المبحثُ العاشر
ماذا يعطي الله تعالى من تقرب إليه بالفرائض والنوافل ؟
قوله: (فإذا أحببتُه ، كنتُ سمعه الذي يسمع به ، وبصرَه الذي يُبصرُ به ، ويدَه التي يبطش بها ، ورجلَه التي يمشي بها) ، وفي بعض الروايات: (وقلبَه الذي يعقل به ، ولسانه الذي ينطق به) .
قال الكلاباذي:"يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ:"كُنْتُ رِجْلَهُ وَيَدَهُ"، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَيْ: كُنْتُ حَافِظًا لَهُ أَعْصِمُهُ ، وَأَعْصِمُ جَوَارِحَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا فِي نَجَاتِي ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ" [1]
فالمراد بهذا الكلام: أنَّ منِ اجتهدَ بالتقرُّب إلى الله بالفرائضِ ، ثمَّ بالنوافل ، قَرَّبه إليه ، ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان ، فيصيرُ يَعبُدُ الله على الحضورِ والمراقبة كأنه يراه ، فيمتلئُ قلبُه بمعرفة الله تعالى ، ومحبَّته ، وعظمته ، وخوفه ، ومهابته ، وإجلاله ، والأُنس به ، والشَّوقِ إليه ، حتّى يصيرَ هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة كما قيل:
ساكنٌ في القلب يَعْمُرُه لَسْتُ أنساهُ فأَذكُرُه
غَابَ عَنْ سمعي وعن بصري فسُوَيدا القلب تُبصِرُه
قال الفضيلُ بن عياض: إن الله يقول: (( كذَب من ادَّعى محبَّتي ، ونام عنِّي ، أليس كل محبٍّ يُحبّ خلوة حبيبه ؟ ها أنا مطَّلعٌ على أحبابي وقد مثَّلوني بين أعينهم ، وخاطبوني على المشاهدة ، وكلَّموني بحضورٍ ، غدًا أُقِرُّ أعينهم في جناني ) ) [2] .
ولا يزالُ هذا الذي في قلوب المحبين المقرَّبين يقوى حتّى تمتلئ قلوبُهم به ، فلا يبقى في قلوبهم غيرُه ، ولا تستطيع جوارحُهُم أنْ تنبعثَ إلا بموافقة ما في قلوبهم ، ومن كان حالُه هذا ، قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله ، والمراد معرفته ومحبته وذكره ، وفي هذا المعنى الأثر الإسرائيلي المشهور: (( يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي ، ولكن وسعني قلبُ عبدي المؤمن ) ) [3] . وقال بعضُ العارفين: احذروه ، فإنَّه غيورٌ لا يُحبُ أنْ يرى في قلبِ عبده غيرَه ، وفي هذا يقول بعضهم:
ليس للنَّاسِ موضِعٌ في فؤادي زاد فيه هواك حتَّى امتلا
وقال آخر:
قَدْ صِيغَ قلبي على مقدار حبِّهمُ فما لِحبٍّ سواهم فيه مُتَّسعُ
وإلى هذا المعنى أشار النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في خطبته لما قدم المدينة فقال: أَحِبّوا مَا أَحَبّ اللّهُ أَحِبّوا اللّهَ مِنْ كُلّ قُلُوبِكُمْ وَلَا تَمَلّوا كَلَامَ اللّهِ وَذِكْرَهُ وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ فَإِنّهُ مِنْ كُلّ مَا يَخْلُقُ اللّهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي )) [4] فمتى امتلأ القلبُ بعظمةِ الله تعالى ، محا ذلك مِنَ القلب كلَّ ما سواه ، ولم يبقَ للعبد شيءٌ من نفسه وهواه ، ولا إرادة إلاَّ لما يريدهُ منه مولاه ، فحينئذٍ لا ينطِقُ العبدُ إلاّ بذكره ، ولا يتحرَّك إلا بأمره ، فإنْ نطقَ ، نطق بالله ، وإنْ سمِعَ ، سمع به ، وإنْ نظرَ ، نظر به ، وإنْ بطشَ ، بطش به ، فهذا هو المرادُ بقوله: (( كنت سمعه الذي يسمعُ به ، وبصره الذي يُبصرُ به ، ويده التي يبطش بها ، ورجلَه التي يمشي بها ) )، ومن أشار إلى غير هذا ، فإنَّما يُشير إلى الإلحاد مِنَ الحلول ، أو الاتِّحاد ، والله ورسولُه بريئان منه .
وقال الحافظ في الفتح [5] :"وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ كَيْفَ يَكُونُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا سَمْعَ الْعَبْدِ وَبَصَرَهُ إِلَخْ ؟"
وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا- أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيلِ ، وَالْمَعْنَى كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فِي إِيثَارِهِ أَمْرِي فَهُوَ يُحِبُّ طَاعَتِي وَيُؤْثِرُ خِدْمَتِي كَمَا يُحِبّ هَذِهِ الْجَوَارِح .
ثَانِيهَا- أَنَّ الْمَعْنَى كُلِّيَّته مَشْغُولَةٌ بِي، فَلَا يُصْغِي بِسَمْعِهِ إِلَّا إِلَى مَا يُرْضِينِي ، وَلَا يَرَى بِبَصَرِهِ إِلَّا مَا أَمَرْتُهُ بِهِ.
ثَالِثهَا- الْمَعْنَى أُحَصِّلُ لَهُ مَقَاصِدَهُ كَأَنَّهُ يَنَالُهَا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ إِلَخْ .
رَابِعهَا- كُنْت لَهُ فِي النُّصْرَة كَسَمْعِهِ وَبَصَره وَيَده وَرِجْلِهِ فِي الْمُعَاوَنَة عَلَى عَدُوِّهِ .
خَامِسهَا- قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَسَبَقَهُ إِلَى مَعْنَاهُ اِبْن هُبَيْرَة: هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، وَالتَّقْدِيرُ كُنْت حَافِظَ سَمْعِهِ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يَحِلُّ اِسْتِمَاعُهُ ، وَحَافِظَ بَصَرِهِ كَذَلِكَ إِلَخْ.
سَادِسُهَا- قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يَحْتَمِل مَعْنًى آخَرَ أَدَقَّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُون مَعْنَى سَمْعِهِ مَسْمُوعَهُ ، لِأَنَّ الْمَصْدَر قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ مِثْل فُلَانٌ أَمَلِي بِمَعْنَى مَأْمُولِي ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَّا ذِكْرِي وَلَا يَلْتَذُّ إِلَّا بِتِلَاوَةِ كِتَابِي، وَلَا يَأْنَسُ إِلَّا بِمُنَاجَاتِي ،وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا فِي عَجَائِبِ مَلَكُوتِي ،وَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَّا فِيمَا فِيهِ رِضَايَ وَرِجْله كَذَلِكَ ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ اِبْن هُبَيْرَة أَيْضًا .
وَقَالَ الطُّوفِيُّ: اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء مِمَّنْ يُعْتَدّ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ الْعَبْد وَتَأْيِيده وَإِعَانَته ، حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الْآلَاتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا،وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ"فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي".
قَالَ: وَالِاتِّحَادِيَّة زَعَمُوا أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الْحَقَّ عَيْنُ الْعَبْدِ ، وَاحْتَجُّوا بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ ، قَالُوا: فَهُوَ رُوحَانِيٌّ خَلَعَ صُورَتَهُ وَظَهَرَ بِمَظْهَرِ الْبَشَرِ ، قَالُوا:فَاَللَّهُ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَظْهَرَ فِي صُورَةِ الْوُجُودِ الْكُلِّيِّ أَوْ بَعْضِهِ ، تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَمْثَالٌ ،وَالْمَعْنَى تَوْفِيقُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ ، وَتَيْسِير الْمَحَبَّة لَهُ فِيهَا بِأَنْ يَحْفَظ جَوَارِحه عَلَيْهِ ،وَيَعْصِمَهُ عَنْ مُوَاقَعَة مَا يَكْرَه اللَّهُ مِنَ الْإِصْغَاء إِلَى اللَّهْو بِسَمْعِهِ ، وَمِنَ النَّظَر إِلَى مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ بِبَصَرِهِ ، وَمِنَ الْبَطْش فِيمَا لَا يَحِلّ لَهُ بِيَدِهِ ، وَمَنَ السَّعْيِ إِلَى الْبَاطِلِ بِرِجْلِهِ . وَإِلَى هَذَا نَحَا الدَّاوُدِيُّ ، وَمِثْله الْكَلَابَاذِيّ ، وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ أَحْفَظُهُ فَلَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِي مَحَابِّي ، لِأَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ .
سَابِعُهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا: وَقَدْ يَكُون عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ سُرْعَة إِجَابَة الدُّعَاء وَالنُّجْحِ فِي الطَّلَب ، وَذَلِكَ أَنَّ مَسَاعِيَ الْإِنْسَان كُلَّهَا إِنَّمَا تَكُون بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ الْمَذْكُورَةِ .
وَقَالَ بَعْضهمْ: وَهُوَ مُنْتَزَع مِمَّا تَقَدَّمَ لَا يَتَحَرَّك لَهُ جَارِحَةٌ إِلَّا فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ ، فَهِيَ كُلُّهَا تَعْمَلُ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ . وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي"الزُّهْد"عَنْ أَبِي عُثْمَان الْجِيزِيّ أَحَدِ أَئِمَّة الطَّرِيق قَالَ: مَعْنَاهُ كُنْت أَسْرَعَ إِلَى قَضَاء حَوَائِجه مِنْ سَمْعِهِ فِي الْأَسْمَاعِ وَعَيْنِهِ فِي النَّظَرِ وَيَده فِي اللَّمْس وَرِجْله فِي الْمَشْي .
وَحَمَلَهُ بَعْض مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّة عَلَى مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَقَام الْفِنَاء وَالْمَحْو ، وَأَنَّهُ الْغَايَة الَّتِي لَا شَيْء وَرَاءَهَا ، وَهُوَ أَنْ يَكُون قَائِمًا بِإِقَامَةِ اللَّه لَهُ مُحِبًّا بِمَحَبَّتِهِ لَهُ نَاظِرًا بِنَظَرِهِ لَهُ ،مِنْ غَيْر أَنْ تَبْقَى مَعَهُ بَقِيَّةٌ تُنَاطُ بِاسْمٍ أَوْ تَقِفُ عَلَى رَسْمٍ ،أَوْ تَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ أَوْ تُوصَفُ بِوَصْفٍ ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّهُ يَشْهَدُ إِقَامَةَ اللَّهِ لَهُ حَتَّى قَامَ ،وَمَحَبَّته لَهُ حَتَّى أَحَبَّهُ ،وَنَظَرَهُ إِلَى عَبْدِهِ حَتَّى أَقْبَلَ نَاظِرًا إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ .
وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْل الزَّيْغ عَلَى مَا يَدْعُونَهُ مِنْ أَنَّ الْعَبْد إِذَا لَازَمَ الْعِبَادَةَ الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة حَتَّى يُصَفَّى مِنَ الْكُدُورَات أَنَّهُ يَصِير فِي مَعْنَى الْحَقِّ ، تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَفْنَى عَنْ نَفْسه جُمْلَةً حَتَّى يَشْهَد أَنَّ اللَّه هُوَ الذَّاكِر لِنَفْسِهِ الْمُوَحِّد لِنَفْسِهِ الْمُحِبّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَاب وَالرُّسُوم تَصِير عَدَمًا صَرْفًا فِي شُهُوده وَإِنْ لَمْ تُعْدَم فِي الْخَارِج ، وَعَلَى الْأَوْجُهِ كُلّهَا فَلَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِلِاتِّحَادِيَّةِ وَلَا الْقَائِلِينَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَة، لِقَوْلِهِ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث:"وَلَئِنْ سَأَلَنِي ، وَلَئِنْ اِسْتَعَاذَنِي"فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ."اهـ"
وقال العلامة محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله [6] :
"قوله: (كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ) ومرَّ عليه الذهبيُّ في «الميزان» ، وقال: لولا هيبةُ الجامع لقلتُ فيه: سبحان الله. وكان الذهبيُّ لم يتعلَّم علمَ المنطق."
قلتُ: إذا صَحَّ الحديثُ، فَلْيَضَعْهُ على الرأس والعين، وإذا تعالى شيءٌ منه عن الفهم، فَلْيَكِلْهُ إلى أصحابه، وليس سبيلُه أنْ يُجَرِّحَ فيه.
أمَّا علماءُ الشريعة فقالوا: معناه أنَّ جوارحَ العبد تصيرُ تابعةً للمرضاة الإِلهية، حتَّى لا تتحرَّك إلاَّ على ما يرضى به ربُّه. فإذا كانت غايةُ سمعِه وبصرِه وجوارحِه كلِّها هو اللَّهُ سبحانه، فحينئذٍ صَحَّ أن يقالَ: إنه لا يَسْمَعُ إلاَّ له، ولا يتكلَّمُ إلاَّ له، فكأنَّ اللَّهَ سبحانه صار سمعَه وبصرَه.
قلتُ: وهذا عدولٌ عن حقِّ الألفاظ، لأنَّ قولَه: «كنتُ سمعَه» ، بصيغة المتكلِّم، يَدُلُّ على أنَّه لم يبق من المتقرِّب بالنوافل إلاَّ جسدُه وشبحُه، وصار المتصرِّفُ فيه الحضرةَ الإِلهيةَ فحسب، وهو الذي عناه الصوفية بالفناء في الله، أي الانسلاخ عن دواعي نفسه، حتى لا يكونَ المتصرِّفُ فيه إلاَّ هو. وفي الحديث لمعةٌ إلى وَحْدَةِ الوجود. وكان مشايخُنا مولعين بتلك المسألة إلى زمن الشاه عبد العزيز. أمَّا أنا، فلستُ بمتشدِّدٍ فيها:
*ومن عَجَبٍ أنَّى أَحِنُّ إليهم وأسألُ عنهم دائمًا، وهم معي
*وتبكيهم عيني، وهم في سوادِها، ** وتَشْتَاقُهم روحي، وهم بين أَضْلُعي
وفي شرح الأربعين النووية [7] :
"هذه علامة ولاية الله، لمن لم يكن قد أحبه، ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع له بسماعه ،ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره ولا يمد يده إلى شيء ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه، ولا يسعى برجله إلا فيما أذن الشرع في السعي إليه، فهذا هو الأصل إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك، فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله غير أهل الذكر توصلًا إلى أن يسمع لهم، وكذلك في المبصرات والمتناولات والمسعى إليه، وتلك صفة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها."
وقال الشيخ عطية سالم رحمه الله [8] :
"هل الله سبحانه وتعالى سيحل في الإنسان، ويكون عينه وسمعه وبصره ويده ورجله؟!"
حاشا لله! لكن المعنى: أنه لا يسمع إلا ما يرضيني، فلا يتصنت إلى ما لا يجوز له، ولا يستمع إلى ما حرم الله، ولا يشارك في غيبة ولا نميمة، وبصره لا ينظر به إلى الحرام، بل ينظر نظرة اعتبار وتأمل في خلق الله: { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا } [آل عمران:191] ، فإذا عرض له محرم غض بصره، وكذلك يده لا تمتد إلى ما حرم الله، ولكن تعمل وتسعى فيما هو لله، وكذلك محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين أو وأنا أول المسلمين، إن قال: أول المسلمين فلا بأس تبعًا للنص، وإن قال من المسلمين على العموم فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.""
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله [9] :
"يعني أنه يكون مسددا له في هذه الأعضاء الأربعة في السمع: يسدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يرضي الله وما فيه الخير والصلاة ،ويعرض عما يغضب الله فلا يستمع إليه ،ويكون ممن إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ،وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ،كذلك أيضا بصره: فلا ينظر إلا ما يحب الله النظر إليه ولا ينظر إلى المحرم ولا ينظر نظرا محرما، ويده فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله ،لأن الله يسدده، وكذلك رجله فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله، فلا يسعى إلا ما فيه الخير ،وهذا معنى قوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، أي أنه تعالى يسدد عبده هذا في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، فإذا كان الله سبحانه وتعالى مسددا له في هذه الأشياء كان موفقا مغتنما لأوقاته منتهزا لفرصه ،وليس المعنى أن الله يكون نفس السمع ونفس البصر ونفس اليد ونفس الرجل ـ حاش لله ـ فهذا محال فإن هذه أعضاء وأبعاد لشخص مخلوق لا يمكن أن تكون هي الخالق ،ولأن الله تعالى أثبت في هذا الحديث في قوله ،ولئن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه فأثبت سائلا ومسئولا وعائذا ومعوذا به وهذا غير هذا"
وقال ابن رجبٍ رحمه الله:"ومن هنا كان بعضُ السَّلف كسليمان التيمي يرون أنّه لا يحسن أن يعصي الله . ووصَّتِ امرأةٌ مِنَ السَّلف أولادها ، فقالت لهم: تعوَّدُوا حبَّ الله وطاعته ، فإنَّ المتَّقين ألِفُوا الطّاعة ، فاستوحشت جوارحُهُم من غيرها ، فإنْ عرض لهمُ الملعونُ بمعصيةٍ ، مرَّت المعصيةُ بهم محتشمةً ، فهم لها منكرون ."
ومن هذا المعنى قولُ عليٍّ: إنْ كُنَّا لنرى أنَّ شيطان عمر ليهابُه أن يأمُرَه بالخطيئة [10] ، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنَّ هذا مِنْ أسرار التوحيد الخاصة ، فإنَّ معنى لا إله إلا الله: أنَّه لا يؤلَّه غيرُه حبًا ، ورجاءً ، وخوفًا ، وطاعةً ، فإذا تحقَّق القلبُ بالتَّوحيد التَّامِّ ، لم يبق فيه محبةٌ لغير ما يُحبُّه الله ، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله ، ومن كان كذلك ، لم تنبعثْ جوارحُهُ إلاّ بطاعة الله ، وإنَّما تنشأ الذُّنوب من محبَّة ما يكرهه الله ، أو كراهة ما يُحبه الله ، وذلك ينشأ من تقديم هوى النَّفس على محبَّة الله وخشيته ، وذلك يقدحُ في كمال التَّوحيد الواجبِ ، فيقعُ العبدُ بسببِ ذلك في التَّفريط في بعض الواجبات ، أو ارتكابِ بعضِ المحظوراتِ ، فأمَّا من تحقَّق قلبُه بتوحيدِ الله ، فلا يبقى له همٌّ إلا في الله وفيما يُرضيه به ، وقد ورد في الحديث مرفوعًا: (( من أصبح وَهمُّه غيرُ الله ، فليس من الله ) ) [11] .
قال بعض العارفين: من أخبرك أنَّ وليه له همٌّ في غيره ، فلا تُصدِّقه .
كان داود الطائي يُنادي بالليل: همُّك عَطَّل عليَّ الهمومَ ، وحالف بيني وبين السُّهاد ، وشوقي إلى النَّظر إليك أوثق مني اللذات ، وحالَ بيني وبين الشهوات ، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب [12] ، وفي هذا يقول بعضهم [13] :
قالوا تشاغَلَ عنَّا واصطفى بدلًا منَّا وذلك فعلُ الخائن السالي
وكيف أشغلُ قلبي عن محبتكم بغير ذِكركُم يا كُلَّ أشغالي
ـــــــــــــــ
(1) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (29 )
(2) - أخرجه: الدينوري في"المجالسة" ( 132 ) ، وعبد الحق الأشبيلي في"التهجد" ( 1046 ) و ( 1047 ) .
(3) - ذكره: الزركشي في"التذكرة في الأحاديث المشتهرة": 135 ، والسخاوي في"المقاصد الحسنة" ( 990 ) ، والملا علي القاري في"الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" ( 657 ) و ( 810 ) و ( 1021 ) ، والعجلوني في"كشف الخفاء" ( 2256 ) .و أسنى المطالب ( 1290 ) ، وقد أجاد ابن رجب - رحمه الله - حينما نسبه إلى الإسرائيليات ؛ فهذا مما ورد عن أهل الكتاب كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى"18/122 ، والسيوطي في"الدرر المنتثرة": 362 ، ويخطئ بعض الناس فينسب هذا حديثًا نبويًا ، وهو لا أصل له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(4) - زاد المعاد - (ج 1 / ص 361) وسيرة ابن هشام - (ج 1 / ص 500) والسيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث - (ج 1 / ص 458) وسنن البيهقي (2/524، 525) .
(5) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 342) 6021
(6) - فيض الباري شرح صحيح البخاري - (ج 6 / ص 192) (6502 )
(7) - شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية - (ج 1 / ص 34)
(8) - شرح بلوغ المرام - (ج 58 / ص 9)
(9) - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 1 / ص 416) وانظر شرح الأربعين النووية - (ج 48 / ص 6)
(10) - ذكره: ابن الجوزي في"مناقب عمر": 225 عن الشعبي ، عن علي ، به مطولًا . و الرياض النضرة في مناقب العشرة - (ج 1 / ص 143)
(11) - الشعب (10585) و (10586) أنس و (10517) حذيفة والزهد لأحمد 42 وعدي 7/2530 وحلية 3/48 والإتحاف 8/84 وأصفهان 2/252 وك 4/317 و 320 والمجمع 10/248 والترغيب 4/123 و 179 وتنزيه 2/302 والضعيفة (309 و 310 و 311 و 312) ومجمع 1/87 وأصفهان 1/243 والإتحاف 6/293 واللسان1/354 (1096) وهو حسن لغيره
(12) - أخرجه: أبو نعيم في"الحلية"7/356 - 357 .
(13) - المدهش - (ج 1 / ص 137)