فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 79

المبحثُ السابع

الفرقُ بين الوليِّ ومدَّعي الولايةَ [1]

المفهوم الشرعي لكلمة (ولي الله) يتجلى واضحًا في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } [يونس/62، 63] ، فكل من كان مؤمنًا تقيًا فهو من أولياء الله تعالى. وليست الولاية محصورةً في أشخاص معينين، ولا يشترط لحصولها وقوع الكرامة.

قال القرطبي رحمه الله:"قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ -: وَمَنْ أَظْهَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَرَامَات وَخَوَارِق لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وِلَايَته , خِلَافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّة وَالرَّافِضَة حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَلِيّ , إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا مَا أَظْهَرَ اللَّه عَلَى يَدَيْهِ مَا أَظْهَرَ" [2] .

وَدَلِيلنَا أَنَّ الْعِلْم بِأَنَّ الْوَاحِد مِنَّا وَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحّ إِلَّا بَعْد الْعِلْم بِأَنَّهُ يَمُوت مُؤْمِنًا , وَإِذَا لَمْ يُعْلَم أَنَّهُ يَمُوت مُؤْمِنًا لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نَقْطَع عَلَى أَنَّهُ وَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّ الْوَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى مَنْ عَلِمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُوَافِي إِلَّا بِالْإِيمَانِ .

وَلَمَّا اِتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّنَا لَا يُمْكِننَا أَنْ نَقْطَع عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُل يُوَافِي بِالْإِيمَانِ , وَلَا الرَّجُل نَفْسه يَقْطَع عَلَى أَنَّهُ يُوَافِي بِالْإِيمَانِ , عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَدُلّ عَلَى وِلَايَته لِلَّهِ"."

وروى البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ » [3] ..

فطريق الولاية في الكتاب والسنَّة هو المحافظة على الفرائض والحرص على النوافل، والتحقق بمقامات الإيمان، والتزين بلباس التقوى.

وبهذا يعلم أن المجانين والفسقة والعصاة لا يدخلون في ذلك، وغاية المجنون أن يرفع عنه القلم، لا أن يكون وليًّا، فضلًا عن أن يكشف عنه الحجاب، فإن الحجاب لا يكشف لأحد في الدنيا، والوحيُ لا يتنزل إلا على الأنبياء، وإذا كان الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء لم يكن هذا دليلًا على ولايته، فإن الخوارق تقع على يد الكافر والملحد والفاسق كما تقع على يد المؤمن. ولهذا قال الجنيد رحمه الله: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة،من لم يحفظ الكتاب ولم يكتب الحديث، فلم يتفقه، فلا يقتدى به.

وقال:"الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتبع سنته ولزم طريقته، لأن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه، وعلى المقتفين أثره والمتابعين."

وليس للولي أن يدعي الولاية لنفسه أو يشهد لها بذلك، فإن هذا من التزكية المذمومة.

كما أن من المفاهيم الباطلة حول الولاية ما يلي:

1-اعتقاد أن الولي يتصرفُ في الكون، ويجوز دعاؤه والاستغاثة به في الشدائدمن دون الله تعالى . [4]

2-اعتقاد عصمة الولي ،وأن الله لا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، كما يقول القشيري عفا الله عنه.

3-اعتقاد أن الولي يعلم الغيب، وأنه يغني عن نفسه وعن الخلق.

4-أو أن الولي يتطورُ ويظهر في أشكال مختلفة، فتارة تراه أسدًا، وتارة تراه شيخًا، وتارة تراه صبيًا. وأنه يوجد في أماكن مختلفة في وقت واحد.

5-اعتقاد أن الوليَّ يباح له مخالفة الشريعة، وأنه يجب التسليم له وعدم الإنكار عليه ولو ترك الجمع والجماعات، لأنه صاحبُ حال كما يقول بعض الجهال .

6-اعتقاد أن الولاية تكون بيد الولي الكبير يعطيها لمن يشاء من أتباعه، وهذا ضلالٌ لا يحتاج إلى إقامة الدليل على بطلانه.

7-اعتقاد أن للولاية خاتمًا كما أن للنبوة خاتمًا وهذا من الضلال المبين.

8-اعتقاد أن الولي يمكنه سلب العلم والهداية من مخالفيه،وهذا داخلٌ تحت اعتقادهم أنه يتصرف في الكون.

فهذه الاعتقادات الباطلة مما يعلم يقينًا أنها مخالفة للكتاب والسنَّة ولما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأنها سبيل أولياء الشيطان لا أولياء الرحمن..

ـــــــــــــــ

(1) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 1934) -رقم الفتوى 4445 الفرق بين الولي ومدعي الولاية -تاريخ الفتوى: 03 ربيع الثاني 1422

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 122)

(3) - صحيح البخارى (6502 )

(4) - قلت: فصلت القول في مسالة الاستغاثة والتوسل في كتابي ( الخلاصة في أحكام الاستغاثة والتوسل ) فارجع إليه إن شئت ، والخلاصة جواز التوسل بالأنبياء والصالحين ، مع اعتقاد أن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى ، وبالأشياء التي أذن الله بها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت