المبحثُ الرابع عشر
الجوابُ عن الإشكالات السبعة في هذا الحديث [1]
في هذا الحديث إشكالاتٌ سبعةٌ:
أحدها أن يقالَ كيف يعادي الإنسان الأولياء ،والأولياء قد تركوا الدنيا وانفردوا عن الخلق ،فإن جهل عليهم جاهل حلموا ،والعداوة إنما تكون عن خصومة ؟
والإشكال الثاني قوله: ((فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) ) وكيف يتصور الحرب بين الخالق والمخلوق والمحارب مناظر؟ وهذا المخلوق في أسر قبضة الخالق .
والإشكال الثالث: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) )، والعادةُ قد جرت بأن التقرب يكون بما لا يجبُ؛ كالهدايا إلى الملوك دون أداء الخراج، فإن مؤدي اللازم لا يكاد يحمَدُ وإنما يشكر من فعل ما لا يجب.
والرابعُ أن يقال: إذا كانتِ الفرائضُ أفضلَ القربات فكيفَ أثمرتِ النوافلُ المحبةَ ولم تثمرها الفرائضُ؟ والخامس قوله: ((فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا) ) فما صورة هذا ؟.
والسادس قوله: ((وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ) ) وكم قد رأينا من عابدٍ وصالحٍ يدعو ويبالغ ولا يرى إجابة ؟.
والسابع قوله: ((وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ) ) والترددُ إنما يقعُ إذا أشكلتِ المصلحةُ في العواقبِ وذلك ينشأُ عن ضعفِ التدبيرِ، والحقُّ عز َّوجلَّ منزَّهٌ عن ذلك؟.
والجوابُ:
أمَّا الإشكالُ الأول ،فإنَّ معاداةَ الأولياءِ يقعُ من أربعةِ أوجهٍ:
أحدُها أنْ يعاديهم الإنسانُ عصبيةً لغيرهم ،كما يعادي الرافضيُّ أبا بكرٍ وعمر.
والثاني مخالفةٌ لمذهبهِم ،كما يعادي أهلُ البدعِ أحمدَ بنَ حنبلٍ.
والثالثُ احتقارًا لهم، فيكونُ الفعل ُبهم فعلَ الأعداءِ ،كما كان بعضُ الجهَّالِ يحصبُ أويسًا القرنيَّ. والرابعُ أنه قد يكون بينَ الولي وبينَ الناس معاملاتُ وخصوماتٌ، وليس كلُّ الأولياءِ ينفردونَ في الزوايا فربَّ وليٍّ في السوقِ.
وأمَّا الإشكالُ الثاني فإنَّ الإنسانَ إنما خوطبَ بما يعقلُ، ونهايةُ العداوة الحربُ، ومحاربةُ الله عز وجل للإنسان أنْ يهلكَه ،وتقديرُ الكلام فقد تعرَّضَ لإهلاكي إياهُ.
وأمَّا الإشكالُ الثالثُ: فإنَّ في أداءِ الواجباتِ احترامًا للأمرِ وتعظيمًا للآمرِ، وبذلك الإنقيادُ تظهرُ عظمةُ الربوبيةِ، ويبينُ ذلُّ العُبوديةِ .
وأمَّا الرابعُ، فإنه لمَّا أدَى المؤمنُ جميعَ الواجباتِ ثم زادَ بالتنفُّلِ وقعتِ المحبَّةُ لقصدِ التقرُّبِ، لأنَّ مؤدَّى الفرضِ ربَّما فعلهُ خوفًا منَ العقابِ ،والمتقرِّبُ بالنَّفلِ لا يفعلُهُ إلا إيثارًا للخدمةِ والقربِ، فيثمرُ لهُ ذلك مقصودهُ.
وأمَّا الخامسُ فإنَّ قوله: ((فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا) ) مثَلٌ ولهُ أربعةُ أوجهٍ:
أحدهما كنتُ كسمعِه وبصرهِ في إيثارهِ أمري، فهو يحبُّ طاعتي ،ويؤثر خدمَتي ،كما يحبُّ هذه الجوارحَ.
والثاني أنَّ كليتَهُ مشغولةٌ، فلا يصغي بسمعِه إلَّا إلى ما يرضيني ولا يبصرُ إلا عن أمري.
والثالثُ أنَّ المعنى أني أحصِّلُ لهُ مقاصدُهُ كما ينالهُ بسمعِه وبصرهِ .
والرابعُ كنتُ لهُ في العونِ والنُّصرةِ كبصرهِ ويدهِ اللذَينِ يعاونانِهِ على عدوِّهِ.
وأمَّا السَّادسُ فإنهُ ما سئلَ وليٌّ قطُّ إلا وأجيبَ، إلا أنهُ قدْ تؤخَّرُالإجابةُ لمصلحةٍ، وقد يسألُ ما يظنُّ فيه مصلحةً، ولا يكونُ فيه مصلحةٌ، فيعوَّضُ سواهُ.
وأمَّا السابعُ فجوابُه منْ وجهينِ:
أحدهُما أنْ يكونَ التردُّدُ للملائكةِ الذين يقبضونَ الأرواحَ، فأضافَهُ الحقُّ عزَّ وجلَّ إلى نفسِه لأنَّ ترددَهُم عن أمرهِ كما قالَ تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (64) سورة مريم ،وتردُّدُ الملائكةِ إنما يكونُ لإظهارِ كرامةِ الآدميِّ كما تردَّدَ ملكُ الموتِ إلى آدمَ وإبراهيمَ وموسى ونبيِّنا { - صلى الله عليه وسلم - } .
فأمَّا أنْ يكونَ الترددُ للهِ فمحالٌ في حقِّهِ ،وهذا مذهبُ الخطابيِّ، فإنِ اعتُرِضَ على هذا، فقيل: متَى أُمِرَ الملَكُ بقبضِ الرُّوحِ لم يجزْ لهُ الترددُ، فكيفَ يترددُ؟
فالجوابُ منْ وجهينِ:
أحدهُما أن يكونَ إنما ترددَ فيما لم يجزَمْ لهُ فيه على وقتٍ، كما روي (( أنه لما بعث ملك الموت إلى الخليل قيل له تلطف بعبدي ) ) [2] .
والثاني أن يكون ترددَ رقَّةٍ ولطفٍ بالمؤمنِ، لا أنهُ يؤخرُ القبضَ، فإنه إذا نظرَ إلى قدْرِ المؤمنِ منِ احترمَهُ فلم تنبسطْ يدهُ لقبضِ روحِه ،وإذا ذكرَ أمرَ الإلهِ لم يكنْ لهُ بدٌّ في امتثالهِ .
والثاني أنه خطابٌ لنا بما نعقلُ وقدْ تنزهَ الربُّ عزَّ وجلَّ عن حقيقتهِ ،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِى ، فَإِنْ ذَكَرَنِى فِى نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِى ، وَإِنْ ذَكَرَنِى فِى مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِى مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » . [3] .
فكما أنَّ أحدَنا يترددُ في ضربِ ولدهِ فيأمرهُ التأديبُ بضربهِ وتمنعُه المحبَّةُ، فإذا أخبرَ بالترددِ فهمْنا قوةَ محبتِه لهُ بخلافِ عبدهِ، فإنه لا يترددُ في ضربهِ، فأريدَ تفهيمُنا تحقيقَ المحبَّة للوليِّ بذكرِ الترددِ، ومنَ الجائزِ أنْ يكونَ تركيبُ الوليِّ يحتملُ خمسينَ سنةً ،فيدعو عندَ المرضِ فيعافَى ويقوَى تركيبُه فيعيشُ عشرينَ أخرَى، فتغييرُ التركيبِ والمكتوبِ منَ الأجلِ كالترددِ، وذلك ثمرةُ المحبَّةِ .""
ـــــــــــــــ
(1) - كشف المشكل من حديث الصحيحين - (ج 1 / ص 1007)
(2) - لم أجده
(3) - صحيح البخارى (7405 )
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 35) : هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ، وَيَسْتَحِيل إِرَادَة ظَاهِره ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام فِي أَحَادِيث الصِّفَات مَرَّات ، وَمَعْنَاهُ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبْت إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيق وَالْإِعَانَة ، وَإِنْ زَادَ زِدْت ، فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْته هَرْوَلَة ، أَيْ صَبَبْت عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَسَبَقْته بِهَا ، وَلَمْ أُحْوِجْه إِلَى الْمَشْي الْكَثِير فِي الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود ، وَالْمُرَاد أَنَّ جَزَاءَهُ يَكُون تَضْعِيفه عَلَى حَسَب تَقَرُّبه .