المطلب الرابع
كلام الحافظ ابن حجر على أحاديث البخاري
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله رادًّا على من انتقد أحدايث في الصحيحين:
"والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من كثرة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ، ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه ،وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا ،وروى الفربري عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته، وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول:عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكلُّ ما أشار أن له علة تركته، فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علَّة له أو له علَّةٌ إلا أنها غيرُ مؤثِّرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارِضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراضُ من حيث الجملة."
وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:
القسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد ، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة وعلله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سنحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين، لأنَّ الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضرُّ؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه ،وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطعٌ، والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيفُ لا يعِلُّ الصحيح، وستأتي أمثله ذلك في الحديث الثاني والثامن وغيرهما ،وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقدُ بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنِّفُ، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدركَ مَن روى عنه إدراكًا بيِّنا أو صرحَ بالسماع إن كان مدلِّسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراضُ بذلك ،وإن لم يوجد وكان الانقطاعُ فيه ظاهرًا فمحصِّلُ الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في بابٍ مالهُ متابعٌ وعاضدٌ، أو ما حفَّته قرينةٌ في الجملة تقويه ويكون التصحيحُ وقع من حيثُ المجموع ،كما سنوضح ذلك في الكلام على الحديث الرابع والعشرين من هذه الأحاديث وغيره ،وربما علل بعضُ النقاد أحاديث ادَّعى فيها الانقطاع لكونها غيرَ مسموعةٍ كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزمُ منه الانقطاعُ عند من يسوِّغُ الروايةَ بالإجازة بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليلٌ على صحَّة الرواية بالإجازة عنده ،وقد أشرنا إلى ذلك في الحديث السادس والثلاثين وغيره.
القسم الثاني منها: ما تختلفُ الرواة فيه بتغيير رجالِ بعض الإسناد، فالجواب عنه إن أمكنَ الجمعُ بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعا فأخرجهما المصنِّف ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد، كما في الحديث الثامن والأربعين وغيره، وإن أمتنعَ بأن يكون المختلفون غير متعادلين، بل متقاربين في الحفظ والعدد فيخرجُ المصنِّفُ الطريق الراجحةَ ويعرضُ عن الطريق المرجوحة، أو يشير إليها كما في الحديث السابع عشر، فالتعليلُ بجميع ذلك من أجلِ مجرَّدِ الاختلافِ غيرُ قادحٍ، إذ لا يلزمُ من مجرَّد الاختلاف اضطرابٌ يوجبُ الضعفَ، فينبغي الإعراضُ أيضا عما هذا سبيله والله أعلم .
القسم الثالث منها: ما تفرَّد بعضُ الرواة بزيادة فيه دون مَن هو أكثر عددا أو أضبطَ ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثِّرُ التعليلُ به إلا إن كانتِ الزيادةُ منافيةً، بحيث يتعذرُ الجمع، أمَّا إن كانت الزيادةُ لا منافاةَ فيها بحيث تكون كالحديث المستقلِّ فلا، اللهمَّ إلا إنْ وضحَ بالدلائل القويةِ أنَّ تلك الزيادةَ مدرجةٌ في المتْن من كلامِ بعضِ رواتِه، فما كان من هذا القسم فهو مؤثِّرٌ كما في الحديث الرابع والثلاثين.
القسم الرابع منها: ما تفرد به بعضُ الرواة ممن ضُعِّف من الرواة، وليس في هذا الصحيح من هذا القبيل غيرُ حديثين، وهما السابع والثلاثون والثالث والأربعون كما سيأتي الكلام عليهما، وتبيَّن أنَّ كُلا منهما قد توبع.
القسم الخامس منها: ما حكِمَ فيه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحا ومنه ما لا يؤثر كما سيأتي تفصيله .
القسم السادس منها: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن ، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو الترجيح ،على أن الدارقطني وغيره من كثرة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء متن الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد، فما لم يتعرضوا له من ذلك حديث جابر في قصة الجمل ،وحديثه في وفاء دين أبيه، وحديث رافع بن خديج في المخابرة، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين ،وحديث سهل بن سعد في قصة الواهبة نفسها ،وحديث أنس في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين ،وحديث ابن عباس في قصة السائلة عن نذر أمها وأختها ،وغير ذلك مما سنأتي إن شاء الله تعالى على بيانه عند شرحه في أماكنه. فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصلناها لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر" [1] "
وقال الحافظ ابن حجر أيضًا:"ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان مقتضيًا لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرِّج عنه في الصحيح؛ فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيها ."
هذا إذا خرِّجَ له في الأصول، فأمَّا إن خرَّج له في المتابعات، والشواهد، والتعاليق، فهذا تتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرًا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقًا ،أو في ضبطه لخبر بعينه،لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتةٌ منها ما يقدح،ومنها ما لا يقدح .
وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح، هذا جاز القنطرة؛ يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، قال الشيخ أبو الفتح القشيرى في مختصره [2] : وهكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه، إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما" [3] "
قلت: فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح؛ لأن أسباب الجرح مختلفة ومدارها على خمسة أشياء البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة الحال أو دعوى الانقطاع في السند بأن يدَّعي في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل، فأمَّا جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح ،لأن شرط الصحيح أن يكون راوية معروفًا بالعدالة ،فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول فكأنه نازع المصنِّف في دعواه أنه معروف ،ولا شك أن المدَّعي لمعرفته مقدَّم على من يدَّعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم ،ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا كما سنبينه .
وأمَّا الغلظ فتارة يكثر من الراوي وتارة يقلُّ فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علِم أن المعتمد أصلُ الحديث لا خصوصَ هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادحٌ يوجبُ التوقفَ عن الحكم بصحَّة ما هذا سبيلُه ، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلَّة الغلط كما يقال سيء الحفظ أوله أوهام أوله مناكير وغير ذلك من العبارات فالحكمُ فيه كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثرُ منها عند المصنِّف من الرواية عن أولئك وأمَّا المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة ،فإذا روى الضابطُ والصدوق شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذرُ الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ ،وقد تشتدُّ المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا ،وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير، أمَّا دعوى الانقطاع فمدفوعةٌ عمَّن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكمُ مَن ذكر مِن رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبرَ أحاديثُهم الموجودة عنده بالعنعنة فإن وجد التصريح بالسَّماع فيها اندفع الاعتراضُ وإلا فلا، وأمَّا البدعةُ فالموصوف بها إمَّا أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق، فالمكفَّر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة ،كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة ،والمفسَّق بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنَّة خلافًا ظاهرًا لكنه مستندٌ إلى تأويل ظاهره سائغ ،فقد اختلف أهل السنَّة في قبول حديث مَن هذا سبيله إذا كان معروفًا بالتحرزِ من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة موصوفًا بالديانة أو العبادة، فقيل يقبل مطلقًا ،وقيل يردُّ مطلقًا، والثالث التفصيلُ بين أن يكون داعية لبدعته أو غير داعية، فيقبلُ غير الداعية ،ويردُّ حديث الداعية، وهذا المذهبُ هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من الأئمة، وادَّعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه ، لكن في دعوى ذلك نظر، ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل فبعضهم أطلق ذلك وبعضهم زاده تفصيلًا فقال: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يشيدُ بدعته ويزينها ويحسنها ظاهرًا فلا يقبل ،وإن لم تشتمل فتقبل وطرد بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية ،فقال: إن اشتملت روايته على ما يردُّ بدعته قبل ،وإلا فلا وعلى هذا إذا اشتملت رواية المبتدع سواء كان داعية أم لم يكن على مالا تعلقَ له ببدعته أصلًا هل تقبلُ مطلقًا أو ترد مطلقًا؟ مال أبو الفتح القشيري إلى تفصيل آخر فيه، فقال: إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو إخمادًا لبدعته وإطفاء لناره ،وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالدِّين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحةُ تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنَّة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته، والله أعلم"."
واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبيه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحقٍّ، وكذا عاب جماعةٌ من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط والله الموفق. وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيفُ من ضعَّف بعض الرواة بأمر يكون الحملُ فيه على غيره، أو للتحامل بين الأقران، وأشدُّ من ذلك تضعيفُ من ضعَّف من هو أوثقُ منه أو أعلى قدرًا أو أعرفَ بالحديث فكلُّ هذا لا يعتبرُ به" [4] ."
وقال الخطيب البغدادي:"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا جَرَحَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَرْحَ , يَجِبُ الْكَشْفُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يُوجِبُوا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ , وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدَنَا تَرْكُ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ , إِذَا كَانَ الْجَارِحُ عَالِمًا , وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نَفْسُ مَا دَلَّلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِفْسَارُ الْعَدْلِ عَمَّا بِهِ صَارَ عِنْدَهُ الْمُزَكَّى عَدْلًا , لِأَنَّنَا مَتَى اسْتَفْسَرْنَا الْجَارِحَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا لِسُوءِ الظَّنِّ وَالِاتِّهَامِ لَهُ بِالْجَهْلِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , وَذَلِكَ يَنْقُضُ جُمْلَةَ مَا بَنَيْنَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ , مِنَ الرِّضَا بِهِ , وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ , وَلَا يَجِبُ كَشْفُ مَا بِهِ صَارَ مَجْرُوحًا , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ النَّاسِ فِيمَا بِهِ يَصِيرُ الْمَجْرُوحُ مَجْرُوحًا , كَمَا لَا يَجِبُ كَشْفُ ذَلِكَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُقُوقِ , وَإِنِ اخْتَلَفَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَارِحُ عَامِّيًّا , وَجَبَ لَا مَحَالَةَ اسْتِفْسَارُهُ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا جَرَحَ رَجُلًا فَسُئِلَ عَمَّا جَرَحَهُ بِهِ , فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَبُولُ قَائِمًا , فَقِيلَ لَهُ: وَمَا فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ جَرْحَهُ ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يَقَعُ الرَّشَشُ عَلَيْهِ وَعَلَى ثَوْبِهِ , ثُمَّ يُصَلِّي , فَقِيلَ لَهُ: رَأَيْتَهُ صَلَّي كَذَلِكَ ؟ فَقَالَ: لَا , فَهَذَا وَنَحْوُهُ جَرْحٌ بِالتَّأْوِيلِ ، وَالْعَالِمُ لَا يَجْرَحُ أَحَدًا بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ , فَوَجَبَ بِذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ . سَمِعْتُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ طَاهِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا , وَلَيْسَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: فُلَانٌ ضَعِيفٌ , وَفُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ , مِمَّا يُوجِبُ جَرْحَهُ وَرَدَّ خَبَرِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْسُقُ بِهِ , فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِهِ , لَيُنْظَرَ هَلْ هُوَ فِسْقٌ أَمْ لَا ؟ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ نَجِسٌ , لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا حَتَّى يُبَيِّنَا سَبَبَ النَّجَاسَةِ , فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ , وَفِي نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ فِيهِ , قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَنَا , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ , مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ وَغَيْرِهِمَا , فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدِ احْتَجَّ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الطَّعْنُ فِيهِمْ وَالْجَرْحُ لَهُمْ كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّابِعِينَ , وَكَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ , وَهَكَذَا فَعَلَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِهِ اشْتُهِرَ عَمَّنْ يَنْظُرُ فِي حَالِ الرُّوَاةِ الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ , وَسَلَكَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَ , وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ بَعْدَهُ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا إِذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ وَذُكِرَ مُوجِبُهُ" [5] .
ـــــــــــــــ
(1) - مقدمة الفتح - (ج 1 / ص 345) وص 365 - 366 ط أولى 2001
(2) - هو ابن دقيق العيد في مختصره لكتاب ابن الصلاح في مختصره
(3) - هدى السارى ص 403 وكتابات أعداء الإسلام ومناقشتها - (ج 1 / ص 867)
(4) - هدى السارى ص 403 - 404 وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 152) فما بعدها
(5) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ - بَابُ الْقَوْلِ فِي الْجَرْحِ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ أَمْ لَا ؟