المبحثُ الخامس
الخلاصة في أحكامِ الرُؤْيَا [1]
1 -التَّعْرِيفُ:
الرُّؤْيَا عَلَى وَزْنِ فُعْلَى مَا يَرَاهُ الإِْنْسَانُ فِي مَنَامِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لأَِلِفِ التَّأْنِيثِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ ، وَتُجْمَعُ عَلَى رُؤًى .
وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ بِالْهَاءِ فَهِيَ رُؤْيَةُ الْعَيْنِ وَمُعَايَنَتُهَا لِلشَّيْءِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ ، وَتَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَاللِّسَانِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى النَّظَرِ بِالْعَيْنِ فَإِنَّهَا تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَإِنَّهَا تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ [2] .
وَالرُّؤْيَا فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ تَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْلْهَامُ:
الإِْلْهَامُ فِي اللُّغَةِ: تَلْقِينُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْخَيْرَ لِعَبْدِهِ ، أَوْ إِلْقَاؤُهُ فِي رُوعِهِ [3] .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: إِيقَاعُ شَيْءٍ يَطْمَئِنُّ لَهُ الصَّدْرُ يَخُصُّ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ [4] .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: ( إِلْهَامٌ ) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّؤْيَا وَالإِْلْهَامِ أَنَّ الإِْلْهَامَ يَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ ، بِخِلاَفِ الرُّؤْيَا فَإِنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي النَّوْمِ .
ب - الْحُلُمُ:
الْحُلُمُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللاَّمِ وَقَدْ تُسَكَّنُ تَخْفِيفًا هُوَ الرُّؤْيَا ، أَوْ هُوَ اسْمٌ لِلاِحْتِلاَمِ وَهُوَ الْجِمَاعُ فِي النَّوْمِ [5] . وَالْحُلُمُ وَالرُّؤْيَا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْدُثُ فِي النَّوْمِ إِلاَّ أَنَّ الرُّؤْيَا اسْمٌ لِلْمَحْبُوبِ فَلِذَلِكَ تُضَافُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَالْحُلُمُ اسْمٌ لِلْمَكْرُوهِ فَيُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ ولما وردَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ » [6] ، وَقَال عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: الرُّؤْيَا هِيَ رُؤْيَةُ مَا يَتَأَوَّلُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرُ الَّذِي يَسُرُّ بِهِ الْحُلْمُ هُوَ الْأَمْرُ الْفَظِيعُ الْمَجْهُولُ يُرِيهِ الشَّيْطَانُ لِلْمُؤْمِنِ لِيُحْزِنَهُ وَلِيُكَدِّرَ عَيْشَهُ [7] .ج - الْخَاطِرُ:
الْخَاطِرُ هُوَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَرَاتِبِ حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ مَا يَخْطِرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرِ أَمْرٍ ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْخِطَابِ أَوِ الْوَارِدُ الَّذِي لاَ عَمَل لِلْعَبْدِ فِيهِ ، وَالْخَاطِرُ غَالِبًا يَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ بِخِلاَفِ الرُّؤْيَا [8] .
د - الْوَحْيُ:
مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ كَمَا قَال ابْنُ فَارِسٍ الإِْشَارَةُ وَالرِّسَالَةُ وَالْكِتَابَةُ وَكُل مَا أَلْقَيْتَهُ إِلَى غَيْرِك لِيَعْلَمَهُ ، وَهُوَ مَصْدَرُ وَحَى إِلَيْهِ يَحِي مِنْ بَابِ وَعَدَ ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ بِالأَْلِفِ مِثْلُهُ ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَال الْوَحْيِ فِيمَا يُلْقَى إِلَى الأَْنْبِيَاءِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى [9] . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّؤْيَا وَاضِحٌ ، وَرُؤْيَا الأَْنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِى النَّوْمِ ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ [10] .
قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه وَغَيْره مِنَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا اُبْتُدِئَ - صلى الله عليه وسلم - بِالرُّؤْيَا لِئَلَّا يَفْجَأهُ الْمَلَك وَيَأْتِيه صَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلَا يَحْتَمِلهَا قُوَى الْبَشَرِيَّة فَبُدِئَ بِأَوَّلِ خِصَال النُّبُوَّة وَتَبَاشِير الْكَرَامَة مِنْ صِدْق الرُّؤْيَا وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر مِنْ رُؤْيَة الضَّوْء وَسَمَاع الصَّوْت وَسَلَام الْحَجَر وَالشَّجَر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ [11] .
2-الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَمَنْزِلَتُهَا:
الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ حَالَةٌ شَرِيفَةٌ وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ كَمَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ « أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ .. » [12] .
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل مِصْرَ سَأَل أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (64) سورة يونس ، قَال: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهَا ، فَقَال: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُك مُنْذُ أُنْزِلَتْ ، هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ [13] .
وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ » [14] . وَرُوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ . [15]
وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ غَالِبُ رُؤَى الصَّالِحِينَ كَمَا قَال الْمُهَلَّبُ ، وَإِلاَّ فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الأَْضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ ، بِخِلاَفِ عَكْسِهِمْ ، فَإِنَّ الصِّدْقَ فِيهَا نَادِرٌ لِغَلَبَةِ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ ، فَالنَّاسُ عَلَى هَذَا ثَلاَثُ دَرَجَاتٍ .
-الأَْنْبِيَاءُ وَرُؤَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ .
-وَالصَّالِحُونَ وَالأَْغْلَبُ عَلَى رُؤَاهُمُ الصِّدْقُ ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ
-وَمَنْ عَدَاهُمْ وَقَدْ يَقَعُ فِي رُؤَاهُمُ الصِّدْقُ وَالأَْضْغَاثُ .
وَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْعَرَبِيُّ: إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ هِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ لِصَلاَحِهَا وَاسْتِقَامَتِهَا ، بِخِلاَفِ رُؤْيَا الْفَاسِقِ فَإِنَّهَا لاَ تُعَدُّ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ ، وَقِيل تُعَدُّ مِنْ أَقْصَى الأَْجْزَاءِ ، وَأَمَّا رُؤْيَا الْكَافِرِ فَلاَ تُعَدُّ أَصْلًا . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ الصَّادِقَ الصَّالِحَ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَال الأَْنْبِيَاءِ فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الأَْنْبِيَاءُ وَهُوَ الاِطِّلاَعُ عَلَى الْغَيْبِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُخَلِّطُ فَلاَ ، وَلَوْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ أَحْيَانًا فَذَاكَ كَمَا قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ ، وَلَيْسَ كُل مَنْ حَدَّثَ عَنْ غَيْبٍ يَكُونُ خَبَرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ كَالْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ [16] .
هَذَا ، وَقَدِ اسْتُشْكِل كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَقِيل فِي الْجَوَابِ: إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً ، وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيل الْمَجَازِ . وَقَال الْخَطَّابِيُّ: قِيل مَعْنَاهُ: أَنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لاَ أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَقِيل الْمَعْنَى: إِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ ؛ لأَِنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ [17] .
3-أنواع الرؤيا [18] :
الرؤيا فهي على ثلاثة أضرب: الرؤيا الصالحة وهي ما يراه الشخص الصالح في منامه من المبشرات ، وهي من إكرام الله لعباده الصالحين ، وحديث النفس فقد ينام الإنسان وهو مهتم بشيء ما فيرى حلما في النوم في شأنه، وتخويف من الشيطان للعباد ، ففي حديث البخاري عَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ » . قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ » [19] . . وفي رواية مسلم: « إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ » [20] .
وعن أبي الطُّفَيْلِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ نُبُوَّةَ بَعْدِى إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتِ » . قَالَ قِيلَ وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ » . أَوْ قَالَ « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ » [21] .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ » [22] . .
وعَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ" [23] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ فَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ وَحَدِيثُ النَّفْسِ وَتَخْوِيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا تُعْجِبُهُ فَلْيَقُصَّهَا إِنْ شَاءَ وَإِنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلاَ يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ يُصَلِّى » . [24]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ فَرُؤْيَا حَقٌّ وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَمَنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ » . وَكَانَ يَقُولُ « يُعْجِبُنِى الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِى الدِّينِ » . وَكَانَ يَقُولُ « مَنْ رَآنِى فَإِنِّى أَنَا هُوَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِى » . وَكَانَ يَقُولُ « لاَ تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلاَّ عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ » . [25]
وعن مُحَمَّدَ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ . » قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ قَالَ وَكَانَ يُقَالُ الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ حَدِيثُ النَّفْسِ ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ ، وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلاَ يَقُصُّهُ عَلَى أَحَدٍ ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ . قَالَ وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِى النَّوْمِ ، وَكَانَ يُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ ، وَيُقَالُ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِى الدِّينِ [26] .
وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: الرُّؤْيَا ثَلاَثَةٌ: مِنْهَا تَهْوِيلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيُحْزِنَ ابْنَ آدَمَ ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَرَآهُ فِي مَنَامِهِ ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . [27]
قال المناوي في فيض القدير: الرؤيا الصالحة الحسنة أو الصحيحة المطابقة للواقع [28] .
وقال أيضا في شرح حديث عوف بن مالك السابق ( الرؤيا ثلاثة منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم ) ولا حقيقة لها في نفس الأمر ( ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ) قال القرطبي: ويدخل فيه ما يلازمه في يقظته من الأعمال والعلوم والأقوال وما يقوله الأطباء من أن الرؤيا من خلط غالب على الرائي ( ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) قال الحكيم: أصل الرؤيا حق جاء من عند الحق المبين يخبرنا عن أنباء الغيب وهي بشارة أو نذارة أو معاينة وكانت عامة أمور الأولين بها، ثم ضعفت في هذه الأمة لعظيم ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي،ولما فيها من التصديق وأهل الإلهام واليقين فاستغنوا بها عن الرؤيا، والمؤمن محسود ولع به الشيطان لشدة عداوته فهو يكبده ويحزنه من كل وجه ويلبِّس عليه، فإذا رأى رؤيا صادقة خلطها ليفسد عليه بشراه أو نذارته أو معاينته ،ونفسه دون الشيطان فيلبِّس عليه بما اهتم به في يقظته فهذان الصنفان ليسا من أنباء الغيب والصنف الثالث هي الرؤيا الصادقة التي هي من أجزاء النبوة . اهـ [29]
واعلم أن الرؤيا الصالحة تعتبر وحيا من الله وجزءا من النبوة باعتبار ما فيها من الأخبار والبشائر ، ولكنها لا تعتبر من ناحية التشريع والأحكام فلا يبنَى عليها حكم شرعيٌّ ولا يثبتُ بها حقٌّ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه -: هَذَا وَمِثْله اِسْتِئْنَاس وَاسْتِظْهَار عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ ضَعْفِ أَبَانَ - الرقاشي- لَا أَنَّهُ يَقْطَعُ بِأَمْرِ الْمَنَام وَلَا أَنَّهُ تَبْطُلُ بِسَبَبِهِ سُنَّةٌ ثَبَتَتْ وَلَا تَثْبُتُ بِهِ سُنَّةٌ لَمْ تَثْبُتْ وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء ، قال النووي: وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرهمْ فَنَقَلُوا الِاتِّفَاق عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَيَّرُ بِسَبَبِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ . وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي". فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ وَتَلْبِيسِ الشَّيْطَانِ وَلَكِنْ لَا يَجُوز إِثْبَات حُكْم شَرْعِيّ بِهِ لِأَنَّ حَالَة النَّوْم لَيْسَتْ حَالَةَ ضَبْطٍ وَتَحْقِيقٍ لِمَا يَسْمَعُهُ الرَّائِي ، وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَشَهَادَتُهُ أَنْ يَكُون مُتَيَقِّظًا لَا مُغَفَّلًا وَلَا سَيِّئَ الْحِفْظِ وَلَا كَثِيرَ الْخَطَأِ وَلَا مُخْتَلَّ الضَّبْطِ ، وَالنَّائِمُ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَة فَلَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِاخْتِلَالِ ضَبْطِهِ ، هَذَا كُلّه فِي مَنَام يَتَعَلَّق بِإِثْبَاتِ حُكْمٍ عَلَى خِلَاف مَا يَحْكُمُ بِهِ الْوُلَاةُ ، أَمَّا إِذَا رَأَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُهُ بِفِعْلِ مَا هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ يُرْشِدُهُ إِلَى فِعْلِ مَصْلَحَة فَلَا خِلَاف فِي اِسْتِحْبَاب الْعَمَل عَلَى وَفْقِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الْمَنَام بَلْ تَقَرَّرَ مِنْ أَصْل ذَلِكَ الشَّيْء . وَاَللَّه أَعْلَمُ . [30]
وقال النووي أيضا في المجموع:"لَوْ كَانَتْ لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ , وَلَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ , فَرَأَى إنْسَانٌ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: اللَّيْلَةُ أَوَّلُ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ الصَّوْمُ بِهَذَا الْمَنَامِ لَا لِصَاحِبِ الْمَنَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ , ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْفَتَاوَى وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَرَّرْتُهُ بِدَلَائِلِهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ , وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ شَرْطَ الرَّاوِي وَالْمُخْبِرَ وَالشَّاهِدَ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا فِي حَالِ التَّحَمُّلِ , وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّوْمَ لَا تَيَقُّظَ فِيهِ , وَلَا ضَبْطَ , فَتُرِكَ الْعَمَلُ بِهَذَا الْمَنَامِ لِاخْتِلَالِ ضَبْطِ الرَّاوِي لَا لِلشَّكِّ فِي الرُّؤْيَةِ ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: « تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى ، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِى صُورَتِى ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [31] . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" [32] ..
وأمَّا الإلهامُ فقد اختلف في معناه على أقوال فقيل: هو الإصابة بغير نبوة، وقيل المحدَّث هو الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه. وقيل غير ذلك، والأصل في إثبات الإلهام والتحديث ما روي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِى أُمَّتِى هَذِهِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ » [33] .
وربما أطلق العلماء على هذا النوع من العلم بالمغيبات الكشف، ومدار الأمر على استقامة الحال وسلامة المعتقد، فإنَّ جنس هذا العلم يحصل للبرِّ والفاجر، والمسلم والكافر، والمحدَّث والكاهن ،فقد يلقي الشيطان بعض الأمور الغيبية على لسان شخص ما، ليفتتن به الناس، لا سيما إذا كانوا جهالا. وكما قال السلف: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء، فلا تغتروا بعمله، حتى يعرض على الكتاب والسنَّة. فيجبُ على المسلم أن يعرف الفرق بين الإلهامات الإلهية والإيحاءات الشيطانية حتى لا يقع في شرك المبطلين. فالإلهاماتُ الإلهيةُ هي ما يحصلُ لمن كان مستقيم الظاهر والباطن على شرع الله تعالى في الاعتقاد والقول والعمل. وأما الإيحاءات الشيطانية فهي ما يحصل لأولياء الشيطان من الزنادقة والمبتدعة المنحرفين الضالين ، وأن المدرك الوحيد لأخذ الأحكام الشرعية هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بفهم السلف الصالح لهذه الأمة، وأمَّا غير ذلك من المكاشفات والإلهامات فليس مدركا للأحكام البتة، فلا ينبني عليه حكم شرعي إطلاقا .والله أعلم" [34] ."
4-رُؤْيَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْمَنَامِ [35] :
(1) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 7-15)
(2) - المصباح، والقاموس مادة: ( روى ) ، الصحاح واللسان ، مادة: ( رأى ) ، والكليات 2 / 384 ط - دمشق .
(3) - القاموس ، واللسان ، والصحاح، مادة: ( لهم ) .
(4) - كشاف اصطلاحات الفنون .
(5) - القاموس المحيط ، مادة: ( حلم ) ، صحيح مسلم بشرح النووي 15 / 16 ط - المصرية، تفسير القرطبي 9 / 124 ط - المصرية .
(6) - صحيح البخارى (3292) ومسلم (6037 )
(7) - المنتقى 7 / 277 ط - العربي .
(8) - المصباح مادة: ( مطر ) ، والمنثور للزركشي 2 / 33 ط - الأولى، والتعريفات للجرجاني / 129 ط - العربي، والكليات 2 / 309 ط - دمشق .
(9) - المصباح مادة: ( وحي ) .
(10) - البخاري ( 6982) ومسلم (422)
(11) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 287)
(12) - صحيح مسلم (1102) = قمن: خليق وجدير
(13) - سنن الترمذى (2442) حسن لغيره
(14) - صحيح البخارى (6989 ) ومسلم (6049 )
(15) - فتح الباري 12 / 362 - 363 ط الرياض، صحيح مسلم بشرح النووي 15 / 20 - 21 ط المصرية، تحفة الأحوذي 6 / 549 ط . الفجالة، وتفسير القرطبي 9 / 122 - 123 ط المصرية .
(16) - فتح الباري ( 12 / 362 - 391 ط - الرياض، وصحيح مسلم بشرح النووي 15 / 20 - 21 ط المصرية ، وتفسير القرطبي 9 / 124 ط الأولى .
(17) - فتح الباري 12 / 363 ، 364
(18) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 1952) -رقم الفتوى 72203 الرؤيا والوحي والإلهام
(19) - صحيح البخارى (6990 )
(20) - صحيح مسلم (1103 )
(21) - مسند أحمد (24524) صحيح
(22) - صحيح مسلم (6053)
(23) - صحيح البخارى (3292)
(24) - سنن ابن ماجه (4039 ) صحيح لغيره
(25) - سنن الترمذى (2449 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.-الغل: القيد في العنق وهو يفسر في الرؤيا بتحمل دين أو مظالم
(26) - صحيح البخارى (7017 )
(27) - صحيح ابن حبان - (ج 13 / ص 407) ( 6042) صحيح
(28) - فيض القدير، شرح الجامع الصغير (7358)
(29) - فيض القدير، شرح الجامع الصغير (4497)
(30) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 50)
(31) - صحيح البخارى (110 ) -يتبوأ: يتخذ منزله
(32) - المجموع شرح المهذب - (ج 6 / ص 281)
(33) - صحيح البخارى (3469 )
(34) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 7389) رقم الفتوى 68772 الإلهام والمبشرات والكشف،وللمزيد من الفائدة نرجو الاطلاع على الفتاوى ذات الأرقام التالية: 5416 ، 5697 ، 64898 .
(35) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 9)