فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 79

وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمْ يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ , فَقَالَ:"اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ , مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا , ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا , وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ , مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ , فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ قَالَ: فَتَحْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ حَتَّى يَأْخُذَهَا مَلَكُ الْمَوْتِ , فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعْهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَذَلِكَ الْحَنُوطِ , ثُمَّ يَصْعَدُوا بِهَا قَالَ: وَتَخْرُجُ رُوحُهُ كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ قَالَ: فَيَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأ مِنَ الْمَلَائِكَةِ , فَيَقُولُونَ: مَا هَذَا الرِّيحُ الطَّيِّبُ ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا , فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي يَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ ؛ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ: فَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ قَالَ: وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ , فَيُجْلِسَانِهِ , فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ , فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ: دِينِي الْإِسْلَامُ , فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ , فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ , فَآمَنْتُ بِهِ , وَصَدَّقْتُ . قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوا لَهُ مِنَ الْجَنَّةَ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ , فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ , فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ , رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي ، وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ عَلَى الْآخِرَةِ فَتَنْزِلُ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ سُودُ الْوُجُوهِ ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ , فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبِهِ ، قَالَ: فَتَنْفَرِقُ فِي جَسَدِهِ فَتَنْزِعُهَا فَتُقْطَعُ مِنْهُ الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ كَمَا يُنْزَعُ السَّفُّودَ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ , فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعْهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا , فَيَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا وَيَخْرُجُ مِنْهَا أَنْتَنُ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ قَالَ: وَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينِ الْأَرْضِ السُّفْلَى , وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ ؛ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ: فَيَطْرَحُوهُ طَرْحًا قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ , وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ , فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي قَالَ: فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي , فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ , فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ , وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ , وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ . قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا , وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ أَضْلَاعُهُ . قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ مُنْتِنُ الرِّيحِ قَبِيحُ الثِّيَابِ , فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ قَالَ: فَيَقُولُ: وَمَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّرِّ ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ قَالَ: فَيَقُولُ: رَبِّ , لَا تُقِمِ السَّاعَةَ , رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ" [1] وَأَمَّا بُشْرَاهُمْ فِي الْآخِرَة فَكَمَا قَالَ تَعَالَى: { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } (103) سورة الأنبياء، وَقَالَ تَعَالَى {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (12) سورة الحديد."

وَقَوْله تعالى:"لَا تَبْدِيل لِكَلِمَاتِ اللَّه"أَيْ هَذَا الْوَعْد لَا يُبَدَّل وَلَا يُخْلَف وَلَا يُغَيَّر بَلْ هُوَ مُقَرَّر مُثْبَت كَائِن لَا مَحَالَة ذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم" [2] ."

وقال الرازي:"اعلم أنا بينا أن قوله تعالى: { وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ } [ يونس: 61 ] مما يقوي قلوب المطيعين ، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية . وفيه مسائل:"

المسألة الأولى: اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه . فنقول: أما إن الوحي من هو؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول .

أما القرآن ، فهو قوله في هذه الآية: { الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } فقوله: { ءامَنُواْ } إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله: { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } إشارة إلى كمال حال القوة العملية . وفيه قيام آخر ، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ، ثم نصف الولي بأنه كان متقيًا في الكل . أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر ، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال ، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصرًا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به ، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبدًا يكون في مقام الخوف والتقوى .

وأما الأخبار فكثيرة روى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ ، وَلَا شُهَدَاءَ ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا مِنْ هُمْ ، وَمَا أَعْمَالُهُمْ ، فَإِنَّا نُحِبُّهُمْ لِذَلِكَ ؟ قَالَ:"هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطُونَهَا ، فَوَاللَّهِ إِنَّ وجُوهَهُمْ لَنُورٌ ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نُورٍ ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزُنَ النَّاسُ". وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [3] "

و عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ , وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" [يونس آية 62] قَالَ:"يُذْكَرُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ" [4]

قال أهل التحقيق: السببُ فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع ، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله: { سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود } [ الفتح: 29 ]

وأمَّا الأثر ، فقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه .

وأما المعقول فنقول: ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدلُّ على معنى القرب ، فولىيُّ كل شيء هو الذي يكون قريبًا منه ، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال ، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقًا في نور معرفة الله تعالى سبحانه ، فإن رأى دلائل قدرة الله ، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله ، وإن تحرك تحرك في خدمة الله ، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله ، فهنالك يكون في غاية القرب من الله ، فهذا الشخص يكون وليًا لله تعالى ، وإذا كان كذلك كان الله تعالى وليًا له أيضًا كما قال الله تعالى: { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة: 257 ] ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين .

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتيًا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتيًا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة ، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي .

وأما قوله تعالى في صفتهم: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ففيه بحثان:

البحث الأول: أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف ، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه .

البحث الثاني: قال بعض المحققين: إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة .

والأول باطل لوجوه: أحدها: أن هذا لا يحصلُ في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصًا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: « الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ » [5] ،وعلى ما قال: « حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ » [6] .

وثانيها: أن المؤمن ، وإن صفا عيشه في الدنيا ، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد ، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى ، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على أمر الآخرة ، فهذا كلام محقق ، وقال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب ، فوليُّ الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى ، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله ، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة ، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئًا ، ولا يحزن بسبب شيء ، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به ، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى ، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن؟ وهذه درجة عالية ، ومن لم يذقها لم يعرفها ، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة ، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية ، كما يحصل لغيره ، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه ، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له ، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه ، والمريد تسلَّق على رأس شجرة خوفًا منها والشيخ ما كان فازعًا من تلك السباع ، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة ، فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟ فقال الشيخ: إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي ، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى .

المسألة الثانية: قال أكثر المحققين: إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محفل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وبقوله تعالى: { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر وتتلقاهم الملئكة } [ الأنبياء: 103 ] وأيضًا فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال: بل يحصل فيه أنواع من الخوف ، وذكروا فيه أخبارًا تدلُّ عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد .

وأما قوله: { الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ففيه ثلاثة أوجه: الأول: النصب بكونه صفة للأولياء . والثاني: النصب على المدح . والثالث: الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى .

وأما قوله تعالى: { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة } ففيه أقوال:

الأول: المراد منه الرؤيا الصالحة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال:"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ" [7]

وعنه عليه الصلاة والسلام: « ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ » . [8]

وعنه عليه الصلاة والسلام: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ » [9]

وعنه - صلى الله عليه وسلم -: « الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ » [10]

وعَنْ عَوْفِ بن مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"الرُّؤْيَا ثَلاثَةٌ: مِنْهَا تَهَاوِيلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ابْنُ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يُهِمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَرَآهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" [11] .

واعلم أنا إذا حملنا قوله: { لَهُمُ البشرى } على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضًا يدل عليه ، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال: { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا } على سبيل الحصر والتخصيص .

القول الثاني: في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ « تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ » [12] .

واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكلُّ من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبًا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضًا فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدومًا بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة .

والقول الثالث: في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى: { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة ألاتَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة } [ فصلت: 30 ] وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى: { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد: 23-24 ] وسلام الله عليهم كما قال: { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس: 58 ] ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات .

والقول الرابع: إن ذلك عبارة عما بشَّر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله: { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان} [ التوبة: 21 ] .

واعلم أن لفظ البشارة مشتقٌّ من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلًا فيه فكلُّ ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله: { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا } وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله: {وَفِي الأخرة } ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله: { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق: 29 ] وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله: { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان} ثم بين تعالى أن: { ذلك هُوَ الفوز العظيم } وهو كقوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا } [ الإنسان: 20 ] ثم قال القاضي: قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديمًا . ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديمًا وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه ." [13] "

وقال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (196) سورة الأعراف

إِنَّ اللهَ حَسْبِي ، وَهُوَ مُتَوَلِّي أَمْرِي وَنَاصِرِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَهُوَ يَتَولَّى نَصْرَ كُلِّ صَالِحٍ مِنْ عِبَادِهِ ، وَهُوَ الذِي نَزَّل القُرْآنَ بِالحَقِّ عَلَيَّ ( الكِتَابَ ) . [14]

ـــــــــــــــ

(1) - الزُّهْدُ لِهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ (333 ) صحيح

(2) - تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 277) فما عدها

(3) - ابن جرير الطبري في التفسير (16259) صحيح لغيره

(4) - المعجم الكبير للطبراني (12156 ) حسن

(5) - صحيح مسلم (7606 )

(6) - صحيح مسلم (7308)

(7) - صحيح مسلم (1102)

(8) - مسند أحمد ( 27903) صحيح

(9) - صحيح البخارى (3292)

(10) - صحيح البخارى (6989 )

(11) - المعجم الكبير للطبراني (14545 ) صحيح لغيره

(12) - صحيح مسلم (6891 )

(13) - تفسير الرازي - (ج 8 / ص 313) فما بعدها

(14) - التفسير الميسر - (ج 3 / ص 157) وأيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 1151)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت