فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 79

المبحثُ الثاني عشر

هل يترددُ اللهُ تعالى بقبضِ روحِ أوليائهِ ؟

وقوله: (( وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدي عن قبضِ نفس عبدي المؤمن: يكرهُ الموتَ ، وأكره مساءته ) ).

"قَالَ الْخَطَّابِيُّ: التَّرَدُّدُ فِي حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَالْبَدَاءُ عَلَيْهِ فِي الْأُمُورِ غَيْرُ سَائِغٍ."

وَلَكِنْ لَهُ تَأْوِيلَانِ:

أَحَدهمَا أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يُشْرِفُ عَلَى الْهَلَاكِ فِي أَيَّامِ عُمُرِهِ مِنْ دَاءٍ يُصِيبُهُ وَفَاقَةٍ تَنْزِلُ بِهِ فَيَدْعُو اللَّه فَيَشْفِيهِ مِنْهَا وَيَدْفَع عَنْهُ مَكْرُوهَهَا ، فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ فِعْله كَتَرَدُّدِ مَنْ يُرِيدُ أَمْرًا ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِيهِ فَيَتْرُكُهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ وَلَا بُدّ لَهُ مِنْ لِقَائِهِ إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، لِأَنَّ اللَّه قَدْ كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتَأْثَرَ بِالْبَقَاءِ لِنَفْسِهِ . وَالثَّانِي أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ مَا رَدَدْتُ رُسُلِي فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرْدِيدِي إِيَّاهُمْ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، كَمَا رَوَى فِي قِصَّةِ مُوسَى وَمَا كَانَ مِنْ لَطْمَةِ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَتَرَدُّدِهِ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْد أُخْرَى، فعن أبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ أَجِبْ رَبَّكَ - قَالَ - فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا - قَالَ - فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِى - قَالَ - فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ إِلَى عَبْدِى فَقُلِ الْحَيَاةَ تُرِيدُ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَ ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ رَبِّ أَمِتْنِى مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَاللَّهِ لَوْ أَنِّى عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ » [1] .

قَالَ: وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ عَطْفُ اللَّه عَلَى الْعَبْدِ وَلُطْفُهُ بِهِ وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِ .

وَقَالَ الْكَلَابَاذِيّ مَا حَاصِله [2] : أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ صِفَة الْفِعْل بِصِفَةِ الذَّات ، أَيْ عَنْ التَّرْدِيد بِالتَّرَدُّدِ ، وَجَعَلَ مُتَعَلَّقَ التَّرْدِيدِ اِخْتِلَافَ أَحْوَالِ الْعَبْدِ مِنْ ضَعْف وَنَصَبٍ إِلَى أَنْ تَنْتَقِلَ مَحَبَّتُهُ فِي الْحَيَاةِ إِلَى مَحَبَّتِهِ لِلْمَوْتِ فَيُقْبَضُ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ: وَقَدْ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّغْبَة فِيمَا عِنْده وَالشَّوْق إِلَيْهِ وَالْمَحَبَّة لِلِقَائِهِ مَا يَشْتَاق مَعَهُ إِلَى الْمَوْت فَضْلًا عَنْ إِزَالَة الْكَرَاهَة عَنْهُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَيَسُوءُهُ ، وَيَكْرَهُ اللَّهُ مُسَاءَتَهُ فَيُزِيلُ عَنْهُ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ لِمَا يُورِدُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْوَال فَيَأْتِيه الْمَوْت وَهُوَ لَهُ مُؤْثِرٌ وَإِلَيْهِ مُشْتَاق . قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى فَعَلَ مِثْل تَفَكَّرَ وَفَكَّرَ وَتَدَبَّرَ وَدَبَّرَ وَتَهَدَّدَ وَهَدَّدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَعَنْ بَعْضهمْ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَرْكِيب الْوَلِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَعِيش خَمْسِينَ سَنَةً وَعُمُرُهُ الَّذِي كُتِبَ لَهُ سَبْعُونَ فَإِذَا بَلَغَهَا فَمَرِضَ دَعَا اللَّه بِالْعَافِيَةِ فَيُحْيِيهِ عِشْرِينَ أُخْرَى مَثَلًا ، فَعَبَّرَ عَنْ قَدْر التَّرْكِيبِ وَعَمًّا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْأَجَلِ الْمَكْتُوبِ بِالتَّرَدُّدِ ، وَعَبَّرَ اِبْن الْجَوْزِيِّ عَنِ الثَّانِي بِأَنَّ التَّرَدُّدَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الرُّوحَ وَأَضَافَ الْحَقّ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ تَرَدُّدَهُمْ عَنْ أَمْرِهِ ، قَالَ: وَهَذَا التَّرَدُّدُ يَنْشَأُ عَنْ إِظْهَارِ الْكَرَاهَةِ .

فَإِنْ قِيلَ إِذَا أُمِرَ الْمَلَكُ بِالْقَبْضِ كَيْفَ يَقَعُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ ؟

فَالْجَوَاب أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ فِيمَا يُحَدُّ لَهُ فِيهِ الْوَقْتُ . كَأَنْ يُقَالَ لَا تَقْبِضْ رُوحَهُ إِلَّا إِذَا رَضِيَ .

ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابًا ثَالِثًا وَهُوَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُون مَعْنَى التَّرَدُّد اللُّطْف بِهِ كَأَنَّ الْمَلَك يُؤَخِّر الْقَبْض ، فَإِنَّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَى قَدْرِ الْمُؤْمِنِ وَعِظَم الْمَنْفَعَةِ بِهِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا اِحْتَرَمَهُ فَلَمْ يَبْسُطْ يَدَهُ إِلَيْهِ ، فَإِذَا ذَكَرَ أَمْرَ رَبِّهِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنِ اِمْتِثَالِهِ .

وَجَوَابًا رَابِعًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِطَابًا لَنَا بِمَا نَعْقِلُ وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ ، بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ"وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً"فَكَمَا أَنَّ أَحَدَنَا يُرِيدُ أَنْ يَضْرِب وَلَده تَأْدِيبًا فَتَمْنَعُهُ الْمَحَبَّةُ وَتَبْعَثُهُ الشَّفَقَةُ فَيَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْوَالِدِ كَالْمُعَلَّمِ لَمْ يَتَرَدَّدْ، بَلْ كَانَ يُبَادِرُ إِلَى ضَرْبِهِ لِتَأْدِيبِهِ فَأُرِيدَ تَفْهِيمُنَا تَحْقِيق الْمَحَبَّة لِلْوَلِيِّ بِذِكْرِ التَّرَدُّد.

وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ اِحْتِمَالًا آخَر وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ يَقْبِض رُوح الْمُؤْمِن بِالتَّأَنِّي وَالتَّدْرِيجِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ كُنْ سَرِيعًا دَفْعَةً ." [3] "

وقال المناوي رحمه الله:" (وما تردّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن) أي ما أخرت وما توفقت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس عبدي المؤمن، أتوقفُ عليه حتى يسهل عليه ويميل قلبه إليه شوقًا إلى انخراطه في سلك المقربين والتبوىء في أعلا عليين، أو أراد بلفظ التردد إزالة كراهة الموت عن المؤمن بما يبتلي به من نحو مرض وفقر، فأخذه المؤمن عما تشبث به من حبِّ الحياة شيئًا فشيئًا بالأسباب المذكورة يشبه فعل المتردد فعبر به عنه" [4]

وقال ابن رجب رحمه الله:"المرادُ بهذا أنَّ الله تعالى قضى على عباده بالموت ، كما قال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } (آل عمران: 185) ، والموتُ: هو مفارقةُ الروح للجسد ، ولا يحصلُ ذلك إلا بألمٍ عظيمٍ جدًا ، وهو أعظمُ الآلام التي تُصيب العبد في الدُّنيا ، قال عمر لِكعبٍ: أخبرني عن الموت ، قال يا أميرَ المؤمنين ، هو مثلُ شجرةٍ كثيرةِ الشَّوك في جوف ابنِ آدم ، فليس منه عِرقٌ ولا مَفْصِل إلا ورجل شديد الذراعين ، فهو يعالجها ينْزعها ، فبكى عمر [5] ."

ولما احتضر عمرو بنُ العاص سأله ابنُه عن صفة الموت ، فقال:"كَأَنِّي أَتَنَفَّس مِنْ خُرْم إِبْرَة ، وَكَأَنَّ غُصْن شَوْك يَجُرُّ بِهِ مِنْ قَامَتِي إِلَى هَامَتِي" [6] .

وقيل لرجل عندَ الموت: كيف تجدُك ؟ فقال: أجدني أُجتذب اجتذابًا ، وكأنَّ الخناجرَ مختلفة في جوفي ، وكأنَّ جوفي تنُّور محمىًّ يلتهِبُ توقدًا .

وقيل لآخر: كيف تَجِدُكَ ؟ قال: أجدني كأنَّ السماوات منطبقةٌ على الأرض عليَّ ، وأجد نفسي كأنَّها تخرجُ من ثقب إبرة .

فلما كان الموت بهذه الشِّدَّةِ ، والله تعالى قد حتمه على عباده كلِّهم ، ولابدَّ لهم منه ، وهو تعالى يكرهُ أذى المؤمن ومساءته ، سمَّى تردُّدًا في حقِّ المؤمن ، فأمَّا الأنبياءُ عليهم السلام ، فلا يُقبضون حتَّى يُخيَّروا [7] .

قال الحسن: لمّا كرهت الأنبياءُ الموتَ ، هوَّن الله عليهم بلقاء الله ، وبكلِّ ما أحبوا من تحفةٍ أو كرامة حتّى إنَّ نَفْسَ أحدهم تُنْزَعُ من بين جنبيه وهو يُحِبُّ ذلك لما قد مُثِّلَ له .

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِى رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [8]

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَمُوتُ ، وَعَندَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ ، وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعَني عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. [9]

وعَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَىَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُوُفِّىَ فِى بَيْتِى وَفِى يَوْمِى ، وَبَيْنَ سَحْرِى وَنَحْرِى ، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِى وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، دَخَلَ عَلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ آخُذُهُ لَكَ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ أُلَيِّنُهُ لَكَ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَلَيَّنْتُهُ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أَوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ عُمَرُ - فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِى الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ » . ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ « فِى الرَّفِيقِ الأَعْلَى » حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ . [10]

وقد كان بعضُ السَّلف يَستَحِبُّ أنْ يُجْهَدَ عند الموت ، كماقدْ قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز: مَا أُحِبُّ أَنْ يُهَوَّن عَلَيَّ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ إِنَّهُ لَآخِرُ مَا يُكَفَّر بِهِ عَنْ الْمُؤْمِنِ . وَمَعَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْبُشْرَى وَمَسَرَّة الْمَلَائِكَةِ بِلِقَائِهِ وَرِفْقِهِمْ بِهِ وَفَرَحِهِ بِلِقَاءِ رَبِّهِ يُهَوِّن عَلَيْهِ كُلَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ أَلَمِ الْمَوْتِ حَتَّى يَصِير كَأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . [11] . وقال النَّخعي: كانوا يستحبون أنْ يجهدوا عند الموت [12]

وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أنْ يُفتن ، وإذا أراد الله أنْ يهوِّن على العبد الموت هوَّنه عليه . وفي وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ » . قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ . قَالَ « لَيْسَ ذَاكَ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ ، فَلَيْسَ شَىْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ ، فَلَيْسَ شَىْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ » [13] ..

قال ابنُ مسعود رضي الله عنه: (( إذا جاء ملكُ الموت يَقبِضُ روحَ المؤمن ، قال له: إنَّ ربَّكَ يُقرِئُكَ السَّلام ) ) [14] .

وعن اِبْن وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر , أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ يَقُول: إِذَا اِسْتَنْقَعَتْ نَفْس الْعَبْد الْمُؤْمِن جَاءَهُ مَلَك فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَلِيّ اللَّه , اللَّه يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام .ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَة: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (32) سورة النحل. [15] .

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَضَنُّ بِدَمِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِكَرِيمَةِ مَالِهِ ، حَتَّى يَقْبِضَهُ عَلَى فِرَاشِهِ. [16] .

وقال ثابت البناني: إنَّ لله عبادًا يُضَنُّ بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع ، يُطيلُ أعمارهم ، ويُحسِنُ أرزاقَهم ، ويُميتهم على فُرشهم ، ويطبعُهم بطابع الشهداء [17] .

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ , عَنِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - , قَالَ:إِنَّ لِلَّهِ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقِهِ يُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ , وَإِذَا تَوَفَّاهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَمُرُّ عَلَيْهِمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ , وَهُمْ فِيهَا مِنْهُ فِي عَافِيَةٍ. [18] .

وعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: مَوْتُ الْفُجَاءَةِ تَخْفِيفٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ ، وَأَخْذَةُ أَسَفٍ عَلَى الْكُفَّارِ . [19]

وكان أبو ثعلبة الخشني يقول: إني لأرجو أنْ لا يخنقني الله كما أراكم تُخنَقون عند الموت [20] ، وكان ليلة في داره ، فسمعوه ينادي: يا عبدَ الرحمان ، وكان عبدُ الرحمان قد قُتل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أتى مسجدَ بيته ، فصلى فقُبِض وهو ساجد [21] .

وقُبِضَ جماعة من السَّلف في الصلاة وهم سجود . وكان بعضهم يقول لأصحابه: إنِّي لا أموت موتَكم ، ولكن أُدعى فأجيب ، فكان يومًا قاعدًا مع أصحابه ، فقال: لبَّيك ثم خَرَّ ميتًا .

وكان بعضهم جالسًا مع أصحابه فسمِعوا صوتًا يقول: يا فلان أجِبْ ، فهذه والله آخرُ ساعاتِك مِنَ الدُّنيا ، فوثب وقال: هذا والله حادي الموت ، فودَّع أصحابه ، وسلَّم عليهم ، ثمَّ انطلق نحو الصوت ، وهو يقول: سلامٌ على المرسلين ، والحمد لله ربِّ العالمين ، ثم انقطع عنهم الصوتُ ، فتتبَّعوا أثره ، فوجدوه ميتًا .وكان بعضهم جالسًا يكتب في مصحف ، فوضع القلمَ من يده ، وقال: إنْ كان موتُكم هكذا ، فوالله إنَّه لموتٌ طيِّبٌ ، ثم سقط ميتًا . وكان آخر جالسًا يكتب الحديثَ ، فوضع القلم من يده ، ورفع يديه يدعو الله ، فمات .""

ـــــــــــــــ

(1) - صحيح مسلم (6298 )

(2) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (29 )

(3) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 342)

(4) - فيض القدير، شرح الجامع الصغير، الإصدار 2 - (ج 4 / ص 336)

(5) - أخرجه: أبو نعيم في"الحلية"5/365 ، وانظر: فتح الباري 11/421 وفيه انقطاع

(6) - أخرجه: ابن سعد في"الطبقات"4/196 ، وانظر: فتح الباري 11/421 .

(7) - انظر: فتح الباري 11/421 .

(8) - سنن الترمذى (995 ) صحيح

أغبط: الغبطة أن يرى المغبوط في حال حسنة فيتمناها دون زوالها عن المغبوط

(9) - مصنف ابن أبي شيبة (235) - (ج 10 / ص 258) (29945) و أحمد 6/64 و70 و77 و151 ، وابن ماجه ( 1623 ) ، والترمذي ( 978 ) وفي"الشمائل"، له ( 387 ) . وهو صحيح

(10) - صحيح البخارى (4449 )

(11) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 342) و وانظر أحمد في"الزهد" ( 1718 ) ، وأبو نعيم في"الحلية"5/317 .

(12) - أخرجه: أبو نعيم في"الحلية"4/232 بنحوه .

(13) - صحيح البخارى (6507 )

(14) - انظر: تفسير القرطبي 10/102 .

(15) - تفسير الطبري - (ج 16 / ص 249) (16295 ) و شعب الإيمان للبيهقي (431) والعظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (427) وحلية الأولياء - (ج 1 / ص 491) وحلية الأولياء - (ج 4 / ص 306) والزهد والرقائق لابن المبارك (436) صحيح مرسل

(16) - مسند البزار (2442) و مجمع الزوائد ( 268 ) وفيه لين

(17) - أخرجه: ابن أبي الدنيا في"الأولياء" ( 5 ) ومعجم ابن الأعرابي (1360)

(18) - المعجم الكبير للطبراني (13244 ) وفيه لين

(19) - مصنف عبد الرزاق مشكل (6782) والمعجم الكبير للطبراني (8774 ) ومسند إسحاق بن راهويه (1067) حسن لغيره

(20) - الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2316 ) الإصابة في معرفة الصحابة - (ج 3 / ص 298)

(21) - أخرجه: أبو نعيم في"الحلية"2/31 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت