وبه قال:
497 - (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) : ولأبي ذر والأصيلي: (( المكي بن إبراهيم ) )؛ أي: البلخي (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) : بالتصغير مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) : بفتحات (بن الأكوع) : وقد تقدم هذا السند بعينه في باب: إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أول ثلاثيات البخاري وهذا ثانيها وهي اثنان وعشرون حديثًا وهي أعلى ما في البخاري؛ لأن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثلاثة وأنزل سند في البخاري ما كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه تسعة.
(قَالَ: كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ) : النبوي (عِنْدَ الْمِنْبَرِ) : قال الكرماني: من تتمة اسم كان.
وجملة: (كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا) : خبرها وجوز العيني أن يكون عند المنبر الخبر وجعل الجملة بعده مستأنفة استئنافًا بيانيًا تقديره إذا كان الجدار عند المنبر فما مقدار المسافة بينهما.
فأجاب: ما كادت الشاة تجوزها؛ أي: مقدار ما كادت الشاة تجوز المسافة وليس بإضمار قبل الذكر لأن سوق الكلام يدل عليه.
ثم قال العيني: فإن قلت: إذا دخل حرف النفي على كاد يكون للنفي كما في سائر الأفعال فما حكمه ههنا؟ قلت: القواعد النحوية تقتضي النفي والموافق ههنا للحديث الأول الإثبات، وهذا الحديث والذي قبله يدلان على أن القرب من السترة مطلوب وقال ابن القاسم عن مالك ليس من الصواب أن يصلي وبينه وبين السترة صفان انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): فإن قيل: من أين يطابق الترجمة؟.
أجاب الكرماني فقال: من حيث إنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم بجنب المنبر؛ أي: ولم يكن لمسجده محراب، فتكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار فكأنه قال: والذي ينبغي أن يكون بين المصلي وسترته قدر ما كان بين منبره صلى الله عليه وسلم وجدار القبلة.
وأوضح من ذلك ما ذكره ابن رشيد: أن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى حديث سهل بن سعد الذي تقدم في باب الصلاة على المنبر والخشب، فإن فيه أنه صلى الله عليه وسلم قام على المنبر حين عمل وصلى عليه، فاقتضى ذلك أن ذكر المنبر يؤخذ منه موضع قيام المصلي. فإن قيل: إن في ذلك الحديث أنه لم يسجد على المنبر وإنما نزل فسجد في أصله، وبين أصل المنبر وبين الجدار أكثر من ممر الشاة.
أجيب: بأن أكثر أجزاء الصلاة قد حصل في أعلى المنبر وتحصل به المقصود، وإنما نزل عن المنبر لأن الدرجة لم تتسع لقدر سجوده. وأيضًا فإنه لما سجد في أصل المنبر صارت الدرجة التي فوقه سترة له وهو قدر ما تقدم.
قال ابن بطال: هذا أقل ما يكون بين المصلي وسترته، يعني قدر ممر الشاة، وقيل أقل ذلك ثلاثة أذرع لحديث بلال أن النبي
ج 2 ص 283
صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، كما سيأتي قريبا بعد خمسة أبواب.
وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة. وأكثره ثلاثة أذرع. وجمع بعضهم بأن الأول في حال القيام والقعود والثاني في حال الركوع والسجود. وقال ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع.
قلت: ولا يخفى ما فيه.
وقال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف.
وقد ورد الأمر بالدنو منها، وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل ابن أبي حثمة مرفوعًا: (( إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته ) ). انتهى.