فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 79

المبحثُ التاسعُ

التقربُ إلى الله تعالى بالنوافلِ

قوله: )َمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ..)

النوافل هي الإتيان بالأعمال الصالحة زيادة على الفرائض، وفعلها مع الاستمرار عليها يجلب محبَّة الله عزَّ وجلَّ، وإذا حصلت له المحبَّة ظفر بتسديد الله في تصرفاته، فلا يسمع إلاَّ ما هو حق، ولا يرى إلاَّ ما هو حق، ولا ينال إلاَّ ما هو حق، ولا يَمشي إلاَّ إلى ما هو حق، وأكرمه الله بإجابة دعوته إذا دعاه، وإعاذته مِمَّا استعاذه منه. [1]

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله [2] :"قَوْله ( وَمَا زَالَ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ"وَمَا يَزَالُ"بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ ."

قَوْله ( يَتَقَرَّب إِلَيَّ ) التَّقَرُّب طَلَبُ الْقُرْبِ ، قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ: قُرْبُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ يَقَعُ أَوَّلًا بِإِيمَانِهِ ، ثُمَّ بِإِحْسَانِهِ . وَقُرْبُ الرَّبِّ مِنْ عَبْدِهِ مَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِرْفَانِهِ ، وَفِي الْآخِرَة مِنْ رِضْوَانه ، وَفِيمَا بَيْن ذَلِكَ مِنْ وُجُوه لُطْفه وَامْتِنَانه . وَلَا يَتِمُّ قُرْبُ الْعَبْدِ مِنْ الْحَقِّ إِلَّا بِبَعْدِهِ مِنْ الْخَلْقِ . قَالَ: وَقُرْب الرَّبّ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَامٌّ لِلنَّاسِ ، وَبِاللُّطْفِ وَالنُّصْرَةِ خَاصٌّ بِالْخَوَاصِّ ، وَبِالتَّأْنِيسِ خَاصٌّ بِالْأَوْلِيَاءِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ"يَتَحَبَّبُ إِلَىَّ"بَدَلَ"يَتَقَرَّبُ"وَكَذَا فِي حَدِيث مَيْمُونَةَ .

قَوْله ( بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْته ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ"أُحِبَّهُ"ظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ تَقَعُ بِمُلَازَمَةِ الْعَبْدِ التَّقَرُّبَ بِالنَّوَافِلِ .

وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ بِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ الْفَرَائِضَ أَحَبُّ الْعِبَادَاتِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ فَكَيْفَ لَا تُنْتِجُ الْمَحَبَّةَ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا كَانَتْ حَاوِيَةً لِلْفَرَائِضِ مُشْتَمِلَةً عَلَيْهَا وَمُكَمِّلَةً لَهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ"اِبْن آدَم . إِنَّك لَنْ تُدْرِكَ مَا عِنْدِي إِلَّا بِأَدَاءِ مَا اِفْتَرَضْت عَلَيْك"وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ إِذَا أَدَّى الْفَرَائِض وَدَامَ عَلَى إِتْيَان النَّوَافِل مِنْ صَلَاة وَصِيَام وَغَيْرهمَا أَفْضَى بِهِ ذَلِكَ إِلَى مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى .

وَقَالَ اِبْن هُبَيْرَة: يُؤْخَذ مِنْ قَوْله"مَا تَقْرَب إِلَخْ"أَنَّ النَّافِلَة لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْفَرِيضَة ، لِأَنَّ النَّافِلَة إِنَّمَا سُمِّيَتْ نَافِلَةً لِأَنَّهَا تَأْتِي زَائِدَةً عَلَى الْفَرِيضَةِ ، فَمَا لَمْ تُؤَدَّ الْفَرِيضَةُ لَا تَحْصُلُ النَّافِلَةُ ، وَمَنْ أَدَّى الْفَرْضَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ النَّفْل وَأَدَامَ ذَلِكَ تَحَقَّقَتْ مِنْهُ إِرَادَةُ التَّقَرُّبِ اِنْتَهَى . وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ التَّقَرُّبَ يَكُون غَالِبًا بِغَيْرِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُتَقَرِّب، كَالْهَدِيَّةِ وَالتُّحْفَة بِخِلَافِ مَنْ يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ .

وَأَيْضًا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَة مَا شُرِعَتْ لَهُ النَّوَافِل جَبْرُ الْفَرَائِضَ كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِى جَلِيسًا صَالِحًا. قَالَ فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِى هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ إِنِّى سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِى جَلِيسًا صَالِحًا فَحَدِّثْنِى بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِى بِهِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَىْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِى مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ » [3] .

فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّقَرُّب بِالنَّوَافِلِ أَنْ تَقَع مِمَّنْ أَدَّى الْفَرَائِضَ لَا مَنْ أَخَلَّ بِهَا كَمَا قَالَ بَعْض الْأَكَابِرِ: مَنْ شَغَلَهُ الْفَرْضُ عَنِ النَّفْلِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَمَنْ شَغَلَهُ النَّفْلُ عَنِ الْفَرْضِ فَهُوَ مَغْرُورٌ .""

وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ ، وَسُئِلَ مَا عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: مَا الَّذِي كَشَفَ لَكَ عَنْ طَلَبِ عِلْمِ هَذَا ؟ فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فَعَلِمْتُ أَنَّ عَلَامَةَ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلَّهِ اتِّبَاعُ رَسُولِهِ , ثُمَّ قَالَ: يحْبِبْكُمُ اللَّهُ فَمَا عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ؟ فَقَالَ:"لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ غَابَ عَنْ أَكْثَرِ الْقُلُوبِ ، إِنَّ عَلَامَةَ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ سِيَاسَةَ هُمُومِهِ فَيَكُونُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ هُوَ الْمُخْتَارَ لَهَا فَفِي الْهُمُومِ الَّتِي لَا تَعْتَرِضُ عَلَيْهَا حَوَادِثُ الْقَوَاطِعِ وَلَا تُشِيرَ إِلَى التَّوَقُّفِ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لَهَا فَأَخْلَاقُهُ عَلَى السَّمَاحَةِ وَجَوَارِحُهُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ يَصْرُخُ بِهِ وَيَحُثُّهُ بِالتَّهَدُّدِ وَالزَّجْرِ فَقَالَ السَّائِلُ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَاكَ ؟ فَقَالَ: خَبَرُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا جَعَلَ لَهُ وَاعِظًا مِنْ نَفْسِهِ وَزَاجِرًا مِنْ قَلْبِهِ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ"فَقَالَ السَّائِلُ: زِدْنِي مِنْ عَلَامَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ، قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ بِمُسَارَعَةٍ مِنَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَاكَ كَثْرَةُ النَّوَافِلِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:"مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ"فَقَالَ السَّائِلُ: رَحِمَكَ اللَّهُ صِفْ لِي مِنْ عَلَامَاتِ وُجُودِ قَلْبِهِ ، قَالَ: مَحْبُوسَةٌ يَا فَتَى فِي سِرِّ الْمُلَاطَفَةِ مَخْصُوصَةٌ بِعِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ مُقَلَّبَةٌ بِتَنَعُّمِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ الْغَيْبِ وَحِجَابِ الْعِزِّ وَرِفْعَةِ الْمَنَعَةِ فَهِيَ الْقُلُوبُ الَّتِي أُسْرَتْ أَوْهَامُهَا بَعَجَبِ نَفَاذِ إِتْقَانِ الصُّنْعِ فَعِنْدَهَا تَصَاعَدَتِ الْمُنَى وَتَوَاتَرَتْ عَلَى جَوَارِحِهَا فَوَائِدُ الْغِنَى فَانْقَطَعَتِ النُّفُوسُ عَنْ كُلِّ مَيْلٍ إِلَى رَاحَةٍ وَانْزَعَجَتِ الْهُمُومُ وَفَرَّتْ مِنَ الرَّفَاهَةِ فَنَعِمَتْ بِسَرَائِرِ الْهِدَايَةِ وَعَلِمَتْ طُرُقَ الْوَلَايَةِ وَغُذِّيَتْ مِنْ لَطِيفِ الْكِفَايَةِ وَأُرْسِلَتْ فِي رَوْضَةِ الْبَصِيرَةِ ، وَأَحَلَّتِ الْقُلُوبَ مَحَلًّا نَظَرَتْ فِيهِ بِلَا عِيَانٍ وَجَالَتْ بِلَا مُشَاهَدَةٍ وَخُوطِبَتْ بِلَا مُشَافَهَةٍ ، فَهَذَا يَا فَتَى صِفَةُ أَهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْحَيَاءِ وَالرِّضَا وَالتَّوَكُّلِ ، فَهُمُ الْأَبْرَارُ مِنَ الْعُمَّالِ وَهُمُ الزُّهَّادُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَهُمُ الْحُكَمَاءُ مِنَ النُّجَبَاءِ وَهُمُ الْمُسَارِعُونَ مِنَ الْأَبْرَارِ وَهُمْ دُعَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ أَصْحَابُ صَفَاءِ التَّذْكَارِ ، وَأَصْحَابُ الْفِكْرِ وَالِاعْتِبَارِ وَأَصْحَابُ الْمِحَنِ وَالِاخْتِبَارِ ، هُمْ قَوْمٌ أُسْعَدَهُمُ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ وَحَفِظَهُمْ بِرِعَايَتِهِ وَتَوَلَّاهُمْ بِسِيَاسَتِهِ فَلَمْ تَشْتَدَّ لَهُمْ هِمَّةٌ وَلَمْ تَسْقُطْ لَهُمْ إِرَادَةٌ ، هُمُومُهُمْ فِي الْجَدِّ وَالطَّلَبِ ، وَأَرْوَاحُهُمْ فِي النَّجَاةِ وَالْهَرَبِ يَسْتَقِلُّونَ الْكَثِيرَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَيَسْتَكْثِرُونَ الْقَلِيلَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، إِنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ شَكَرُوا وَإِنْ مُنِعُوا صَبَرُوا يَكَادُ يَهِيجُ مِنْهُمْ صُرَاخٌ إِلَى مَوَاطِنِ الْخَلَوَاتِ وَمَعَابِرِ الْعِبَرِ وَالْآيَاتِ ، فَالْحَسَرَاتُ فِي قُلُوبِهِمْ تَتَرَدَّدُ وَخَوْفُ الْفِرَاقِ فِي قُلُوبِهِمْ يَتَوَقَّدُ نَعَمْ يَا فَتَى ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَذَاقَهُمُ اللَّهُ طَعْمَ مَحَبَّتِهِ وَنَعَّمَهُمْ بِدَوَامِ الْعُذُوبَةِ فِي مُنَاجَاتِهِ فَقَطَعَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَجَانَبُوا اللَّذَّاتِ وَدَامُوا فِي خِدْمَةِ مَنْ لَهُ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ فَقَدِ اعْتَقَدُوا الرِّضَا قَبْلَ وُقُوعِ الْبَلَا ، وَمُنْقَطِعِينَ عَنْ إِشَارَةِ النُّفُوسِ مُنْكِرِينَ لِلْجَهْلِ الْمَأْسُوسِ طَابَ عَيْشُهُمْ وَدَامَ نَعِيمُهُمْ فَعَيْشُهُمْ سُلَيْمٌ وَغِنَاهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ مُقِيمٌ كَأَنَّهُمْ نَظَرُوا بِأَبْصَارِ الْقُلُوبِ إِلَى حُجُبِ الْغُيوبِ فَقَطَعُوا وَكَانَ اللَّهُ الْمُنَى وَالْمَطْلُوبَ ، دَعَاهُمْ إِلَيْهِ فَأَجَابُوهُ بِالْحَثِّ وَالْجِدِّ وَدَوَامِ السَّيْرِ فَلَمْ تَقُمْ لَهُمْ أَشْغَالٌ إِذِ اسْتَبْقَوْا دَعْوَةَ الْجَبَّارِ فَعِنْدَهَا يَا فَتَى غَابَتْ عَنْ قُلُوبِهِمْ أَسْبَابُ الْفِتْنَةِ بِدَوَاهِيهَا وَظَهَرَتْ أَسْبَابُ الْمَعْرِفَةِ بِمَا فِيهَا فَصَارَ مَطِيَّتَهُمْ إِلَيْهِ الرَّغْبَةُ وَسَائِقَهُمُ الرَّهْبَةُ وَحَادِيَهِمُ الشَّوْقُ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ فِي رِقِّ عُبُودِيَّتِهِ فَلَيْسَ تَلْحَقُهُمْ فَتْرَةٌ فِي نِيَّةٍ وَلَا وَهَنٌ فِي عَزْمٍ وَلَا ضِعْفٌ فِي حَزْمٍ وَلَا تَأْوِيلٌ فِي رُخْصَةٍ وَلَا مِيلٌ إِلَى دَوَاعِي غِرَّةٍ ، قَالَ السَّائِلُ: أَرَى هَذَا مُرَادًا بِالْمَحَبَّةِ . قَالَ: نَعَمْ يَا فَتَى ، هَذِهِ صِفَةُ الْمُرِادِينَ بِالْمَحَبَّةِ ، فَقَالَ: كَيْفَ الْمِحَنُ عَلَى هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ: سَهْلَةٌ فِي عَلَمِهَا صَعْبَةٌ فِي اخْتِيَارِهَا فَمَنَحَهُمْ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ إِيمَانِهِمْ ، قَالَ: فَمَنْ أَشَدَّهُمْ مِحَنًا ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ مَعْرِفَةً وَأَقْوَاهُمْ يَقِينًا وَأَكْمَلُهُمْ إِيمَانًا ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ:"أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ" [4] "

فأولياء الله هُمُ الذين يتقرَّبون إليه بما يقرِّبهم منه ، وأعداؤه الذين أبعدهم عنه بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم منه ، فقسم أولياءه المقربين إلى قسمين:

أحدهما: من تقرَّب إليه بأداء الفرائض ، ويشمل ذلك فعل الواجبات ، وتركَ المحرَّمات ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه من فرائضِ اللهِ التي افترضها على عباده .

والثاني: من تقرَّب إليه بعدَ الفرائضِ بالنوافل ، فظهر بذلك أنَّه لا طريق يُوصِلُ إلى التقرُّب إلى الله تعالى ، وولايته ، ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسوله ، فمنِ ادَّعى ولايةَ الله ، والتقرُّب إليه ، ومحبَّته بغير هذه الطريق ، تبيَّن أنَّه كاذبٌ في دعواه ، كما كان المشركون يتقرَّبُون إلى الله تعالى بعبادة من يعبدونَه مِنْ دُونِه ، كما حكى الله عنهم أنَّهم قالوا: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} (3) سورة الزمر، وكما حكى عن اليهود والنَّصارى أنَّهم قالوا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (18) سورة المائدة،مع إصرارهم على تكذيبِ رُسله ، وارتكاب نواهيه ، وترك فرائضه ،فلذلك ذكرَ في هذا الحديث أنَّ أولياء الله على درجتين:

أحدهما: المتقرِّبُون إليه بأداءِ الفرائض ، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين ، وأداء الفرائض أفضلُ الأعمال كما قال عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه -: أفضلُ الأعمال أداءُ ما افترضَ اللهُ ، والوَرَعُ عمّا حرَّم الله ، وصِدقُ النيّة فيما عند الله - عز وجل - [5] .

وعنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْطُبُ بِخُنَاصِرَة فَسَمِعْته يَقُولُ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ. [6] ، وذلك لأنَّ الله - عز وجل - إنَّما افترض على عباده هذه الفرائض لِيُقربهم منه ، ويُوجِبَ لهم رضوانه ورحمته .

وأعظمُ فرائضِ البدن التي تُقرِّب إليه: الصلاةُ ، كما قال تعالى: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ*} (19) سورة العلق ، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ » [7] .

و عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ » [8] ..

و عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ يُحَدِّثُنَا فِى مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يَزَالُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ » . [9] .

ومنَ الفرائض المقرّبة إلى الله تعالى: عدلُ الرَّاعي في رعيَّته ، سواءٌ كانت رعيَّتُه عامّةً كالحاكم ، أو خاصةً كعدلِ آحاد النَّاس في أهله وولده ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » . [10] .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِى حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا » [11] ..

وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ » [12] . .

الدرجة الثانية: درجةُ السابقين المقرَّبين ، وهُمُ الذين تقرَّبوا إلى الله بعدَ الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات ، والانكفافِ عن دقائقِ المكروهات بالوَرعِ ، وذلك يُوجبُ للعبدِ محبَّة اللهِ ، كما قال: (( ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافِلِ حتّى أُحبَّه ) )، فمن أحبه الله ، رزقه محبَّته وطاعته والاشتغالَ بذكره وخدمته ، فأوجبَ له ذلك القرب منه ، والزُّلفى لديه ، والحظْوة عنده ، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (54) سورة المائدة ، ففي هذه الآية إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أعرض عن حبنا ، وتولى عن قربنا ، لم نبال ، واستبدلنا به من هو أولى بهذه المنحة منه وأحقُّ ، فمنْ أعرضَ عنِ الله ، فما له مِنَ الله بَدَلٌ ، ولله منه أبدال .

ما لي شُغل سِواه ما لي شُغلُ ما يَصرِفُ عن هواه قلبي عذلُ

ما أصنعُ إنْ جفا وخابَ الأملُ مِنِّي بدل ومنه ما لي بدلُ

و وَفِي الْأَثَر يَقُول اللَّه تَعَالَى"يَا اِبْن آدَم اُطْلُبْنِي تَجِدْنِي فَإِنْ وَجَدْتنِي وَجَدْت كُلّ شَيْء وَإِنْ فُتُّك فَاتَك كُلّ شَيْء وَأَنَا أَحَبّ إِلَيْك مِنْ كُلّ شَيْء" [13] .

وكان ذو النون يردّد هذه الأبيات بالليل كثيرًا [14] :

اطلبوا لأنفسكم مثل ما وَجَدْتُ أنا

قد وجدت لي سكَنًا ليس في هواه عَنَا

إنْ بَعَدْتُ قرَّبَنِي أو قَرُبْتُ مِنه دَنا

من فاته اللهُ ، فلو حصلتْ له الجنةُ بحذافيرها ، لكان مغبونًا ، فكيف إذا لم يحصل له إلاَّ نزرٌ يسيرٌ حقيرٌ من دارٍ كلها لا تَعدِلُ جَناحَ بعوضةٍ:

مَنْ فَاتَهُ أَنْ يَراكَ يَومًا فَكُلُّ أوقاتِهِ فَواتُ

وحَيثُما كنتُ من بِلادٍ فَلِي إلى وَجْهِكَ التِفَاتُ

ثم ذكر أوصاف الذين يُحبهم الله ويُحبُّونه ، فقال: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } (المائدة: 54) ، يعني أنَّهم يعامِلون المؤمنين بالذِّلَّة واللِّين وخفض الجناح ، { أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } (المائدة: 54) ، يعني أنَّهم يعاملون الكافرين بالعزَّة والشدَّة عليهم ، والإغلاظ لهم ، فلما أحبُّوا الله ، أحبُّوا أولياءه الذين يُحبونه ، فعاملوهُم بالمحبَّة ، والرَّأفة ، والرحمة ، وأبغضوا أعداءه الذين يُعادونه ، فعاملُوهم بالشِّدَّة والغِلظة ، كما قال تعالى: { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } (الفتح: 29) ، { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } (المائدة: 54) ، فإنَّ من تمام المحبة مجاهدةَ أعداءِ المحبوب ، وأيضًا ، فالجهادُ في سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله إلى الرجوع إليه بالسَّيفِ والسِّنان بعد دعائهم إليه بالحجَّةِ والبرهانِ ، فالمحبُّ لله يحبُّ اجتلابَ الخلق كلِّهم إلى بابه ؛ فمن لم يُجبِ الدعوةَ باللين والرِّفق ، احتاج إلى الدعوة بالشدّة والعنف ،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِى السَّلاَسِلِ » [15] . .

(1) - فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين - (ج 1 / ص 115)

(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 342) (6021 )

(3) - سنن الترمذى (415 ) وهو صحيح

(4) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (15017 )

(5) - لم أجده

(6) - أخرجه: عبد الله في زوائده على"الزهد" ( 1711 ) ، والدينوري في"المجالسة" ( 2586 ) و مصنف ابن أبي شيبة (235) - (ج 13 / ص 463) (36228 ) وهو حسن

(7) - صحيح مسلم (1111 )

(8) - البخاري 1/112 ( 405 ) و مسلم (1156 ) =يدرأ: يدفع

(9) - سنن أبى داود (910 ) والترمذي (3102) مطولا وهو صحيح

وفي شرح سنن النسائي - (ج 2 / ص 331) : قَوْله ( مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْد ) بِالْإِحْسَانِ وَالْغُفْرَان وَالْعَفْو لَا يَقْطَع عَنْهُ ذَلِكَ ( مَا لَمْ يَلْتَفِت) مَا لَمْ يَتَعَمَّد الِالْتِفَاتَ إِلَى مَا لَا يَتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ ( فَإِذَا صَرَفَ وَجْهه ) بِالِالْتِفَاتِ إِلَى مَا لَا يَتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ اِنْصَرَفَ عَنْهُ بِقَطْعِ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

(10) - البخاري 2/6 ( 893 ) و مسلم (4828 )

(11) - صحيح مسلم (4825 )

(12) - سنن الترمذى ( 1379 ) صحيح لغيره

(13) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 198)

(14) - أبو نعيم في"الحلية"9/344 وصفة الصفوة - (ج 1 / ص 496)

(15) - صحيح البخارى (3010 ) و أحمد 2/302 و406 وأبو داود ( 2677 ) ، وابن حبان ( 134 )

وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 9 / ص 220) :قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُسِرُوا وَقُيِّدُوا ، فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّة الْإِسْلَام دَخَلُوا طَوْعًا فَدَخَلُوا الْجَنَّة ، فَكَانَ الْإِكْرَاه عَلَى الْأَسْر وَالتَّقْيِيد هُوَ السَّبَب الْأَوَّل ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الْإِكْرَاه التَّسَلْسُل ، وَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي دُخُول الْجَنَّة أَقَامَ الْمُسَبَّب مَقَام السَّبَب . وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالسَّلْسَلَةِ الْجَذْب الَّذِي يَجْذِبهُ الْحَقّ مَنْ خَلْصِ عِبَاده مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى وَمِنْ الْهُبُوط فِي مَهَاوِي الطَّبِيعَة إِلَى الْعُرُوج لِلدَّرَجَاتِ ، لَكِنَّ الْحَدِيث فِي تَفْسِير آل عِمْرَان يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَة . وَنَحْوه مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل رَفَعَهُ"رَأَيْت نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل كَرْهًا . قُلْت: يَا رَسُول اللَّه مَنْ هُمْ ؟ قَالَ قَوْم مِنْ الْعَجَم يَسْبِيهِمْ الْمُهَاجِرُونَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَام مُكْرَهِينَ"وَأَمَّا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فَمَنَعَ حَمْله عَلَى حَقِيقَة التَّقْيِيد وَقَالَ: الْمَعْنَى يُقَادُونَ إِلَى الْإِسْلَام مُكْرَهِينَ فَيَكُون ذَلِكَ سَبَب دُخُولهمْ الْجَنَّة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ ثَمَّ سِلْسِلَة . وَقَالَ غَيْره: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمُسْلِمِينَ الْمَأْسُورِينَ عِنْد أَهْل الْكُفْر يَمُوتُونَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُقْتَلُونَ فَيُحْشَرُونَ كَذَلِكَ ، وَعَبَّرَ عَنْ الْحَشْر بِدُخُولِ الْجَنَّة لِثُبُوتِ دُخُولهمْ عَقِبه . وَاللَّه أَعْلَم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت