المبحثُ الحادي عشر
مَنْ همُ الأولياء؟ [1]
"إن الله بينهم بقوله: بينهم بقوله: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [يونس: 62، 63] .."
قال ابن تيمية رحمه الله:"من كان مؤمنًا تقيًا، كان لله وليًا" [2] .
ليست الولاية بالدعوى والتمني، الولاية إنما هي بالإيمان والتقوى، فلو رأينا رجلا يقول: إنه ولي ولكنه غير متق لله تعالى، فقوله مردود عليه.
أمَّا الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين.
-فالرجل الذي أحيا الله تعالى له فرسه، وهو صلة بن أشيم، بعد أن ماتت، حتى وصل إلى أهله، فلما وصل إلى أهله، قال لابنه: ألق السرج عن الفرس، فإنها عرية! فلما ألقى السرج عنها، سقطت ميتة. فهذه كرامة لهذا الرجل إعانة له. [3]
-أما التي لنصرة الإسلام، فمثل الذي جرى للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه في عبور ماء البحر، وكما جرى لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في عبور نهر دجلة، وقصتها مشهورة في التاريخ.
فالكرامة أمر خارق للعادة ،أما ما كان على وفق العادة، فليس بكرامة.
وهذا الأمر إنما يجريه الله على يد ولي، احترازا من أمور السحر والشعوذة، فإنها أمور خارقة للعادة، لكنها تجري على يد غير أولياء الله، بل على يد أعداء الله، فلا تكون هذه كرامة.
وقد كثرت هذه الكرامات التي تدَّعى أنها كراماتٌ في هؤلاء المشعوذين الذين يصدون عن سبيل الله، فالواجبُ الحذر منهم ومن تلاعبهم بعقول الناس وأفكارهم.
فالكرامة ثابتة بالقرآن والسنَّة، والواقع سابقا ولاحقا.
-فمن الكرامات الثابتة بالقرآن والسنة لمن سبق قصة أصحاب الكهف، الذين عاشوا في قوم مشركين، وهم قد آمنوا بالله، وخافوا أن يغلبوا على آمرهم، فخرجوا من القرية مهاجرين إلى الله عز وجل، فيسر الله لهم غارا في جبل، وجه هذا الغار إلى الشمال، فلا تدخل الشمس عليهم فتفسد أبدانهم ولا يحرمون منها، إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوه منه، وبقوا في هذا الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، وهم نائمون، يقلبهم الله ذات اليمن وذات الشمال، في الصيف وفي الشتاء، لم يزعجهم الحر، ولم يؤلمهم البرد، ما جاعوا وما عطشوا وما ملوا من النوم. فهذه كرامة بلا شك، بقوا هكذا حتى بعثهم الله وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا منه.
-ومن ذلك قصة مريم رضي الله عنها، أكرمها الله حيث أجاءها المخاض إلى جذع النخلة، وأمرها الله أن تهز بجذعها لتتساقط عليها رطبا جنيا.
-ومن ذلك قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، كرامة له، ليتبين له قدرة الله تعالى، ويزداد ثباتا في إيمانه.
-أما في السنَّة، فالكرامات كثيرة. [4]
-وأما شهادة الواقع بثبوت الكرامات، فظاهر، يعلم به المرء في عصره، إما بالمشاهدة، وإما بالأخبار الصادقة.
فمذهب أهل السنَّة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء.
وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم، حيث إنهم ينكرون الكرامات، ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات، لاشتبه الساحر بالولي بالنبي، لأن كل واحد منهم يأتي بخارق.
فيقال: لا يمكن الالتباس، لأن الكرامة على يد ولي، والوليُّ لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادعاها، لم يكن وليا. آية النبي تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه، بخلاف الكرامة، فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه.
قال العلماء: كلُّ كرامة لولي، فهي آية للنبي الذي اتبعه، لأن الكرامة شهادة من الله عز وجل أن طريق هذا الولي طريق صحيح.
وعلى هذا، ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ولهذا قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين، إلا ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلها.
-فأورد عليهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يلق في النار فيخرج حيًّا، كما حصل ذلك لإبراهيم .
فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام بجنس هذا الأمر الخارق للعادة، دلَّ ذلك على أن دِّين النبي - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ، لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم .
وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد فلق لموسى !
فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم مما حصل لموسى، وهو المشي على الماء، كما في قصة العلاء بن الحضرمي، حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسى، مشى على أرض يابسة.
وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات ،وأورد عليهم أن من آيات عيسى إحياء الموتى، ولم يقع ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فأجيب بأنه حصل وقع لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه، فأحياه الله تعالى.
وأورد عليهم إبراء الأكمة والأبرص،فأجيب بأنه حصل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد، ندرت عينه حتى صارت على خده، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه. فهذه من أعظم الآيات.
فالآيات التي كانت للأنبياء السابقين كان من جنسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - أولأمته، ومن أراد المزيد من ذلك، فليرجع إلى كتاب"البداية والنهاية في التاريخ"لابن كثير .
ولهذا كانت الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان بين أظهرهم، وأما التابعون، فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييدا لهم وتثبيتا ونصرا للحق الذي هم عليه"."
وقال أبو نعيم:"قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ طَبَقَاتٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ عَلَى تَرْتِيبِ أَيَّامِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ حَسْبَمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَيَسَّرَهُ فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَعَزَمْنَا عَلَى ذِكْرِ طَوَائِفَ مِنْ جَمَاهِيرِ النُّسَّاكِ وَالْعُبَّادِ الْمَذْكُورِينَ بِالْكَدِّ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْجِدِّ فِي التَّشَمُّرِ وَالِاسْتِعْدَادِ ، رَاغِبِينَ عَنِ الِاغْتِرَارِ بِالزَّائِلِ الْفَانِي ، سَابِقِينَ إِلَى السَّامِي النَّامِي ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَإِنَّ مَثَلَهُمْ فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الْمَعَادِنِ وَالْجَوَاهِرِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُ مَقَامَهُمْ وَمَرَاتِبَهُمْ إِلَّا الْمُسْتَنْبِطُونَ وَالْغُوَّاصُ وَالْأَكَابِرُ مِنَ السَّادَّةِ وَالْخَوَاصِّ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْمِدَةَ الدِّينِ وَالْأَسَاسِ . وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ الَّتِي قَدْ عَزَمْنَا عَلَى الشُّرُوعِ فِي ذِكْرِهِمْ فَهُمْ قَوْمٌ أُيِّدُوا بِطَرَفٍ مِنَ الْمَعَارِفِ ، وَكُوشِفُوا بِبَعْضِ طَرَفِ الْمَلَاطِفِ ، فَقَطَعُوا بِهِ الْمَفَاوِزَ وَالْمَخَاوِفَ وَطَيَّبُوا بِبَعْضِ نَوَافِجِ الْأَطَايِبِ وَالْعَوَاطِفِ ، فَسَبِيلُهُمْ فِي النَّاسِ كَالرَّيَاحِينِ وَالْآسِ ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْعَاشَ بَعْضِ الْمُجْتَذِبِينَ وَاخْتِطَافِ بَعْضِ الْمُجْتَلِبِينَ هَطَلَ عَلَى هَذِهِ الطَّبَقَةِ طَشًا مِنْ سَحَائِبِ لُطْفِهِ ، وَأَهَبَّ عَلَيْهِمْ نَسَمَةً مِنْ رِيَاحِ عَطْفِهِ ، فَيُثِيرُ مِنْهُمْ نَسِيمًا مِمَّا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ كَرَامَاتِهِ فَأَيَّدَهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِهِ ، يُهَيِّجُ بِهِمُ الْوَافِدِينَ وَيُنَبِّهُ بِهِمُ الْوَاسِنِينَ لِتَكُونَ طُرُقُ الْحَقِّ فِي كُلِّ الْأَعْصَارِ مَسْلُوكَةً ، وَلِئَلَّا تُوجَدَ الْأَدِلَّةُ وَالْحِجَجُ مَتْرُوكَةً ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَصْفِيَاؤُهُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ وَيَسْعَدُ مَتْبُوعُهُمْ بِصُحْبَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ ، فَذَكَرْنَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْلَامِهِمْ شَاهِدَ أَحْوَالِهِ وَظَاهَرَ أَقْوَالِهِ . وَهُمْ أَخْلَاطٌ مِنَ الْعِبَادِ ، وَعَدَلْنَا عَنْ تَرْتِيبِ أَيَّامِهِمْ وَالْبِلَادِ ، فَمَنِ اشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ ذَكَرْنَا لَهُ حَدِيثًا فَمَا فَوْقَهُ ، وَمَنْ لَمْ تُعْرَفْ لَهُ رِوَايَةٌ اقْتَصَرْنَا مِنْ كَلَامِهِ عَلَى حِكَايَةٍ . وَاللَّهُ خَيْرُ مَعِينٍ وَبِهِ نَسْتَعِينُ" [5]
في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات
والمراد بـ"خوارق العادات": ما يأتي على خلاف العادة الكونية.
وهذه الكرامات لها أربع دلالات:
أولا: بيان كمال قدرة الله عز وجل، حيث حصل هذا الخارق للعادة بأمر الله.
ثانيا: تكذيب القائلين بأن الطبيعة هي التي تفعل، لأنه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل، لكانت الطبيعة على نسق واحد لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة، دل على أن للكون مدبرا وخالقا.
ثالثا: أنها آية للنبي المتبوع كما أسلفنا قريبا.
رابعا: أن فيها تثبيتا وكرامة لهذا الولي.
يعني: أن الكرامة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم آخر يتعلق بالقدرة والتأثيرات .
-أما العلوم، فأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.
-وأما المكاشفات، فأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.
-مثال الأول - العلوم: ما ذكر عن أبي بكر: أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته - الحمل -، أعلمه الله أنه أنثى .
-ومثال الثاني - المكاشفات: ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية ! الجبل! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك؟
كالمأثورعن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة ،فقال: إنه كشف له عن سارية بن زنيم وهو أحد قواده في العراق، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلى الجبل، وقال له: يا سارية ! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلى الجبل، وتحصن به .
هذه من أمور المكاشفات، لأنه أمر واقع، لكنه بعيد.
-أما القدرة والتأثيرات، فمثل ما وقع لمريم من هزها لجذع النخل وتساقط الرطب عليها، ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب، حيث قال لسليمان: { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } .
الكرامات موجودة فيما سبق من الأمم، ومنها قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة ، وموجودة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، كقصة أسيد بن حضير ، وتكثير الطعام عند بعض الصحابة ، وموجودة في التابعين، مثل قصة صلة بن أشيم الذي أحيا الله له فرسه. [6]
الدليل على أنها موجودة إلى يوم القيامة: سمعي وعقلي:
أما السمعي، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر في قصة الدجال فعَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِْ الدَّجَّالِ ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ:"يَأْتِي الدَّجَّالُ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَهُ ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ ، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ" [7] .
فهذه أي: عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب من الكرامات بلا شك.
وأما العقلي، فيقال:ما دام سبب الكرامة هي الولاية، فالولايةُ لا تزال موجودة إلى قيام الساعة . اهـ
طريقةُ أهل السنة والجماعة في حق الأولياء والأئمة [8]
"أئمة هذه الشريعة الإسلامية ولله الحمد أئمة مشهورون أثنت عليهم الأمة وعرفت لهم قدرهم، ولكنها لا تعتقد فيهم العصمة، فليس عند أهل السنة والجماعة أحد معصوم من الخطأ ولا من الإقرار على الخطأ، إلا الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه معصوم من الإقرار على الخطأ، أمَّا غيره مهما بلغت إمامته فإنه ليس معصوما أبدا، كل يخطئ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الذي أمرنا الله تعالى بطاعته على الإطلاق."
فهم يقولون لا شك أن في هذه الأمة أئمة، ولا شك أن فيها أولياء، ولكننا لا نريد بذلك أن نثبت العصمة لأحد من هؤلاء الأئمة، ولا أن نثبت لأحد من الأولياء أنه يعلم الغيب أو يتصرف في الكون، وهم أيضا لا يجعلون الولي من قال عن نفسه: إنه ولي، أو أتى بالدعايات الباطلة لأجل أن يجلب الناس إليه يقولون: إن الولي بينه الله تعالى بقوله: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } ، هؤلاء الأولياء: الذين آمنوا، وكانوا يتقون، فالإيمان: العقيدة، والتقوى: العمل قولا كان أو فعلا، وأخذ شيخ الإسلام من هذه الآية عبارة طيبة وهي قوله:"من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا"، هذا الولي حقيقة، لا الولي الذي يجلب الناس إليه، ويجمع الحاشية ويقول: أنا أفعل، ويستعين بالشياطين على معرفة الخفي، ثم يبهر الناس بما يقول فيقولون: هذا ولي، لا لأن الولاية تكون باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، وبإيمانه وتقواه، فإن كان مؤمنا تقيا فهو ولي.
ولكن هؤلاء الأولياء أيضا لا يلزم في كل وليٍّ أن يجعل الله له كرامة، فما أكثر الأولياء الذين لا كرامة لهم؛ لأن الكرامة في الغالب لا تأتي إلا لنصر حق أو دفع باطل، لا لتثبيت شخص بعينه، فلا يلزم إذن أن يكون لكل ولي كرامة، قد يحيا الولي ويموت وليس له كرامة، وقد يكون له كرامات متعددة، وهذه الكرامات كما قال أهل العلم: كلُّ كرامة لولي فإنها آية للنبي الذي اتبعه، ولا أقول:"معجزة"لأن الأولى أن تسمَّى آية؛ لأن هذا التعبير القرآني والآية أبلغ من المعجزة؛ لأن الآية معناها العلامة على صدق ما جاء به هذا الرسول، والمعجزة قد تكون على يد مشعوذ أو على يد إنسان قوي يفعل ما يعجز عنه غيره، لكن التعبير بـ"الآية"أبلغ وأدق، وهي التعبير القرآني، فنسمَّي المعجزات بالآيات، هذا هو الصواب.
يوجد أناس حسب ما نسمع في هذه الأمة يدَّعون أنهم أولياء، ولكن من تأمل حالهم وجد أنهم بعيدون عن الولاية، وأنه لا حظَّ لهم فيها، لكن لهم شياطين يعينونهم على ما يريدون، فيخدعون بذلك البسطاء من الناس."."
ـــــــــــــــ
(1) - انظر مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 8 / ص 323) فما بعدها و مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 8 / ص 626)
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 2 / ص 224)
(3) - انظر كتاب مجابو الدعوة (41 )
(4) - راجع (كتاب الإنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل) في"صحيح البخاري"، وكتاب"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"لشيخ الإسلام ابن تيمية .
(5) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (8364 )
(6) - انظر كتاب مجابو الدعوة (41 )
(7) - البخاري (7132 )
(8) - مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 5 / ص 144)