وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:
24 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي السابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأصيلي: (مَالِكُ) ولكريمة وأبي الوقت: أي: إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال.
وقال ابن المسيب: كان أشبه ولد عبد الله بعبد الله، وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر، وقال مالك: لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه كان يلبس الثوب بدرهمين.
وقال ابن راهويه: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه، وكان أبوه يلام في إفراط حب سالم، مات بالمدينة سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان، وصلى عليه هشام بن عبد الملك وله إخوة عبد الله، وعاصم، وحمزة، وبلال، وواقد، وزيد، وكان عبد الله وصي أبيه فيهم، روى عنه منهم أربعة عبد الله وسالم وحمزة وبلال.
(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ) أي: اجتاز (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) ولمسلم من طريق معمر: (( مر برجل ) )، ومر يتعدى بالباء وبعلى (وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ) أي: في الدين أو في النسب.
قال في (( الفتح ) ): ينصحه أو يخوفه أو يذكره كذا شرحوه، والأولى أنه يشرح بما جاء عند المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي مسلمة عن ابن شهاب ولفظه: يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول: قد أضر بك انتهى.
ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متحد فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر انتهى.
واعترضه العيني: بأنه بعيد من حيث اللغة، فإن معنى الوعظ الزجر، ومعنى العتب الوجد عليه، يقال: عتب عليه إذا وجد يعتب ويعتب عتبًا ومعتبًا على أن الروايتين يدلان على معنيين جليلين ليس في أحدهما خفاء حتى يفسر بالآخر غايته أنه وعظ أخاه في استعمال الحياء، وعاتبه عليه انتهى.
(فِي الْحَيَاءِ) أي: في شأنه فيقبح له ارتكابه وينهاه عنه؛ لأنه ربما أدى إلى فوات مطلوب صاحبه (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ) أي: اتركه على حيائه وكف عن تعنيفه على الحياء، وأماتت العرب ماضي يدع ويذر، ولكن جاء استعمال ماضي يدع على قلة وقد قرئ شاذًا: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى:3] بالتخفيف، وقال أنس بن زنيم:
~ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه
وكما أماتوا ماضيهما كذلك أماتوا بقية متصرفاتهما ما عدا المضارع والأمر فلا يقولون وادع ولا مردوع بل تارك ومتروك.
(فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبة من شعب الإيمان فلا يأتي إلا بخير إذا استعمل على قانونه الشرعي، وحينئذ يكون مانعًا عن المعاصي وباعثًا على الطاعات، وأما إذا كان على غير قانونه الشرعي فإنه مذموم كالحياء المانع عن الحق أو عن السؤال عن أمور دينه، ومثل هذا يسمى جبنًا لا حياء.
وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز.
ج 1 ص 251
وقال في (( الفتح ) ): قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقًا، وقلما يكون الشجاع مستحييًا، وقد يكون لمطلق الانقباض كما في بعض الصبيان انتهى ملخصًا.
وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره أعم من أن يكون شرعيًا أو عقليًا أو عرفيًا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( الحياء شعبة من الإيمان ) )أي: أثر من آثار الإيمان.
قال الحليمي: حقيقة الحياء خوف الذم بنسبة الشر إليه، وقال غيره: فإن كان في محرم فهو واجب، وإن كان في مكروه فهو مندوب، وإن كان في مباح فهو العرفي وهو المراد بقوله: (( الحياء لا يأتي إلا بخير ) )ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع إثباتًا أو نفيًا، والله أعلم انتهى بحروفه.
وإنما أكدت هذه الجملة بأن؛ لأن المخاطب وهو الواعظ كان شاكًا ومترددًا في أن الحياء من الإيمان، فيكون على هذا التقدير التأكيد استحسانيًا، ويحتمل أن يكون منكرًا، ولذا نهى أخاه عن الحياء فيكون التأكيد واجبًا، وقد يكون الحياء شعبة من الإيمان فما فائدة التكرار؟
قلت: كأن المقصود ثمة بيان أمور الإيمان فإنه من جملتها فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض، وهاهنا ذكره بالقصد وبالذات.
فإن قلت: فإذا كان الحياء بعض الإيمان فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان، وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان فيلزم أن الشخص إذا لم يستحي يكون كافرًا؟
قلت: المراد من الإيمان هو الإيمان الكامل والتقرير ظاهر، نعم لو قيل الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان لكان مشكلًا انتهى.
ووافقه العيني على ورود هذا الإشكال فقال: نعم الإشكال قائم على قول من يقول أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا لم يقل به المحققون كما ذكرناه فيما مضى انتهى.
وأقول: كون الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان على وجه ينتفي الإيمان بانتفائها لم يقل به أحد من أهل السنة، وإنما هو مذهب المعتزلة القائلين بأن المعاصي تخرج العبد من الإيمان ولا تدخله الكفر، ومذهب الخوارج القائلين بأن المعاصي تخرج العبد من الإيمان وتدخله في الكفر فلا ورود للإشكال إلا على هذين المذهبين وليسا من مذاهب أهل السنة فليتأمل.
وفي الكرماني أيضًا: وأما إطلاق الحياء على الله تعالى في نحو: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً} [البقرة:26] فإنه من باب المشاكلة فإنه لما قال المنافقون: أما يستحي رب محمد أن يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه؟!
أجابهم بذلك ومن هذا القبيل أيضًا قوله عليه السلام: (( إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا ) )انتهى.