فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 1465

وبالسند قال:

349 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظ: لابن عساكر (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) رضي الله عنه وهو جندب بن جنادة الغفاري (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فُرِجَ) بضم الفاء وكسر الراء مخففة وبالجيم؛ أي: شق كما في رواية (عَنْ سَقْفِ بَيْتِي) إضافة لنفسه لأدنى ملابسة لبيتوتة فيه وإلا فهو بيت أم هانئ.

وقال في (( الفتح ) ): أي: فتح والحكمة فيه أن الملك انصب إليه من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج على شيء سواه مبالغة في المفاجأة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد، ويحتمل أن يكون السر في ذلك التمهيد لما وقع من شق صدره فكأن الملك أراه انفراج السقف والتئامه في الحال كيفية ما سيصنع فيه لطفًا به وتثبيتًا له.

قال العيني: فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم فكيف الجمع بينهما؟.

قلت: إما على كون العروج مرتين فظاهر، وإما على كونه مرة واحدة فلعله صلى الله عليه وسلم بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ ومنه عرج به إلى السماء انتهى.

وفي رواية: (( في شعب أبي طالب ) )وجمع بأن بيت أم هانئ في شعب أبي طالب فإذا كان في بيتها كان فيه.

(وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملة حالية (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) عليه السلام من المحل الذي فرج من سقف البيت (فَفَرَجَ) بفتحات أي: شق (صَدْرِي) ويروى: (( فشرح صدري ) ).

قال العيني: فإن قلت: ذكر في (( سيرة ابن إسحاق ) )شق صدره وهو مسترضع في بني سعد عند حليمة ورجحه عياض.

قلت: أجاب السهيلي بأن ذلك وقع مرتين والحكمة في الشق الأول نزع العلقة التي قيل له صلى الله عليه وسلم عند نزعها هذا حظ الشيطان منك، وفي الثاني ليكون مستعدًا للتلقي بما حصل له في تلك الليلة، وقد روى الطيالسي والحارث في (( مسنديهما ) )من حديث عائشة أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل عليه السلام إليه بالوحي في غار حراء.

وفي (( الدلائل ) )لأبي نعيم، والأحاديث الجياد للضياء محمد بن عبد الواحد أن صدره صلى الله عليه وسلم شق وعمره عشر سنين انتهى.

وكذا ذكر صاحب (( الفتح ) )ثم قال: وروى مرة خامسة ولم تثبت انتهى.

أقول: بهذه قيل أنها كانت يوم ولادته وقد نظمت الأربعة على ترتيب وقوعها مشيرًا إلى مواضعها بقولي:

~لقد شق قلب المصطفى أربعًا لها الجهابذة الحفاظ في الكتب قد روت

~فأولها قد كان عند حليمة وعند بلوغ العشر أخرى لقد أتت

~وثالثة عند ابتداءٍ لوحيه ورابعة أيضًا بها النص قد ثبت

~بليلة معراج وخامسة رووا ولكنها عند الأئمة ضعفت

واختلف هل شق الصدر كان مختصًا به صلى الله عليه وسلم أو وقع لغيره من الأنبياء؟.

قال السيوطي في (( خصائصه الكبرى ) ): قال كثيرون: إن مطلق الشق لم يكن مختصًا به بل وقع لغيره من الأنبياء، ففي (( تفسير البغوي ) )عن ابن عباس قال: (( السكينة

ج 2 ص 104

طست من ذهب كان يغسل فيه قلوب الأنبياء )) .

وفي (( تفسير النسفي ) )وقال السدي: (( السكينة طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء ) ). انتهى لكنه لم يتكرر لغيره من الأنبياء.

أقول: قالت الخصوصية إلى تكرر الشق لا إلى أصله، فلذا قلت في نظمي ل (( الخصائص الصغرى ) ):

~والشق للصدر به قد خصا على خلاف بينهم قد نصا

والوجه أن الشق بالتكرر لم يتفق إلا لطهر المنذر وقد أوردنا ما جاء في ذلك من الأحاديث والأخبار في شرح النظم المذكور.

(ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) هي اسم لبئر المسجد الحرام غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي ولها أسماء كثيرة أوصلها الدميري في (( رموز الكنوز ) )إلى ستة وعشرين، وخص ماء زمزم لفضله على غيره من المياه حتى على الكوثر على الراجح عند الجمهور إلا ما نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل المياه على الإطلاق.

وقال الحافظ السيوطي: الأفضل الكوثر؛ لأنه عطية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وحكمه الغسل بالماء؛ لأنه طهور، والطهور شطر الإيمان وكان بماء زمزم؛ لأنه أفضل المياه كما تقدم ولأنه يقوي القلب لخاصية فيه.

(ثُمَّ جَاءَ) أي: الملك (بِطَسْتٍ) بفتح الطاء وسكون السين المهملة وفي آخره تاء مثناة من فوق، قال ابن سيدة: الطس والطَّسة والطِّسة معروف وجمع الطس أطساس وطسوس وطسيس وجمع الطسة والطسة طساس، ولا يمنع أن يجمع طسة على طسيس، بل ذلك قياسه والطساس بائع الطسوس والطساسة حرفته، وعن أبي عبيد: الطست فارسي.

قال العيني: هو بالفارسية بالشين المعجمة، وقال الفراء: طي تقول طست وغيرهم يقول طس انتهى.

وهي مؤنثة وقد تذكر على تأويلها بالإناء وخص الطست بذلك دون سائر الأواني لأنه آلة الغسل عرفًا.

(مِنْ ذَهَبٍ) قال العيني: ليس فيه ما يوهم استعمال آنية الذهب، فإن ذلك فعل الملائكة واستعمالهم وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، أو لأن ذلك كان أول الأمر قبل تحريم استعمال الأواني من النقدين؛ لأنه كان على أصل الإباحة والتحريم إنما كان بالمدينة، وإنما كان من ذهب؛ لأنه أغلى أواني الجنة وهو رأس الإيمان، وله خواص منها أنه لا تأكله النار ولا الأرض، ولا تغيره وهو أنقى شيء وأصفاه، وأثقل الأشياء حتى من الزئبق وهو موافق لثقل الوحي انتهى ملخصًا.

(مُمْتَلِئٍ) بالجر صفة ثانية لطست وذكره لتأويله بالإناء (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) تمييز نسبة لممتلئ والحكمة.

قال البيضاوي: النبوة أو كمال العلم وإتقان العمل انتهى.

وقال النووي: في تفسير الحكمة أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أن الحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله تعالى مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك انتهى ملخصًا.

وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوة كذلك وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك، كذا في (( الفتح ) ).

وقال ابن دريد: هي كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى تكرمة أو نهتك عن قبيح، وقيل: هي الفهم عن الله تعالى.

وقال ابن سيده: القرآن كفى به حكمة لأن الأمة صارت به علمًا بعد جهل.

وقال في (( الفتح ) ): معنى امتلائه بالحكمة والإيمان أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة فسمي إيمانًا وحكمة مجازًا أو مثلًا له بناء على جواز تمثيل المعاني كما يمثل الموت كبشًا انتهى.

(فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي) قال العيني: أي: أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان انتهى.

يعني أن الضمير راجع إلى الحكمة والإيمان بتأويل كل واحد منهما.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف لأن رجوع ضمير أفرغه إلى الطست الممتلئ في غاية الظهور وإسناد الإفراغ إلى الإناء وإلى ما فيه كلاهما صحيح مستعمل.

قال في (( القاموس ) ): تفريغ الظروف إخلاؤها.

وقال في (( المقامات الحريرية ) ): ولا أفرغ ثنائي على من يفرغ إنائي.

(ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: ضم عليه صدري يقال أطبقت الشيء إذا غطيته وجعلته مطبقًا، وفي (( التوضيح ) )لما فعل به ذلك ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء فجمع الله له أجزاء النبوة وختمها فهو خاتم النبيين، وقد جاء أنه استخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك، والظاهر أن ثم هنا لمجرد الترتيب ولا تراخي فيها كما في قوله:

~كهذا الرديني تحت العجاج جرى في الأنابيب ثم اضطرب

وحكمة ذلك التقوى على استجلاء الأسماء الحسنى، والثبات في المقام الأسمى كالذي وقع له في حال صباه ينشأ على أكمل الأحوال والأخلاق، وعند بلوغه عشر سنين وهو أوان المراهقة ليستعد لما يرد عليه من التكاليف، وقهر النفس والهوى، وعند البعث ليتلقى الوحي بقلب قوي.

وقال ابن الملقن: في المرة الرابعة لزيادة الطمأنينة لما يرى من عظم الملكوت أو ليصلي بالملائكة.

(ثُمَّ أَخَذَ) أي: جبريل (بِيَدِي فَعَرَجَ) بفتحات أي: صعد (بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ولأبي ذر عن الكشميهني وابن عساكر: إما على الالتفات أو التجريد، وليس في أحاديث الباب تعرض لكون العروج إلى السموات كان على البراق، أو على المعراج الذي نصب له وفي ذلك خلاف، والجمهور أنه كان على المعراج وهو سلم نصب له صلى الله عليه وسلم مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة.

ج 2 ص 105

قال العلامة ابن حجر المكي في (( شرح الهمزية ) ): ما أفهمه كلام الناظم من أن البراق ترقى به إلى قاب قوسين هو ما دلت عليه رواية البخاري، ولفظها: (( فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح ثم قال، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية وهكذا ) )لكن صحت الأحاديث بأنه استمر على البراق إلى بيت المقدس، ثم نصب له المعراج فارتقى فيه كما مر، وظاهرها أنه لم يركب البراق إلا من مكة إلى بيت المقدس لا غير تعظيمًا للسموات ومن فيهن انتهى المقصود منه.

ونقل بعض شراح البخاري أن للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء خمسة مراكب:

الأول: البراق من مكة إلى بيت المقدس.

الثاني: المعراج من بيت المقدس إلى السماء الدنيا.

الثالث: أجنحة الملائكة من سماء الدنيا إلى السماء السابعة.

الرابع: جناح جبريل من السماء السابعة إلى سدرة المنتهى.

الخامس: الرفرف إلى قاب قوسين انتهى.

وقد استدل بعضهم بحديث الباب على أن المعراج قد تكرر له صلى الله عليه وسلم لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر هنا.

قال في (( الفتح ) ): ويمكن أن يقال هو من اختصار الراوي، ويشير إلى ذلك ثم المفيدة للتراخي، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، ويؤيده ذكر المصنف للإسراء في الترجمة انتهى. على أن المعراج قد يطلق على ما يعم الإسراء وبالعكس فهما كالفقير والمسكين.

(فَلَمَّا جِئْتُ) أي: مع الملك (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وسقط لفظ: (( الدنيا ) )عند الأربعة وبينها وبين الأرض خمسمائة عام كما بين كل سماءين إلى السابعة وسمك كل سماء كذلك.

وقال العيني: وروى ابن حبان في (( صحيحه ) )مرفوعًا: (( بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ) ).

وذكر في كتاب (( العظمة ) )لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي عن عبد الله قال: (( ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك ومابين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك والماء على الكرسي والعرش على الماء ) ).

وفي كتاب (( العرش ) )لأبي محمد بن عثمان بن أبي شيبة بإسناده إلى العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: بينهما خمسمائة عام وكثف كل سماء خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ) ).

وروي أيضًا عن أبي ذر مرفوعًا مثله انتهى.

ونقل الشيخ عبد اللطيف البشبيشي في كتابه (( التحفة السنية ) ): أنه ورد عن سلمان الفارسي كما في بعض التواريخ قال: (( خلق الله تعالى السموات السبع وسماهن بأسمائهن، وأسكن كل سماء صفًا من الملائكة يعبدونه، وأوحى في كل سماء أمرها فسمى السماء الدنيا رقيعًا وقال لها: كوني زمردة خضراء فكانت، وسمى السماء الثانية أزقلون وقال لها: كوني فضة فكانت وفيها ملائكة على أقدامهم منذ خلقهم الله، وسمى السماء الثالثة قيدوم وقال لها: كوني ياقوتة حمراء فكانت، ثم طبقها بملائكة ركوع منذ خلقهم قد لصق بعضهم ببعض لو قطرت عليهم قطرة ماء لم تجد منفذًا، وسمى السماء الرابعة عزدر، وقيل: ماعونًا وقال لها: كوني درة بيضاء فكانت، ثم طبقها بملائكة سجود منذ خلقهم، وسمى السماء الخامسة ديعًا وقال لها: كوني ذهبة حمراء فكانت، ثم طبقها بملائكة بطحهم على وجوههم وعلى بطونهم وهم باكون من خوف الله تعالى، وسمى السماء السادسة رتقًا، وقيل: عدرينًا وقال لها: كوني ياقوتة صفراء فكانت، ثم طبقها بملائكة قعود ترعد فرائصهم، وتهتز رؤوسهم لهم أصوات عالية يسبحون الله عز وجل ويقدسونه، ولو قاموا على أرجلهم لبلغت أرجلهم تخوم الأرض السابعة، وسيقومون يوم القيامة على أرجلهم بين يدي رب العالمين.

وسمى السماء السابعة عريبًا، وقيل: سمعوى وقال لها: كوني نورًا يتلألأ فكانت، ثم طبقها بملائكة قيام على رجل واحدة تعظيمًا لله تعالى، وإشفاقًا من عذابه قد خرقت أرجلهم الأرض السابعة السفلى، واستقرت أقدامهم على مقدار خمسمائة عام فهي تحت الأرض كلها كأنها الرايات البيض تجري تحتها ريح هفافة عاتية يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي يميت الخلق ولا يموت، سبوح، قدوس، ربنا الأعلى، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء، ويستغفرون للمؤمنين والمؤمنات، ثم يعودون إلى التسبيح والتحميد لله عز وجل فهم على هذه الحالة منذ خلقوا إلى يوم الساعة، فذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات:165 - 166] )) ، كذا في (( كنز الأسرار ) ).

(( وفي مقابلة السموات السبع أرضون

ج 2 ص 106

سبع الأرض الأولى تسمى الرمكاء وتحتها الريح العقيم زمت بسبعين ألف زمام من حديد، وكل زمام بسبعون ألف ملك بها أهلك الله تعالى قوم عاد وبها ينسف الله تعالى يوم القيامة الجبال والتلال، والأرض الثانية تسمى جلدة وهي من حديد وجعل سكانها عقارب أهل النار، والأرض الثالثة تسمى عرقة وأسكنها الله تعالى أصنافًا من العذاب لأهل النار لا يقدر أحد على وصفه، والأرض الرابعة تسمى الجرباء وأسكنها الله تعالى حيات أهل النار، والأرض الخامسة تسمى قلقاء وأسكنها الكبريت والحجارة التي أعدها الله تعالى لأهل النار، والأرض السادسة تسمى سجينًا وجعل فيها أعمال أهل النار وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين:7] ، والأرض السابعة تسمى عجيباء وأسكنها إبليس وجنوده وهو فيها محبوس، وأرواح الفجار عند جنود إبليس في وسطها حجاب من ظلمة في أحد جانبيه باب إلى سقر مفتوح، وفي الجانب الثاني باب إلى الزهرة [1] ، وفيه عرش إبليس )) .

وهذا من جملة أسئلة سئل عنها روح الله عيسى عليه السلام فإنه سئل هل تحت الأرض من خلق؟ قال: نعم أرض من نار، وخلق آخر، وبحر من نار حتى عد سبع أرضين من نار، وسبعة أبحر من نار، قيل: فما أسفل من ذلك يا روح الله؟ قال: صخرة، ثم تحت الصخرة ماء، ثم تحت الماء حوت، قيل: وما تحت ذلك كله؟ قال: ظلم الهوى وانقطع العلم دونها فلا يعلم ذلك إلا الله تعالى )) ، كذا في (( بهجة الأنفس ) )، ونقله عنه كذلك صاحب (( كنز الأسرار ولواقح الأفكار ) )العلامة الشيخ أبو محمد الصنهاجي المغربي انتهى، وإنما نقلناه على طوله لما اشتمل عليه من الغرائب.

(قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) أي: الدنيا لم أر أحدًا من الشراح تعرض لذكر اسم خازن هذه السماء ولا غيرها من السموات إلا شارحًا عصريًا قال: يحتمل أنه إسماعيل، وقد تتبعت كثيرًا من روايات أحاديث الإسراء حتى ظفرت باسمه ولله الحمد في (( الخصائص الكبرى ) )للحافظ جلال الدين السيوطي مما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وفيه: (( فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف فاستفتح جبريل باب السماء ) )الحديث.

(افْتَحْ) أي: باب هذه السماء وهذا يدل على أن بابها كان مغلقًا قالوا: والحكمة فيه إظهار إكرامه صلى الله عليه وسلم بأن السماء لم تفتح إلا لأجله بخلاف ما لم وجده مفتوحًا، وهذا يدل أيضًا أن عروجه صلى الله عليه وسلم كان بجسده الشريف، إذ لو كان بروحه لما احتاج إلى الاستفتاح.

(قَالَ) أي: الخازن (مَنْ هَذَا؟) أي: الذي قرع الباب، أو قال: افتح (قَالَ: جِبْرِيلُ) ، ولغير أبي ذر: وفيه إثبات الاستئذان، وأن المستأذن يسمي نفسه؛ لئلا يلتبس بغيره لو قال أنا، وللنهي عنه في حديث جابر.

(قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟) لعل حكمة سؤاله مخالفة جبريل عادته في الاستفتاح فإنه كان إذا صعد أو هبط وحده لا يستفتح (قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟) هو على تقدير همزة الاستفهام كما هو مصرح بها في رواية أبي ذر، وللكشميهني: بواو بين همزتين وهي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام لكمال تصدرها وهو مذهب الجمهور.

وذهب الزمخشري إلى أن الهمزة في مركزها، والواو للعطف على جملة مقدرة بعد الهمزة، والتقدير أأذن له وأرسل إليه، واستفهام الخازن هنا عن الإرسال بمعنى الطلب للعروج لا عن الإرسال بمعنى الرسالة؛ لأنه كان معلومًا للملائكة مشهورًا في الملكوت، ويجوز أن يكون السؤال هنا على غير حقيقته، بل للتعجب واستعظام ما أنعم الله عليه، أو إظهار الابتهاج والاستبشار بعروجه؛ لأن من الواضح عند الملائكة أن أحدًا لا يرتقي إلى السماء من غير إذن من الله له، ولاسيما والصاعد به جبريل فلا يتصور أن يكون بغير أمر من الله تعالى، قال تعالى في شأن الملائكة: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] .

وقول صاحب (( الفتح ) )يحتمل أن يكون خفي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته.

تعقبه العيني فقال: كيف يخفى عليه ذلك لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا من هذا حين قال جبريل افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟

ج 2 ص 107

قال جبريل: معي محمد وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة والوقت وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته صلى الله عليه وسلم مشهور في الملكوت انتهى.

قال في (( الفتح ) ): ويؤخذ منه أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأن الخازن لم يتوقف على الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه، وسيأتي في هذا حديث مرفوع في كتاب الاستئذان انتهى.

(قَالَ) أي: جبريل (نَعَمْ) أي: أرسل إليه (فَلَمَّا فَتَحَ) أي: الخازن الباب (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) يحتمل أن الضمير للنبي وجبريل عليهما الصلاة والسلام، ويحتمل أن معهما ملائكة آخرون كميكائيل وإسرافيل اللذين كانا مع جبريل حين شق صدره، كما تقدم أو ملائكة غيرهما مشيعين.

(فَإِذَا) بالفاء، وللأصيلي وابن عساكر بدونها (رَجُلٌ قَاعِدٌ) أي: جالس (عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) جمع: سواد كأزمنة وزمان، والسواد الشخص، وقيل: الجماعات وسواد الناس عوامهم وكل عدد كثير، كما في الكرماني.

(وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ) أي: التفت (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: جهة (يَمِينِهِ ضَحِكَ) أي: لسروره بالناجين من ذريته (وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ) وللأربعة: (( شماله ) ) (بَكَى) لما رأى مما يسوءه من أهل الشقاوة من ذريته.

(فَقَالَ) أي: الرجل القاعد (مَرْحَبًا) مفعول مطلقا أو مفعول به؛ أي: رحبت رحبًا أو أصبت مكانًا رحبًا؛ أي: واسعًا وهي كلمة تقال عند تأنيس القادم، وإظهار الفرح بقدومه ومثلها أهلًا وسهلًا.

وقوله: (بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) متعلق بمرحبًا (وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) الصلاح وصف شامل لسائر الصفات الحميدة من الصدق وغيره، فلذا لم يقل أحد ممن مر به مرحبًا بالنبي الصادق، وكأنه قال: مرحبًا بالنبي الكامل في نبوته، والابن البار في نبوته.

(قُلْتُ لِجِبْرِيلَ) عليه السلام (مَنْ هَذَا؟) قال في (( الفتح ) ): ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له: آدم مرحبًا، ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك وهي المعتمدة، فتحمل هذه عليها إذ ليس في هذه أداة ترتيب انتهى.

(قَالَ: هَذَا آدَمُ) عليه الصلاة والسلام (وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) بفتح النون والسين المهملة، جمع: نسمة بفتحتين وهي روح الإنسان، قال الكرماني: والمراد منها هنا أرواح بني آدم.

(فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى) .

قال في (( الفتح ) ): وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء وهو مشكل.

قال القاضي عياض: فقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة يعني فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟.

وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا فصادف وقت عروضها مرور النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أن كونهم في الجنة أو النار إنما هو في أوقات دون أوقات لقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر:46] .

واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء كما هو نص القرآن، والجواب عندما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يكشف

ج 2 ص 108

له عنهما، ويحتمل أن يقال: أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من عن يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من عن يساره بخلاف التي في الأجساد فليست مرادة قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرها من جنة أو نار فليست أيضًا مرادة فيما يظهر، وبهذا يدفع الإيراد ويعرف أن قوله نسم بنيه عام مخصوص، أو أريد به الخصوص.

وأما ما أخرجه ابن إسحاق، والبيهقي من طريقه في حديث الإسراء: (( فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين ) ).

وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار: (( فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حزن ) ).

فهذا لو صح كأن المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، لكن سنده ضعيف انتهى.

وقال ابن القيم: التحقيق الذي لا اختلاف فيه أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ ليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد، وكلها على اختلاف محالها وتباين مقامها لها اتصال بأجسادها في قبورها ليحصل لها من النعيم والعذاب ما كتب لها، فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟.

وأجاب القاضي عياض باحتمال أنها تعرض على آدم أوقاتًا فصادف وقت عرضها مرور النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.

(حَتَّى عَرَجَ بِي) بفتحتين؛ أي: جبريل غاية لقوله: علونا السماء (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ) أي: بابها (فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ) ما موصولة أو نكرة موصوفة (فَفَتَحَ قَالَ) وفي رواية: بالفاء (أَنَسٌ فَذَكَرَ) أي: أبو ذر (أَنَّهُ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم.

(وَجَدَ) بفتحات (فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ولم يذكر السلام لعدم كراهة إفراد الصلاة عنه عنده أو أتى به لفظًا (وَلَمْ يُثْبِتْ) بضم أوله من الإثبات؛ أي: أبو ذر، كما في (( الفتح ) ).

(كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: من هذا الطريق من كون آدم في السماء الدنيا، وعيسى ويحيى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، كما جاء في (( الصحيحين ) )من حديث أنس عن مالك بن صعصعة (غَيْرَ أَنَّهُ) أي: أبا ذر (ذَكَرَ: أَنَّهُ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (وَجَدَ) أي: رأى (آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) .

قال في (( الفتح ) ): هو موافق لرواية شريك عن أنس، والثابت في جميع الروايات غير هاتين أنه في السماء السابعة، فإن قلنا: بتعدد المعراج فلا تعارض، وإلا فرواية الجماعة أرجح لقوله فيها أنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وهو في السابعة بلا خلاف، ولأنه قال هنا: إنه لم يثبت كيف منازلهم فرواية من أثبتها أرجح انتهى.

وتعقب العيني قوله: (( وهو في السابعة بلا خلاف ) )فقال: هو غير صحيح؛ لأن فيه خلافًا، روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع: (( أنه في السماء الدنيا ) )، وروي عن علي رضي الله عنه: (( أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة ) )، وروي عن مجاهد والضحاك: (( أنه في السابعة ) ).

فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟

قلت: لا منافاة بينها؛ لأنه يحتمل أن الله رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السابعة تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.

وفي (( تفسير النسفي ) ): البيت المعمور حذاء العرش بحياز الكعبة يقال له: الضراح؛ أي: بالضاد المعجمة المضمومة وراء وحاء مهملة، ويقال له: الضريح أيضًا حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة فحمل إلى الأرض لأجل آدم ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان انتهى.

ولم يتعرض في (( الانتقاض ) )للجواب عن هذا التعقب.

وأقول: الذي يلوح من كلام صاحب (( الفتح ) ): أن مراده أن البيت الذي في السماء السابعة وقع الاتفاق على إطلاق البيت المعمور عليه، وأما ما وقع في بعض الروايات من كونه في السماء السادسة عند سدرة المنتهى، أو في سماء الدنيا، ففي إطلاق اسم البيت المعمور عليه خلاف مبني على أنه يتنقل من سماء إلى سماء، وهذا بعيد عن العقل ويحتاج إلى ثبوت ونقل فليتأمل.

(قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِدْرِيسَ) .

قال في (( الفتح ) ): ظاهره أن هذه القطعة لم يسمعها أنس من أبي ذر، والجار والمجرور في الموضعين يتعلق بمر إلا أن الباء الأولى للمصاحبة، والثانية للإلصاق أو بمعنى على فلا يرد أن الفعل الواحد لا يتعدى بحرفين بمعنى واحد، فلا يقال: مررت بزيد بعمرو إذا كانت الباء فيهما للإلصاق بدون عطف.

(قَالَ) أي: إدريس (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) لم يقل والابن الصالح كما قال آدم، قال الكرماني: لأن إدريس لم يكن من آباء الرسول صلى الله عليه وسلم، وبه استدل قائله عليه وإن صح أنه من آبائه فيحتمل أن يكون قاله تلطفًا وتأدبًا وتواضعًا، وهو أخ، وإن كان أبًا، والأنبياء أخوة، والمؤمنون أخوة.

وقال النووي: ليس في قوله والأخ ما يمنع كون إدريس أبًا لنبينا، وأنه قال وللأخ تلطفًا وتأدبًا وهو أخ وإن كان أبًا؛ أي: الأنبياء إخوة كيف المؤمنين.

وجزم في (( المنحة ) )بأنه ليس من آبائه صلى الله عليه وسلم وكتب السير على خلاف ذلك.

(فَقُلْتُ) لجبريل (مَنْ هَذَا؟ قَالَ) وللأصيلي: (( بالفاء ) ) (هَذَا إِدْرِيسُ) عليه السلام (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى) عليه السلام (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) وسقط قوله: في رواية الأربعة، كما في الفرع.

(قُلْتُ) وفي بعض النسخ: بالفاء (مَنْ هَذَا؟) يا جبريل (قَالَ: هَذَا مُوسَى) ابن عمران (ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى) ابن مريم (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قال عليه السلام: (قُلْتُ) وفي رواية: (مَنْ هَذَا؟) يا جبريل(قَالَ: هَذَا

ج 2 ص 109

عِيسَى)وسقط لفظ لأبي ذر، وليست ثم هنا للترتيب الزماني إن قلنا بعدم تعدد الإسراء، بل الذكر بخلاف الروايات متفقة على أن المرور به كان قبل المرور بموسى، كذا في (( الفتح ) ).

(ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ) عليه السلام (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) ولا شك أن إبراهيم عليه السلام من آبائه صلى الله عليه وسلم (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟) يا جبريل (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صلى الله عليه وسلم) وقال الكرماني: فإن قلت: علم بثم الترتيب بين منازلهم فما وجه التوفيق بينه وبين ما قال ولم يثبت أبو ذر كيف منازلهم؟.

قلت: إما إن أنسًا لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال لم يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأن بين آدم وإبراهيم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السموات أو خمسة إذ جاء في بعض الروايات: (( وإبراهيم في السماء السابعة ) ).

فإن قلت: ما التوفيق بينهما؟.

قلت: لعله وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم أيضًا إلى السابعة وإن كان الإسراء مرتين فلا إشكال فيه انتهى.

وقال أيضًا: فإن قلت: كيف قال: ثم مررت بعد أن قال: فلما مر جبريل بالنبي؟.

قلت: إما أن يقدر قبل ثم مررت لفظ قال النبي، وإما أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، وثانيًا نقلًا باللفظ بعينه انتهى.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري يجوز أن يكون تعليقًا، ويجوز أن يكون متصلًا بالإسناد السابق (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد ولد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر صلى الله عليه وسلم أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة عن ثلاث وخمسين سنة وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في (( الصحابة ) )، ولم يسمع الزهري منه لتقدم موته.

(أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله (وَأَبَا حَبَّةَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة على المشهور، وعند القابسي مثناة تحتية وغلط في ذلك وذكره الواقدي بالنون، كذا في (( الفتح ) ).

(الأَنْصَارِيَّ الصحابي) واختلف في اسمه فقال أبو زرعة: عامر، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت.

قال في (( الفتح ) ): لكن رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنه استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر، وقبل موت أبيه محمد أيضًا انتهى.

ولا يصح أن يراد بابن حزم محمد والد أبي بكر فلا يستقيم أيضًا؛ لأن الزهري لم يدركه.

وأجاب الكرماني: بأن ابن حزم روى مرسلًا حيث نقل بكلمة إن عنهما، ولم يقل نحو سمعت وأخبرني فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في (( صحيح مسلم ) )انتهى.

وأقول: في هذا الجواب نظر إذ غاية ما فيه أنه يخرج رواية أبي بكر عن أبي حبة بهذا التأويل عن الكذب، ولا يخرجها عن الانقطاع في نفس الأمر لعدم إدراك أبي بكر أبا حبة كما اعترف به هو، ففي رواية أبي بكر عن أبي حبة تدليس باعتبار إسقاطه الواسطة وإيهامه الرواية عنه.

(كَانَا يَقُولاَنِ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ثُمَّ عُرِجَ بِي) بفتحات أي جبريل ويجوز أن يكون مبنيًا للمفعول (حَتَّى ظَهَرْتُ) بالظاء المشالة؛ أي: علوت (لِمُسْتَوًى) بضم الميم وفتح الواو؛ أي: مكان مشرف يستوي عليه أو هو المصعد، قال النضر بن شميل: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وهو على سطح فقال استو؛ أي: اصعد، وفي بعض الأصول: (( بمستوى ) )بالباء بدل اللام.

قال الكرماني: وقيل: اللام فيه للعلة؛ أي: علوت لاستعلاء مستوى، أو لرؤيته، أو لمطالعته، أو بمعنى إلى قال تعالى: {أَوْحَى لَهَا} ؛ أي: إليها والمعنيان؛ أي: الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم للغرض انتهى.

(أَسْمَعُ فِيهِ) أي: في المستوى (صَرِيفَ الأَقْلاَمِ) بفتح الصاد المهملة؛ أي: تصويتها قال: كتابة الملائكة والمراد ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى وتنسخه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد من أمره وتدبيره، والله تعالى غني عن الاستذكار بتدوين الكتب والاستثبات بها فهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وإنما ذلك لأسرار يعلمها سبحانه وتعالى من جملتها إقامة الحجة على من يشاء من خلقه.

(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه ابن شهاب (وَ) قال (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) فهو عطف على ابن حزم؛ أي: عن أبي ذر.

قال في (( الفتح ) ): كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة

ج 2 ص 110

ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة.

وقال الكرماني: الظاهر أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، وليس بين أنس وبين رسول الله ذكر أبي ذر، ولا بين ابن حزم ورسول الله ذكر ابن عباس وأبي حبة فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدم آنفًا مع أن الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: قال رسول الله يكون بدون الواسطة، فلعل أن أنسًا سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباقي سمعه من أبي ذر انتهى.

(قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَفَرَضَ اللَّهُ) زاد الأصيلي: (عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً) .

قال في (( الفتح ) ): في رواية ثابت عن أنس عند مسلم: (( ففرض الله عليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة ) )، ونحوه في رواية مالك بن صعصعة عن المصنف، فيحتمل أن يقال في كل من رواية الباب والرواية الأخرى اختصارًا، ويقال ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه انتهى، وهنا موضع المطابقة للترجمة.

(فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ) أي: بفرض الخمسين صلاة (حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) عليه السلام (فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ) هكذا في أكثر النسخ بزيادة لك واللام للتعليل (عَلَى أُمَّتِكَ؟) متعلق بفرض (قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ) أي: موسى عليه السلام (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أي: إلى المكان الذي ناجيته فيه.

(فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ) المقدار المفروض، وقد يشار بذا لمتعدد كقوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة:68] وسقط لفظ لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر (فَرَاجَعَنِي) فاعله ضمير ربك، وللأربعة ونسبها في (( الفتح ) )للكشميهني: وهي أنسب وإن كان مآل المعنى واحدًا؛ لأن المفاعلة تكون من الطرفين لكنها تنسب الفاعلية فيها إلى البادي صراحة كقاتل زيد عمر إذا كان زيد هو البادي بالمقاتلة وفي الكلام إيجاز؛ أي: راجعت ربي وسألته التخفيف.

(فَوَضَعَ) أي: طرح (شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة: (( فوضع عني عشرًا ) )، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت: (( فحط عني خمسًا ) ).

قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم؛ أي: من كونه وقع دفعة واحدة.

قال في (( الفتح ) ): وكذا العشر فكأنه وضع العشر في دفعتين والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر في حديث الباب البعض، وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها، وأما قول الكرماني الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر يعني نصف الخمس وعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعة، كذا قال وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء إلا أن يقال حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل فالمعتمد ما تقدم انتهى.

وقال العيني: قلت: هذا كلام لا يتجه وهو مخالف لظاهر عبارة حديث الباب؛ لأن المراجعة المذكورة فيه ثلاث مرات، ولم يحصل الوضع إلا في المرتين الأوليين، وفي المرة الثالثة قال: هن خمس وهن خمسون فلم يحصل الوضع هاهنا، ويلزم من كلامه أن تكون المراجعة أربع مرات في الأولى الشطر، وفي الثانية ثلاث عشرة، وفي الثالثة سبعة، وفي الرابعة قال: هن خمس وليس الأمر كذلك انتهى.

(فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ) وللأصيلي: (وَضَعَ عَنِّي شَطْرَهَا، فَقَالَ) ولأبوي ذر والوقت: (رَاجِعْ رَبَّكَ) وفي رواية: (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ ربي) ولابن عساكر: (فَوَضَعَ عني شَطْرَهَا) أي: شطر الصلوات الباقية بعد إسقاط الشطر الأول، ومقتضاه أن يكون وضع عنه اثنتي عشرة صلاة ونصف وذلك باطل فتحمل على ما تقدم من جبر الكسر، أو حمل الشطر على البعض.

(فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى موسى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ) تعالى (فَقَالَ) جل وعلا (هِيَ خَمْسٌ) أي: الصلوات المفروضات بحسب الفعل والعد خمس (وَهْيَ) الصلوات المذكورات بحسب الثواب (خَمْسُونَ) كما قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، ونسبها في (( الفتح ) )لغير أبي ذر: (( هن ) )في الموضعين بضمير جمع المؤنث.

قال في (( الفتح ) ): ودلت مراجعته صلى الله عليه وسلم لربه في طلب التخفيف تلك المرات كلها أنه علم أن الأمر في كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المرة الأخيرة ففيها ما يشعر بذلك لقوله سبحانه وتعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29] .

ج 2 ص 111

وقال الكرماني: مراجعة الرسولين إلى الرب إما لأنهما عرفا أن الأمر الأول ليس على سبيل القطع والإبرام، وإما لأنهما طلبا ترحمه على عباده بنسخها.

(لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) يبدل: بضم أوله وتشديد الدال المفتوحة؛ أي: قال تعالى: لا يبدل قول مساواة الخمس للخمسين في الثواب.

وقال الكرماني: فإن قلت: لم لا يكون معناه لا ينقص من الخمس، ولا يبدل الخمس إلى أقل من ذلك؟.

قلت: لا يناسبه لفظ استجيبت من ربي انتهى.

وأقول: في كلامه غموض يحتاج إلى البيان وإيضاحه أنه لو كان عدم تبديل القول راجعًا إلى النقص من الخمس لما كان المانع له من مراجعة ربه جل وعلا الاستحياء بل الجزم، والحكم منه تعالى بعدم ذلك فينقطع الطمع عن التنقيص، وأما إذا كان راجعًا إلى كون الخمسة يساوي ثوابها الخمسين فيبقى احتمال التنقيص عن الخمس في حيز الجواز، لكن منعه عنه صلى الله عليه وسلم الاستحياء من ربه عن المراجعة بعد تخفيفه الخمسين إلى الخمس، ويدل لذلك ما قال ابن المنير: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم تفرس من كون التخفيف وقع خمسًا خمسًا أنه لو يسأل التخفيف بعد أن صارت خمسًا لكان سائلًا رفعها فلذلك استحيا انتهى.

قال في (( الفتح ) ): واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس كالوتر، وعلى دخول النسخ في الإنشاءات، ولو كانت مؤكدة خلافًا لقوم فيما أكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل.

قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى، ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب.

وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ فهو مشكل عليهم جميعًا قال: وهذه نكتة مبتكرة.

قلت: إن أراد قبل البلاغ لكل أحد ممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى الأمة فمسلم، لكن قد يقال: ليس هذا بالنسبة إليهم نسخًا لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كلف بذلك قطعًا ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل فالمسألة صحيحة التصوير في حقه صلى الله عليه وسلم انتهى.

وقد تعقب البدر الدماميني في شرحه نقل ابن المنير الاتفاق على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ بقوله: قلت: بل الخلاف مأثور نص عليه ابن دقيق العيد وغيره.

أقول: ويؤيده ما ذكره السبكي في (( جمع الجوامع الأصولي ) )بقوله: والمختار أن الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة لا يثبت في حقهم لعدم علمهم به، وقيل: يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة لا بمعنى الامتثال كما في النائم انتهى.

ويمكن الجواب: بأن مراد ابن المنير اتفاق أهل مذهبه فلا ينافيه وقوع الخلاف فيه من غيرهم، ثم إن قول صاحب (( الفتح ) )واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس كالوتر.

أجاب عنه العيني بقوله: قلنا: نحن إنما نقول لم يجب الوتر في ذلك الوقت، وإنما كان وجوبه بعد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله زادكم صلاة ) )الحديث، فلذلك انحطت درجته عن الفرض؛ لأن ثبوت الفرض بدليل قطعي انتهى.

وتمام الحديث من حديث عمرو بن العاص وعقبة بن عامر إلى صلاتكم وهي الوتر، وزاد الحاكم والبيهقي: (( هي خير لكم من حمر النعم ) ).

وأقول: الإيراد من أصله غير وارد على أبي حنيفة؛ لأنه يسلم عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس؛ لأن الوتر عنده واجب لا فرض، ولهذا لا يكفر جاحده.

بقي هنا شيء وهو أن جميع ما رأيناه من كلام الشراح متفق على أن معنى قوله: (( هن خمس وهن خمسون ) )أن ثواب الخمس مضاعف تضعيف الحسنة إلى عشر أمثالها المأخوذ من الآية الكريمة فيحتاج قوله: (( وهن خمسون ) )إلى تقدير مضافين الأول قبل وهن، والثاني قبل خمسون؛ أي: وثوابهن ثواب خمسين فلا يبقى لقوله: وهن خمسون فائدة؛ لأنه لو اقتصر على قوله: هن خمس لعلم منه أن ثوابهن ثواب خمسين من المضاعفة المعلومة لسائر الحسنات، فاللائق بكرم الله تعالى وفضله الواسع، وإكرامه لحبيبه وامتنانه عليه وإظهار مزيته على النبيين أن يكون معنى قوله: (( وهن خمسون ) )أن هذه الخمس معدودة بخمسين صلاة، وسقط فعل ما عدا الخمس تخفيفًا وبقي ثوابها، فكأنه صلى الله عليه وسلم وأمته يصلون في اليوم والليلة خمسين صلاة، وتعتبر المضاعفة إلى عشر أمثالها في كل واحدة هذا هو اللائق بهذا المقام المحبو فيه الحبيب بغاية الزلفى، ومزيد الإكرام مما لم يتفق لغيره من الأنبياء الكرام وهو المتبادر

ج 2 ص 112

للأفهام من ظاهر اللفظ، وفحوى الكلام هذا ما أدى إليه الفهم السقيم بإلهام ذي الفضل العظيم، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.

(فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى) عليه السلام (فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) وللأصيلي: (فَقُلْتُ) ولأبي ذر: (اسْتَحْيَيْتُ) وللأصيلي: (مِنْ رَبِّي) قد تقدم ما ذكره ابن المنير في سبب الاستحياء آنفًا مع ما انضم إليه من قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق:29] .

قال في (( الفتح ) ): وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لما كان موسى عليه السلام قد طلب الرؤيا فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد صلى الله عليه وسلم قصد بتكرير رجوعه إليه تكرير رؤيته ليرى من رأى كما قيل لعلي: أراهم أو أرى من يراهم.

قلت: ويحتاج إلى ثبوت تجدد الرؤية كل مرة انتهى.

وقيل: إن موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم استدرك ذلك ببذل النصيحة، والشفقة عليهم ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه مما وقع منه في الابتداء.

وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي في أمر الصلوات لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات ما لم يكلف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم فأشفق موسى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، ويشير إليه قوله: إني قد جربت الناس قبلك انتهى.

(ثُمَّ انْطَلَقَ بِي) وفي بعض النسخ: إسقاط (( بي ) )وانطلق بفتح الطاء مبنيًا للفاعل؛ أي: الملك الذي هو جبريل (حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) وللأربعة: (( السدرة المنتهى ) ).

فإن قلت: فيه إدخال أل على المضاف والمضاف إليه وهو ممتنع في غير الإضافة اللفظية.

قلت: الظاهر أن السدرة في هذه الرواية غير مضافة للمنتهى، وإنما المنتهى مرفوع بالفاعلية لانتهى، وإسناد الانتهاء إليه مجاز عقلي هذا ما ظهر لهذا الحقير فليتأمل.

وهي في أعلى السموات، وفي مسلم: (( أنها في السادسة ) )، ويمكن الجمع بينهما بأن أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة، وسميت بالمنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها أو لأنها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها أو لأن أرواح الشهداء أو أرواح المؤمنين تنتهي إليها.

وقال الكرماني: هي الشجرة التي في أعلى السموات وسميت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قيل: إن لنبينا صلى الله عليه وسلم مقامين يغبطه بهما الملائكة كلهم:

أحدهما: في الدنيا ليلة المعراج، وثانيهما: في العقبى وهو المقام المحمود.

(وَعليهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ) قال الكرماني: هو كقوله تعالى: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم:16] في أن الإبهام للتفخيم والتهويل وإن كان معلومًا انتهى.

وقال العيني: وقيل: فراش من ذهب، وقيل: لعله مثل ما يغشى الأنوار التي تنبعث منها وتتساقط على موقعها بالفراش، وجعلها من الذهب لصفائها وإضاءتها في نفسها انتهى.

وفي مسلم: (( إذ يغشى السدرة ما يغشى قال: فراش في الجنة ) ).

(ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أدخلنيها جبريل بإذن الله تعالى له (فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) بالحاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف تحتانية ثم لام.

قال في (( الفتح ) ): كذا وقع لجميع رواة البخاري في هذا الموضع، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف وإنما هو جنابذ بالجيم والنون وبعد الألف موحدة ثم ذال معجمة، كما وقع عند المصنف في أحاديث الأنبياء من رواية ابن المبارك وغيره عن يونس، وكذا عند غيره من الأئمة، ووجدت في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر في هذا الموضع جنابذ على الصواب، وأظنه من إصلاح بعض الرواة.

وقال ابن حزم في أجوبته على مواضع من البخاري: فتشت على هاتين اللفظتين فلم أجدهما ولا واحدة منهما، ولا وقفت على معناهما انتهى.

وذكر غيره أن الجنابذ شبه القباب واحدتها: جنبذة وهو ما ارتفع من البناء، وهو فارسي معرب، وأصله بلسانهم كنبذه بوزنه لكن الموحدة مفتوحة والكاف ليست خالصة، ويؤيده ما رواه المصنف في التفسير من طريق شيبان، عن قتادة، عن أنس قال: (( لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ ) ).

وقال صاحب (( المطالع ) ): في الحبائل قيل: هي القلائد والعقود، أو هي من حبال الرمل؛ أي: فيها لؤلؤ مثل حبال الرمل؛ أي: جمع حبل وهو ما استطال من الرمل، وتعقب بأن الحبائل لا تكون إلا جمع حبالة أو حبيلة بوزن عظيمة.

ج 2 ص 113

وقال بعض من اعتنى بالبخاري: الحبائل جمع: حبالة وحبالة جمع حبل على غير قياس، وللمراد أن فيها عقودًا وقلائد من اللؤلؤ انتهى.

(وَإِذَا تُرَابُهَا الْ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت