المبحثُ الخامسُ
الحديثُ القدسيُّ والفرق بينه وبين الحديث العادي
1-تعريفُه:
أ) لغة: القُدْسِيُّ نسبة إلى"القُدْس"أي الطُّهْر، [1] . أي الحديث المنسوب إلى الذات القدسية . وهو الله سبحانه وتعالى .
ب) اصطلاحًا: الحديث المرفوع القولي المسند من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله.
وهذه ميِّزه عن القرآن ، من جهة أن القرآن لا يقال فيه ( حديث مرفوع ) ، و (القولي ) ميَّزه من سائر أنواع المرفوع ، و النسبة إلى الله أخرجته من عموم المرفوعات القولية التي هي مما أنشأه النبي - صلى الله عليه وسلم - بألفاظه .
مثاله: حديث أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِى الأَمْرُ ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ » . [2] .
2-مثالُه:
كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي ، فَتَنْفَعُونِي ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ"قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ . حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، ابْنَا بِشْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى"إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي ، فَلَا تَظَالَمُوا"وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ ، وَحَدِيثُ أَبِي إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا" [3] ."
3-الفرق بينه وبين القرآن:
الحديث القدسي فهو نسبة إلى القدس، وهي نسبة تدلُّ على التعظيم والتنزيه والتطهير.
فالحديثُ القدسيُّ:ما كان لفظه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومعناه من الله تعالى، أو هو ما أخبر الله نبيه بالإلهام أو المنام، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك المعنى بعبارة من نفسه.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في لفظ الحديث القدسي: هل هو كلام الله تعالى، أو أن الله تعالى أوحى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - معناه، واللفظ لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ على قولين:
القول الأول: أن الحديث القدسي من عند الله لفظه ومعناه،لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أضافه إلى الله تعالى، ومن المعلوم أن الأصل في القول المضاف أن يكون بلفظ قائله لا ناقله،لا سيما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقوى الناس أمانةً وأوثقهم روايةً.
القول الثاني: أن الحديث القدسي معناه من عند الله ولفظه لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: لو كان الحديث القدسي من عند الله لفظًا و معنى؛لكان أعلى سندًا من القرآن؛لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ربه تعالى بدون واسطة؛كما هو ظاهر السياق، أما القرآن فنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبريل عليه السلام؛كما قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُس من ربك ) (النحل: الآية102) ، وقال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء:193-195] .
الوجه الثاني:أنه لو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله؛لم يكن بينه وبين القرآن فرق؛ لأن كليهما على هذا التقدير كلام الله تعالى،والحكمة تقتضي تساويهما في الحكم حين اتفقا في الأصل،ومن المعلوم أن بين القرآن والحديث القدسي فروق كثيرة ستمرُّ بعد قليل .
ويلحق بهذين النوعين من الوحي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - معبرًا عن معنى أوحي إليه أو مبينًا للقرآن الكريم، ولهذا قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [لنجم:3-4] .
والحديث القدسيُّ حكمه حكم الحديث النبوي، فمنه: الصحيح ، والحسن، والضعيف...
ومثاله ما ورد في البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِى ، فَإِنْ ذَكَرَنِى فِى نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِى ، وَإِنْ ذَكَرَنِى فِى مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِى مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » [4] .
وتعريف الحديث النبوي: هو ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير ونحوها من أوصاف خَلقية أو خُلقية أو همِّ. [5]
فالحديث القدسيُّ هو: ما يرويه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه تبارك وتعالى بألفاظه، ولكن دون التعبد بهذه الألفاظ، وليس للتحدي والإعجاز.
وعلى هذا، فالكلُّ من عند الله، ولكن القرآن متعبد بألفاظه لا تصحُّ الصلاة إلا به، وهو المعجزة الكبرى التي تحدَّى الله بها الخلق أجمعين، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88] .
وبين الحديث القدسي والقرآن عدةُ فروق منها [6] :
1.أن القرآن الكريم كلام الله لفظًا ومعنى، أما الحديث القدسي فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كلام الله لفظًا ومعنى لكنه يختلف عن القرآن في طريقة تبليغه وعن الواسطة فيه وهو جبريل عليه السلام، بحيث يكون بالإلهام أو الإلقاء في الروع أو حال المنام أو غيرها من طرق الوحي غير المجلَّى، وذهب آخرون إلى القول المشهور وهو أن الحديث القدسي معناه من الله ولفظه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - واختاره عامة المؤلفين في القرآن وعلومه.
2.أن القرآن متواتر كله فهو قطعي الثبوت، أما الحديث القدسي فمنه الصحيح والضعيف والموضوع، ووصفه بقدسي راجع إلى منزلته فلا يعني بالضرورة ثبوت كل مروي فيه، إذ إن موضوع الصحة والضعف المدار فيه على السند وقواعد القبول والرد المعروفة عند المحدثين.
3.أن القرآن الكريم لا تجوز قراءته بالمعنى بإجماع المسلمين، أما الأحاديث القدسية؛ فعلى الخلاف في جواز نقل الحديث النبوي بالمعنى والأكثرون على جوازه..
4.أن القرآن متعبد بتلاوته « فمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لاَ أَقُولُ الم َرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ » [7] ..
بينما الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، بمعنى أن الإنسان لا يتعبد الله تعالى بمجرد قراءته؛ فلا يثاب على كل حرف منه عشر حسنات .
5.القرآن معجز بلفظه ومعناه، أما الحديث القدسي فليس كذلك.
6.القرآن تحدَّى الله به العرب - بل العالمين - أن يأتوا بمثله، وأما الحديث القدسي فليس فيه تحدٍّ .
7.ومن خصائص القرآن الكريم أنه لا يجوز مسه إلا لطاهر على الأصح، بخلاف الأحاديث القدسية.
8.ومنها:أن القرآن محفوظ من عند الله عزّ وجل؛ كما قال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ؛ والأحاديث القدسية بخلاف ذلك؛ ففيها الصحيح والحسن،بل أضيف إليها ما كان ضعيفًا أو موضوعًا، وهذا وإن لم يكن منها لكن نسب إليها وفيها التقديم والتأخير والزيادة والنقص.
9.ومنها:أن القرآن الكريم تشرع قراءته في الصلاة، ومنه ما لا تصح الصلاة بدون قراءته، بخلاف الأحاديث القدسية.
10.ومنها:أن القرآن لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل على القول الراجح،بخلاف الأحاديث القدسية.
11.ومنها:أن القرآن ثبت بالتواتر القطعي المفيد للعلم اليقيني، فلو أنكر منه حرفًا أجمع القراء عليه؛ لكان كافرًا، بخلاف الأحاديث القدسية؛ فإنه لو أنكر شيئًا منها مدعّيًا أنه لم يثبت؛ لم يكفر، أما لو أنكره مع علمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله؛ لكان كافرًا لتكذيبه النبي - صلى الله عليه وسلم - .
والحاصلُ أن الفرق بين القرآن والحديث القدسي يتَّضحُ في كون القرآن نزل للإعجاز وللتعبد، وليس الحديث القدسي كذلك.. [8]
قال العلامة الشهاب ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية في شرح الحديث الرابع والعشرين المسلسل بالدمشقيين وهوحديث أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ « يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى ..." [9] "
"اعلم أنَّ الكلام المضاف إليه تعالى أقسامٌ ثلاثةٌ:"
أولها - وهو أشرفها (( القرآن ) )لتميزه عن البقية بإعجازه من أوجه كثيرة ،وكونه معجزة باقية على ممر الدهر ،محفوظة من التغيير والتبديل ،وبحرمة مسِّه لمحدِثٍ وتلاوته لنحو الجنُبِ ،وروايته بالمعنى وبتعينه في الصلاة ،وبتسميته قرآنا ،وبأن كل حرف منه بعشر حسنات، وبامتناع بيعه في رواية عند أحمد وكراهته عندنا ،وبتسمية الجملة منه آية وسورة ،وغيره من بقية الكتب والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء مما ذكر، فيجوز مسه وتلاوته لمن ذكر وروايته بالمعنى، ولا يجزئ في الصلاة بل يبطلها ،ولا يسمَّى قرآنا ،ولا يعطى قارئة بكل حرفٍ عشرا، ولا يمنع بيعه ولا يكره اتفاقًا، ولا يسمَّى بعضه آية ولا سورة اتفاقًا أيضًا.
ثانيهًا - كتبُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل تغييرها وتبديلها.
ثالثهًا - بقيةُ الأحاديث القدسية ،وهي ما نقل إلينا آحادًا عنه مع إسناده لها عن ربه، فهي من كلامه تعالى فتضاف إليه وهو الأغلب ،ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء، لأنه المتكلم بها أولًا ،وقد تضاف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه المخبر بها عن الله تعالى، بخلاف القرآن فإنه لا يضاف إلا إليه تعالى فيقال فيه (قال الله تعالى) وفيها (قال رسول الله فيما يروي عن ربه تعالى) .
واختلفَ في بقية السنَّة هل هي كلها بوحيٍ أولا ؟وآيةُ (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) [النجم/3-4] ) تؤيد الأول، وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: « أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِىِّ وَلاَ كُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِىَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ » [10] .
ولا تنحصرُ تلك الأحاديث القدسيةُ في كيفية من كيفيات الوحي ،بل يجوز أن تنزل بأي كيفيةٍ من كيفياته؛ كرؤيا النوم ،والإلقاء في الروع ،وعلى لسان الملك، ولراويها صيغتان إحداهما أن يقول: ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،(قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله والمعنى واحد) انتهى
4-عدد الأحاديث القدسية:
والأحاديث القدسية ليست بكثيرة بالنسبة لعدد الأحاديث النبوية ، وهي تبلغ حوالي ألف حديث.
5-صِيَغُ روايته:
وردت الأحاديث القدسية بالألفاظ التالية:
ا- بلفظ قال الله تعالى ، وهو الأكثر شهرة ،مثاله: عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ » [11] .
ب-وقد يرد بلفظ قال ربكم أو يقول ربكم ، أو ربكم قال، أو ربكم يقول ،أو قال ربنا بقلَّة أمثلة: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِى هَذِهِ الآيَةِ (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « قَالَ رَبُّكُمْ أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلاَ يُشْرَكَ بِى غَيْرِى وَأَنَا أَهْلٌ لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُشْرِكَ بِى أَنْ أَغْفِرَ لَهُ » . [12]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ أَنَّ عِبَادِى أَطَاعُونِى لأَسْقَيْتُهُمْ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ » . [13] ...
ج- وقد يرد بلفظ يَقُولُ اللهُ ، ومثاله:عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أُرَاهُ « يَقُولُ اللَّهُ شَتَمَنِى ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِى ، وَتَكَذَّبَنِى وَمَا يَنْبَغِى لَهُ ، أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِى وَلَدًا . وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِى كَمَا بَدَأَنِى » [14] .
د- وقد يرد بلفظ إنَّ الله يَقولُ ومثاله: عَنْ أَنَسٍ ، يَرْفَعُهُ:"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ ، أَنْ لاَ تُشْرِكَ بِي ، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ" [15] .
هـ - وقد يرد بلفظ فيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ،أو عن ربكم أمثلة:
عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: « إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَىَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّى ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِذَا أَتَانِى مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » [16] .
وعن مُحَمَّدَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ « لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ ، وَالصَّوْمُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ » [17]
و- وقد يرد بلفظ رأيت ربي ومثاله:عَنْ مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى قَرْنَ الشَّمْسِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ وَصَلَّى وَتَجَوَّزَ فِى صَلاَتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ « كَمَا أَنْتُمْ عَلَى مَصَافِّكُمْ » . ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ « إِنِّى سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِى عَنْكُمُ الْغَدَاةَ إِنِّى قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِى فَنَعَسْتُ فِى صَلاَتِى حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّى عَزَّ وَجَلَّ فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَدْرِى فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ لاَ أَدْرِى يَا رَبِّ. قَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ لاَ أَدْرِى رَبِّ. فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَىَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِى فَتَجَلَّى لِى كُلُّ شَىْءٍ وَعَرَفْتُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ فِى الْكَفَّارَاتِ. قَالَ وَمَا الْكَفَّارَاتُ قُلْتُ نَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ وَجُلُوسٌ فِى الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلاَةِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ. قَالَ وَمَا الدَّرَجَاتُ قُلْتُ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلاَمِ وَالصَّلاَةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ سَلْ. قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِى وَتَرْحَمَنِى وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِى قَوْمٍ فَتَوَفَّنِى غَيْرَ مَفْتُونٍ وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِى إِلَى حُبِّكَ » . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا » [18] .
هـ- وقد يرد بألفاظ أخرى أمثلة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ ، فَقَالَ: مَهْ ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ"ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ" [19] "
و عن أبي هُرَيْرَةَ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي , فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ , فَغَفَرَ لَهُ , ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ , وَرُبَّمَا قَالَ: ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ , فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي , فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ: ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ , فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي , فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ رَبُّهُ: غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ" [20]
(1) - تاج العروس - (ج 1 / ص 4066)
(2) - صحيح البخارى (4826 ) ومسلم (6000 )
(3) - برقم (6737 )
(4) - صحيح البخارى (7405 )
(5) -انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 4995) =رقم الفتوى 18457 تعريف الحديث القدسي والنبوي =تاريخ الفتوى: 20 ربيع الثاني 1423
(6) - انظر فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 1 / ص 474) = الفرق بين القرآن والحديث القدسي
(7) - برقم (2910)
(8) - قسم الحديث والمصطلح - (ج 25 / ص 2)
(9) - صحيح مسلم (6737 ) و قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص )
(10) - سنن أبى داود (4606 ) وهو صحيح = يقرى: يكرم الضيف ويقوم بحق ضيافته
(11) - صحيح البخارى (2270 )
(12) - سنن ابن ماجه (4441 ) وهو صحيح
(13) - مسند أحمد (8942) وهو حديث حسن
(14) - صحيح البخارى (3193 )
(15) - صحيح البخارى (3334 )
(16) - صحيح البخارى (7536 )
(17) - صحيح البخارى (7538 ) .
(18) - مسند أحمد (22762) والمعجم الكبير للطبراني - (ج 1 / ص 406) (931) والمعجم الكبير للطبراني - (ج 15 / ص 22) (16640 ) وهوحديث صحيح للغيره
القرن: أول الشمس عند طلوعها وأعلاها وقيل أول شعاعها وقيل ناحيتها
(19) - الأدب المفرد (51) وهو صحيح
(20) - مسلم (7162 -7164)