وبالسند قال:
611 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية: (مَالِكٌ) ابن أنس (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ) أي: الأذان.
(فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ) قال العيني: (( مثل ) )منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولوا قولًا مثلما يقول المؤذن وكلمة (( ما ) )مصدرية انتهى.
وأقول: بعد جعله (( ما ) )مصدرية لا حاجة إلى اعتبار موصوف محذوف هو مقول القول؛ لأن (( مثلًا ) )المضاف إلى المصدر المنسبك منها ومن صلتها مقول القول غير أن المصدر مؤول باسم المفعول وذلك كثير.
قال في (( الفتح ) ): ظاهر قوله: (( إذا سمعتم ) )اختصاص الإجابة بمن يسمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة في الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع المتابعة قاله النووي في (( شرح المهذب ) ).
وقال أيضًا: ادعى ابن وضاح أن قوله: (( المؤذن ) )مدرج وأن الحديث انتهى عند قوله: (( مثلما يقول ) )، وتعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى.
وقد اتفقت الروايات في (( الصحيحين ) )و (( الموطأ ) )على إثباتها ولم يصب صاحب (( العمدة ) )في حذفها انتهى.
وقال الكرماني: قال: (( مثلما يقول ) )ولم يقل: مثلما قال ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها.
قال في (( الفتح ) ): والصريح في ذلك ما رواه النووي من حديث أم حبيبة: (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت ) ).
وأما أبو الفتح اليعمري فقال: ظاهر الحديث أنه يقول مثلما يقول عقب فراغ المؤذن، لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلت على أن المراد المساوق فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل.
قال النووي في (( شرح المهذب ) ): بحثًا وقد قالوه فيما إذ كان عذر كالصلاة وظاهر قوله: مثل أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر أيضًا وحديث معاوية الآتي يدل على أنه يستثني من ذلك: حي على الصلاة وحي على الفلاح، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله كذلك استدل به ابن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور.
قال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول: تارة كذا وتارة كذا.
وحكى بعض المتأخرين من بعض أهل الأصول: أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالها قال: فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة وهو وجه عند الحنابلة.
وأجيب عن المشهور من حيث المعنى: بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة.
ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثال الأمر ويمكن بأن يزداد استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن ومن نفسه ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم: سمع الله لمن حمده كما سيأتي في موضعه.
وقال الطيبي: معنى الحيعلتين هلم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا والفوز بالنعيم آجلًا فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله تعالى بحوله وقوته انتهى كلام صاحب (( الفتح ) ).
وقال العيني: احتج أصحابنا بقوله: فقولوا على أن إجابة المؤذن واجبة على السامعين لدلالة الأمر على الوجوب، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك والظاهرية ألا ترى أنه يجب عليهم قطع القراءة وترك الكلام والسلام ورده وكل عمل غير الإجابة فهذا كله إمارة الوجوب.
وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب وهو اختيار الطحاوي أيضًا.
وقال النووي: يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء أو جماع أهله أو نحوهما.
ومنها: أن يكون في صلاة فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة فإذا سلم أتى بمثله فلو فعله في الصلاة فهل يكره؟.
فيه قولان للشافعي أظهرهما: يكره لكن لا تبطل صلاته فلو قال:
ج 2 ص 393
حي على الصلاة أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح قال سامعه: صدقت وبررت انتهى.
وقال أصحابنا: يجب على السامع أن يقول مثل ما قال المؤذن إلا قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح فإنه يقول مكان قوله حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حي على الفلاح: ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن؛ لأن إعادة ذلك توجب المحاكاة والاستهزاء.
فكذلك إذا قال المؤذن: الصلاة خير من النوم لا يقول السامع مثله ولكن يقول: صدقت وبررت وينبغي أن لا يتكلم السامع في خلال الأذان والإقامة ولا يقرأ القرآن ولا يسلم ولا يرد السلام ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن يقطع ويسمع الأذان ويجيب.
وفي فوائد الرستغفني: لو سمع وهو في المسجد بمعنى في قراءته وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده.
وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبًا ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آثمًا ولا تجب الإجابة على من لا تجب عليه الصلاة ولا يجيب أيضًا وهو في الصلاة سواء كانت فرضًا أو نفلًا.
وقال عياض: اختلف أصحابنا هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما؟ أم يحكي في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال انتهى.
ثم اختلف أصحابنا هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة فقال: يجب عليه إجابة مؤذن مسجده بالفعل.
فإن قلت: روى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانًا أمسك، وإذا لم يسمع أغار، قال: فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى ) ).
وأخرج الطحاوي من حديث عبد الله قال: (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسمع مناديًا وهو يقول: الله أكبر الله أكبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على الفطرة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرج من النار، فابتدرناه وإذا هو صاحب ماشية أدركت الصلاة فأذن بها ) ).
قال الطحاوي: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمع المنادي ينادي فقال: خير ما قال فدل ذلك أن قوله: (( إذا سمعتم المنادي فقولوا مثل الذي يقول ) )أن ذلك ليس على الإيجاب وأنه على الاستحباب والندبة إلى الخير وإصابة الفضل كما قد علم الناس من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوا في دبر الصلوات وما أشبه ذلك.
قلت: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب ولاسيما وقد تأيد ذلك بما روى من الأخبار والآثار في الحث على الإجابة، وقد روى ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن وكيع عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع عن عبد الله قال: (( من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول ) )انتهى.
ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب لا يكون من الجفاء ولا تاركه جاف والجواب عن الحديثين أنهما لا ينافيان إجابة الرسول بذلك المنادي في مثل ما قال ويكون الراوي ترك ذكره أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية انتهى.