وبالسند قال:
214 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: (سُفْيَانُ) الثوري (عَنْ عَمْرِو) بفتح العين (بْنِ عَامِرٍ) الأنصاري رضي الله عنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وللأصيلي: إشارة إلى التحويل على الأصح، وقيل: إلى الحائل، وقيل: إلى صح، وقيل:
ج 1 ص 686
إلى الحديث كما مر.
قال في (( الفتح ) ): هو تحويل إلى إسناد ثانٍ قبل ذكر المتن، وإنما ذكره وإن كان الأول أعلى؛ لتصريح سفيان الثوري فيه بالتحديث. انتهى.
يعني: أن سفيان من المدلسين والمدلس لا يقبل حديثه المعنعن، إلا أن يثبت سماعه من طريق آخر.
(قَالَ) أي: المؤلف رحمه الله تعالى (وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا يحيى بن سعيد) القطان (عَنْ سُفْيَانَ) الثوري (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ) الأنصاري (عَنْ أَنَسٍ) وللأصيلي: رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ) مفروضة من الأوقات الخمسة.
زاد الترمذي من طريق حميد عن أنس: (( طاهرًا وغير طاهر ) )ولفظة: كان في مثل هذا الموضع تدل على المداومة، لكن حديث سويد الآتي يدل على أن ذلك غالب أحواله، وحينئذٍ فيدل على الاستحباب وإلا لما وسعه الترك، ولأن الأصل عدم الوجوب.
قال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه خاصة، ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة؛ أي: الذي أخرجه مسلم: (( أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، وأن عمر سأله فقال عمدًا فعلته ) ).
قال: ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا، ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه؛ لبيان الجواز.
قال في (( الفتح ) ): وهذا أقرب، وعلى التقدير الأول؛ فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان، فإنه كان في خيبر، وهي قبل الفتح بزمان.
(قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) القائل: عمرو بن عامر مخاطبًا للصحابة ومنهم أنس (قَالَ) أي: أنس رضي الله عنه (يُجْزِئُ) بضم أوله وهمز آخره من أجزأ مهموز اللام؛ أي: يكفي (أَحَدَنَا) بالنصب مفعول مقدم ليجزئ.
وقوله: (الْوُضُوءُ) بالرفع فاعله (مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي: مدة عدم حدثه، وعند ابن ماجه: (( وكنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ) )، وهذا مذهب الجمهور أن الوضوء لا يجب إلا من حدث.
قال العيني: وذهبت طائفة من الظاهرية والشيعة إلى وجوب الوضوء في كل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين، واحتجوا في ذلك بحديث بريدة بن الحصيب: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد ) )الحديث.
وذهبت طائفة إلى أن الوضوء واجب لكل صلاة مطلقًا من غير حدث، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى وجابر بن عبد الله وعبيدة السلماني وأبي العالية وسعيد بن المسيب وإبراهيم والحسن، وحكى ابن حزم في كتاب (( الإجماع ) )هذا المذهب عن عمرو بن عبيد، ومذهب أكثر العلماء من الأئمة الأربعة، وأكثر أصحاب الحديث وغيرهم: أن الوضوء لا يجب إلا من حدث، وقد استدل الدارمي على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا وضوء إلا من حدث ) ).
وقال الطحاوي: قد يجوز أن يكون وضوءه صلى الله عليه وسلم لكل صلاة على التماس الفضل لا على الوجوب.
وفي (( الفتح ) ): وتقدم أن من العلماء من حمل الآية على ظاهرها.
وقال: كان الوضوء لكل صلاة واجبًا، ثم اختلفوا هل نسخ أو استمر حكمه؟.
ويدل على النسخ: ما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث عبد الله بن حنظلة: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة فلما شق عليه أمر بالسواك ) ).
ثم قال: ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الاستحباب، وحصل بيان ذلك بالسنة كما في حديث الباب. انتهى.
وهو مبني على مذهبه من جواز استعمال الشيء في حقيقته ومجازه.
وقال العيني متعقبًا لكلام صاحب (( الكشاف ) )في قوله: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟.
قلت: يحتمل أن يكون الأمر شاملًا للمحدثين وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب لا تحمل الآية على ذلك؛ لأن احتمال الكلمة الواحدة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية فلا يجوز. انتهى.
وذهب إبراهيم النخعي: إلى أنه لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات.