وبالسند قال:
616 - (حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنا حَمَّادٌ) بن زيد (عَنْ أَيُوبَ) السختياني (وعَبْدِ الحَميدِ) بن دينار (صَاحِبُ الزِيادِيِّ) بكسر الزاي وتخفيف التحتية وبالدال المهملة (وعَاصِمٍ) بن سليمان (الأَحْوَلِ) كان قاضيًا بالمدائن مات سنة إحدى وأربعين ومائة.
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) البصري ابن عم محمد بن سيرين وزوج ابنته، قال في (( الفتح ) ): وهو تابعي صغير ورواية الثلاثة عنه من رواية الأقران لأنهم من صغار التابعين أيضًا وربما اقتصر حماد على بعضهم ورجال السند كلهم بصريون.
(قَالَ) أي: عبد الله بن الحارث (خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: خطبته لصلاة الجمعة كما لابن علية ولفظه: (( إن الجمعة عزمة ) )، ولولا تصريح ابن علية بذلك لم يكن في لفظ (( خطبنا ) )دليل على أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة.
(فِي يَوْمٍ رَدْغٍ) بفتح الراء وسكون الدال المهملة وبالغين المعجمة بإضافة (( يوم ) )إليه وذلك لأبي الوقت والكشميهني وابن السكن وفي الفرع: بنتوين وبفتح الدال للقابسي.
قال القرطبي: والسكون أشهر والصواب الفتح فإنه الاسم وبالسكون المصدر انتهى.
وفي (( الفتح ) ): في يوم رَزْغ _ بفتح الراء وسكون الزاي بعدها غين معجمة _ كذا للأكثر قال صاحب (( المحكم ) ): الرزغ الماء القليل في السماء وقيل: إنه طين ووحل.
وفي (( العين ) ): الردغة الوحل والرزغة أشد منها، وفي (( الجمهرة ) ): الردغة والروغة الطين القليل من مطر أو غيره قال: ووقع هنا يوم رزع بالإضافة، وفي رواية الحجبي الآتية: في يوم ذي رزغ وهي أوضح وفي رواية ابن علية: في يوم مطير انتهى.
وأقول: وعلى ما في الفرع من تنوين (( يوم ) )يحتاج إلى تقدير نحو ذي ليصح جعله صفة لـ: (( يوم ) )اللهم إلا أن يجعل صفة مشبهة كصعب على تقدير السكون وحسن على تقدير كونه محركًا.
(فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ) أي: وصل إليها ولم يتلفظ بها بل أراد أن يقولها (فَأَمَرَهُ) أي: أمر ابن عباس المؤذن وهو إما جواب لما على زيادة الفاء كما قيل به في: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} [لقمان:32] ، وإما أن يكون الجواب محذوفًا تقديره خاطبه فأمره.
وقال العيني: تقديره: فلما بلغ المؤذن إلى أن يقول: حي على الصلاة أراد أن يقولها فأمره.
(أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ) أي: بدل (( حي على الصلاة ) )ويؤيده رواية ابن علية إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول فلا تقل حي على الصلاة وبوب عليه ابن خزيمة وتبعه ابن حبان ثم المحب الطبري بباب حذف حي على الصلاة في يوم المطر.
قال في (( الفتح ) ): وكأنه نظر إلى المعنى؛ لأن (( حي على الصلاة ) )معناه هلموا إلى الصلاة وصلوا في بيوتكم يناقض ذلك، وعند الشافعية وجه أنه يقول ذلك بعد الأذان وآخر أنه يقوله بعد الحيعلتين والذي يقتضيه الحديث ما تقدم انتهى.
وقال النووي: فيه أن هذه الكلمات فقال في نفس الأذان وفي حديث ابن عمر يعني الآتي في باب الأذان للمسافر أنها تقال بعده.
قال: والأمران جائزان كما نص عليه الشافعي لكن بعده أحسن ليتم نظم الأذان قال: ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس انتهى.
وكلامه يدل على أنها تزاد مطلقًا إما في أثنائه وإما بعده لا أنها بدل من (( حي على الصلاة ) )وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن نعيم ابن النحام قال: (( أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم للصبح في ليلة باردة فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها ) )، انتهى كلام (( الفتح ) ).
وقوله: الصلاة في الرحال بنصب الصلاة؛ لأنها مفعول (( صلوا ) )محذوفًا ويجوز رفعه على أنه مبتدأ وفي الرحال خبره والرحال _ بالحاء المهملة _ جمع رحل وهو مسكن الإنسان وما فيه أثاثه.
ج 2 ص 401
(فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) كأنهم منكرون لتغيير الأذان بتبديل الحيعلتين بهذا وللحجبي: كأنهم أنكروا ذلك، ولابن علية: فكأن الناس استنكروا ذلك (فَقَالَ) ابن عباس (فَعَلَ هَذَا) أي: أمر المؤذن بمثل ما أمرته به.
(مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) أي: من ابن عباس وهو النبي صلى الله عليه وسلم ويدل له رواية ابن عساكر فيكون فيه التفات على مذهب السكاكي، ويجوز أن يكون ضمير (( منه ) )للمؤذن، ويدل له رواية الكشميهني ؛ لأن المراد به جنس المؤذنين.
قال في (( الفتح ) ): ومعنى رواية الباب من هو خير من هذا المؤذن يعني فعله مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير من هذا المؤذن، وأما رواية الكشميهني ففيها نظر، ولعل من أذن كانوا جماعة إن كانت محفوظة أو أراد جنس المؤذنين أو أراد خير من المنكرين انتهى.
(وَإِنَّهَا) أي: الجمعة ويدل لذلك رواية ابن علية وأن الجمعة (عَزْمَةٌ) مع أنها تقدم هنا ما يدل عليها وهو خطبنا؛ لأنها غالبة في الجمعة، ومرجع الضمير قد يكون مدلولًا عليه بالقرينة كقوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص:32] .
وقوله: عَزْمة _ بفتح العين المهملة وسكون الزاي _ ضد الرخصة؛ أي: واجبة، زاد ابن علية: وإني كرهت أن أحرجكم _ بالحاء المهملة _ فتمشون في الطين.
وللحجبي من طريق عاصم: أن أؤثمكم، وهي ترجح رواية: أن أحرجكم بالحاء المهملة.
وقال العيني: يروى: (( أخرجكم ) )بالخاء المعجمة، ولابن خزيمة: أن أخرج الناس وأكلفهم أن يحملوا الخبث من طرقهم إلى مسجدكم.
قال في (( الفتح ) ): ومطابقة الحديث للترجمة أنكره الداودي فقال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان بل القول من جملة الأذان في ذلك المحل، وتعقب بأنه وإن شاع ذكره في هذا المحل لكنه ليس من ألفاظ الأذان المعهود.
وطريق بيان المطابقة أن هذا الكلام لما جازت زيادته في الأذان للحاجة دل على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه انتهى.
وقال في (( المصابيح ) ): قال ابن المنير: ظاهر الحديث فيما أفهم أنه صلى بهم الجمعة ولم يرخص فيها وإنما قال: الصلاة في الرحال إشارة إلى العصر وإلا فلا وجه لكونه جمعهم بالأذان للجمعة وخطبهم ثم يبيح لهم التخلف عنها وهم قد حضروا.
وأما قوله: فإنها عزمة فيحتمل أن يريد الجمعة وهي عزمة والاجتماع لها واجب؛ بخلاف العصر فقرن لهم بين كونه جمعهم للجمعة وحمل عنهم الجماعة في العصر بما ذكر، ويحتمل أن يريد أن هذه الرخصة في ترك الجماعة في الحضر عزيمة لا يؤخذ بغيرها لئلا يشددوا على أنفسهم ويحضروا.
ويحتمل أن يكون جمعهم للجمعة حتى أعلمهم أن الرخصة في تركها سنة فيعملون بذلك في المستقبل فهذا معنى كلام المهلب انتهى.
والاحتمال الأول هو الظاهر انتهى ما في (( المصابيح ) ).
وأقول: في قوله: والاحتمال الأول هو الظاهر نظر ظاهر إذ كيف يفهم أن قول المؤذن في الأذان الواقع قبل الخطبة والصلاة التي اجتمعوا لها الصلاة في الرحال أنه راجع إلى صلاة العصر ولم يدخل وقتها، ولا الأذان لها ويلزم أن يترك في أذانها اكتفاء بذكره في أذان غيرها.
وذلك في غاية البعد، فالظاهر أن في ذلك اليوم كان بعض القوم قد حضروا والبعض لم يحضر فأمر المؤذن أن يقول: الصلاة في الرحال لمن لم يكن حاضرًا كيلا يشق عليهم وصلى الجمعة بمن حضر فلا يرد حينئذ قوله وإلا فلا وجه لكونه جمعهم ... إلخ فليتأمل.
والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة والجمعة ومسلم وأبو داود وابن ماجه في الصلاة.