد تصدى العلماء للرد على هذه القضايا وأمثالها قديمًا وحديثًا ولا يتسع المقام لكل ذلك فلعلي أذكر شيئًا يسيرًا في إبطال الفرية المذكورة:

لقد اتفق علماء الأمة قديمًا وحديثًا على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصحُّ كتابين بعد كتاب الله عز وجل،وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال الإمام النووي رحمه الله: [ اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة . وقد صحَّ أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث ] [5] .

وقال الإمام النسائي: [ ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري ] المصدر السابق .

وقال ابن الصلاح: [ أول من صنف في الصحيح،البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز ] [6] .

ويقول الشهرزوري: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته،والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر،وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه،وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول،سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع،والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقة. [7]

ويقول أبو المعالي الجويني: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما. [8]

وقال الذهبي: [ وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى ] [9] .

وقال ولي الله الدهلوي: [ أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما،وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين ] [10] .

وقال العلامة أحمد محمد شاكر: [ الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها . ليس في واحد منها مطعن أو ضعف . وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث . على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه . وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها . فلا يهولنك إرجاف المرجفين . وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة . والله الهادي إلى سواء السبيل] [11] .

وقال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله: [ كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة على قواعد متينة وشروط دقيقة وقد وفقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح؛ كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم،حتى صار عرفًا عامًا أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة . ولا ريب في ذلك وأنه هو الأصل عندنا ] [12] .

وبعد أن ذكرت هذه الباقة العطرة من أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الثناء على الصحيحين فيجب أن يعلم أن هؤلاء العلماء وغيرهم لم يطلقوا هذه الأحكام على الصحيحين جزافًا،وإنما جاءت هذه الأحكام بعد أن درسوا الصحيحين دراسة واعية على بصيرة وهدى . فقد درس آلاف العلماء من الحفاظ وغيرهم أسانيد البخاري ومسلم دراسة مستفيضة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه وهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟.

فالأحاديث المرفوعة في الصحيحين أو أحدهما صحيحة بدون أدنى شك،وأما الحديث المتفق عليه فهو ما اتفق البخاري ومسلم على روايته في صحيحيهما والحديث المتفق عليه هو أعلى درجة من درجات الحديث الصحيح .

قال الإمام النووي: [ الصحيح أقسام أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما ] [13] .

وقال الشوكاني: [ واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث،لأنهما التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول ] [14] .

وينبغي أن يعلمَ أن من أهل العلم من انتقد على الصحيحين أو أحدهما أحاديث كالدارقطني وقد فصلَّ الحافظُ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري،والمسماة هدي الساري،فذكر الأحاديث المنتقدة،وأجاب عليها جوابًا إجماليًا وجوابًا مفصلًا فقال في الأول منهما: [ والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل . فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما،ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة ] [15] .

ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديث انتقد على البخاري .

وخلاصة الأمر أنَّ مَنْ طعن في أحاديث البخاري ومسلم فكلامه مردود عليه،حيث إنَّ أهل هذا الشأن من الحفاظ وأهل الحديث أجابوا عن ذلك أجوبة قاطعة واضحة . وإنَّ الطعن في البخاري ومسلم ما هو إلا طعنٌ في السنَّة النبوية،ومن يطعن في السنة النبوية يخشى عليه من الزندقة .اهـ

وبعض المبتدعة يرد نصوص السنة بحجة أنها آحاد لا يلزمه اتباعها،أو ظنية الدلالة فلا يلزمه قبولها،وهو بذلك يحرم نفسه نور الوحي،وهدي الله،فإن القرآن وإن كان قطعي الثبوت،فأكثره ظني الدلالة،والسنة أكثرها ظني الدلالة ظني الثبوت،فمن اشترط للاحتجاج بالأدلة أن تكون قطعية الثبوت والدلالة،فقد رد معظم الشريعة،وناقض إجماع الأمة.

يقول الإمام ابن عبد البر في التمهيد [16] :"وأجمع أهل العلم من أهل الفقة والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل،وإيجاب العلم به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع،على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا،إلا الخوارج،وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا،وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما يعلمه".

وقال أيضًا:"الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم،كشهادة الشاهدين والأربعة سواء،وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات،ويعادي ويوالي عليها،ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده. على ذلك جماعة أهل السنة".

وقال الإمام القرطبي في تفسيره [17] :"وهو مجمع عليه (أي قبول خبر الآحاد) من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في توجيهه ولاته ورسله آحادًا للأفاق ليعلموا الناس دينهم،فيبلغوهم سنة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي. والله أعلم."

ـــــــــــــــ

(1) - انظر فتاوى يسألونك - (ج 7 / ص 247) فما بعدها = دفاع عن صحيحي البخاري ومسلم و وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 2014) = رقم الفتوى 13678 دفاع عن صحيحي البخاري ومسلم =تاريخ الفتوى: 29 ذو القعدة 1424

(2) - سير أعلام النبلاء (12/428)

(3) - سير أعلام النبلاء (12/428)

(4) - تاريخ دمشق - (ج 52 / ص 65) وسير أعلام النبلاء (12/432) و تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 5 / ص 14) وتاريخ الإسلام للذهبي - (ج 5 / ص 17)

(5) - شرح النووي على صحيح مسلم 1/24

(6) - هدي الساري ص12

(7) - انظر صيانة صحيح مسلم: 1/85.

(8) - صيانة صحيح مسلم: 1/86.

(9) - الحطة في ذكر الصحاح الستة ص312

(10) - حجة الله البالغة 1/249

(11) - الباعث الحثيث ص 29، وانظر: في رحاب الكتب الستة ص 72., كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها - (ج 1 / ص 871) وانظر منهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر (ج 1 / ص 254) فما بعدها

(12) - مقدمة الألباني لشرح العقيدة الطحاوية ص14-15

(13) - تدريب الراوي شرح التقريب 1/122-123

(14) - نيل الأوطار 1/22

(15) - هدي الساري ص 506

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت