فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 79

المبحثُ الثامنُ

التقربُ إلى الله تعالى بالفرائض

المطلب الأول

معناه العام

وقوله: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ،) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [1] :"يَجُوزُ فِي"أَحَبّ"الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ جَمِيعُ فَرَائِضِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ ، وَظَاهِرُهُ الِاخْتِصَاصُ بِمَا اِبْتَدَأَ اللَّه فَرْضِيَّتَهُ ، وَفِي دُخُول مَا أَوْجَبَهُ الْمُكَلَّف عَلَى نَفْسِهِ نَظَرٌ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ ، إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى الْأَعَمِّ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَدَاء الْفَرَائِض أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّه . قَالَ الطُّوفِيُّ: الْأَمْرُ بِالْفَرَائِضِ جَازِمٌ وَيَقَعُ بِتَرْكِهَا الْمُعَاقَبَةُ بِخِلَافِ النَّفْلِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ اِشْتَرَكَ مَعَ الْفَرَائِضِ فِي تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَكَانَتْ الْفَرَائِضُ أَكْمَلَ ، فَلِهَذَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَشَدَّ تَقْرِيبًا ، وَأَيْضًا فَالْفَرْضُ كَالْأَصْلِ وَالْأُسِّ وَالنَّفْلُ كَالْفَرْعِ وَالْبِنَاءِ ، وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ اِمْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاحْتِرَامُ الْآمِرِ وَتَعْظِيمُهُ بِالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ وَإِظْهَارُ عَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ فَكَانَ التَّقَرُّبُ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الْعَمَلِ ، وَاَلَّذِي يُؤَدِّي الْفَرَائِض قَدْ يَفْعَلهُ خَوْفًا مِنَ الْعُقُوبَةِ وَمُؤَدِّي النَّفْلِ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا إِيثَارًا لِلْخِدْمَةِ فَيُجَازَى بِالْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ مَطْلُوبِ مَنْ يَتَقَرَّبُ بِخِدْمَتِهِ ."

وقال ابن عثمين رحمه الله [2] :"يعني أن الله يقول ما تقرب إلي الإنسان بشيء أحب إلي مما افترضته عليه يعني أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل فالصلوات الخمس مثلا أحب إلى الله من قيام الليل وأحب إلى الله من النوافل وصيام رمضان أحب إلى الله من صيام الإثنين والخميس والأيام الست من شوال وما أشبهها كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل، ووجه ذلك أن الفرائض وكدها الله عز وجل فألزم بها العباد وهذا دليل على شدة محبته لها عز وجل فلما كان يحبها شديدا ألزم بها العباد، أما النوافل فالإنسان حر إن شاء تنفل وزاد خيرا وإن شاء لم يتنفل، لكن الفرائض أحب إلى الله وأوكد والغريب أن الشيطان يأتي الناس فتجدهم في النوافل يحسنونها تماما تجده مثلا في صلاة الليل يخشع ولا يتحرك ولا يذهب قلبه يمينا ولا شمالا لكن إذا جاءت الفرائض فالحركة كثيرة والوساوس كثيرة والهواجس بعيدة وهذا من تزيين الشيطان فإذا كنت تزين النافلة ،فالفريضة أحق بالتزين فأحسن الفريضة لأنها أحب إلى الله عز وجل من النوافل .اهـ"

وقال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر [3] :"في هذه الجملة وما بعدها بيان أنَّ ولاية الله إنَّما تحصلُ بالتقرُّب إليه بأداء الفرائض، والإتيان مع ذلك بالنوافل، وهو يدلٌُّ على أنَّ التقرُّبَ بأداء الفرائض أحبُّ إلى الله من النوافل؛ لأنَّ في ذلك فعل ما أوجب الله وترك ما حرَّم الله، والآتي بالواجبات التارك للمحرَّمات هو المقتصد، ومَن أتى بها وأتى بالنوافل معها فهو السابق بالخيرات.اهـ"

وفي فيض الباري [4] :"وأمَّا ما ذكروه في القرب بالفرائض، فلا لفظَ له في الحديث، إلاَّ أنَّهم أخذوه بالمقابلة. والذي تبيَّن لي أن القربَ في الفرائض أَزْيَدُ وأكملُ، فإنه يَجْلِبُ المحبوبيةَ له تعالى من أوَّل الأمر. بخلاف القُرْب في النوافل، فإنها تَجْلِبُ المحبوبيةَ تدريجًا، وإن كانت ثمرتُها في الانتهاء أيضًا هي المحبوبيةُ. ولكن ما يَحْصُلُ من النوافل آخرًا يَحْصُلُ من الفرائضِ أوَّلًا، فأنَّى يستويان وإليه تُرْشِدُ ألفاظُ الحديث، فإنَّه قال في الفرائض: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أَحَبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه» ، فجعل مفروضَه أحبَّ إليه من أوَّل الأمر، وجعل ثمرتَه القربَ. بخلاف النوافل، فإنَّ القُرْبَ منها تدريجيٌّ، يتدرَّجُ العبدُ إليه شيئًا فشيئًا. وبالجملةِ أنَّهما في النتيجة سواء، وهي المحبوبيةُ، غير أنَّها تْحْصُلُ بالفرائض أوَّلًا، وبالنوافل ثانيًا."

ـــــــــــــــ

(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 342)

(2) - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 1 / ص 415)

(3) - فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين - (ج 1 / ص 128)

(4) - فيض الباري شرح صحيح البخاري - (ج 6 / ص 192)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت