فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 1465

وبه قال:

15 - (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: (يَعْقُوبُ) هو أبو يوسف بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح الدورقي البصري، ساكن بغداد، ودورق كما قال الكرماني وغيره: قلانس كانوا يلبسونها فنسبوه إليها، وهو شيخ أصحاب الأصول الخمسة وغيرهم، مات سنة ثنتين وخمسين ومائتين عن ست وثمانين سنة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية نسبة إلى أمه على الصحيح، وهو أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن سهم الأسدي مولاهم البصري، كان أبوه تاجرًا من أهل الكوفة، وقدم البصرة فتزوج بها علية بنت حسان مولاة لبني شعبان، وكان يكره أن ينسب إليها، ويجوز نسبته إليها للتعريف، قال شعبة: ابن علية ريحانة الفقهاء، وفي رواية سيد المحدثين، سمع عبد العزيز بن صهيب، وأبوب السختياني، وسمع من محمد بن المنكدر أربعة أحاديث، وسمع خلقًا غيرهم، اتفق على جلالته وتوثيقه، توفي ببغداد، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت أمه علية نبيلة عاقلة، وكان صالح المزي وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهاؤها، يدخلون عليها فتتزر لهم وتحادثهم روى لهم الجماعة.

(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضم الصاد على صيغة التصغير أبو حمزة البناني، مولاهم البصري، وبنانا بطن

ج 1 ص 219

من قريش وهو تابعي كأبيه، سمع أنسًا روى عن شعبة وقال: هو عندي في أنس أحب إلي من قتادة، اتفق على توثيقه روى له الجماعة، قال ابن قتيبة: هو وأبوه كانا مملوكين.

(عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأصيلي: (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ولابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم) ولفظ متن هذا السند كما رواه ابن خزيمة في (( صحيحه ) ) (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله) بدل من والده وولده، وفي فرع اليونينية هنا علامة التحويل (ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس بواو العطف على السند السابق العاري من المتن الموهمة لاستواء السندين في المتن الآتي.

قال في (( الفتح ) ): عطف الإسناد الثاني على الأول قبل أن يسوق المتن فأوهم استواءهما، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه: (( والناس أجمعين ) ).

ولفظ عبد العزيز مثله إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد من أهله وماله بدل من والده وولده، كذا لمسلم من طريق ابن علية وكذا للإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه: (( لا يؤمن الرجل ) )وهو أشمل من جهة (( وأحدكم ) )أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي: فإن قيل فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك، فالجواب أن البخاري يصنع مثل هذا نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، واقتصر على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة، ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة؛ لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي انتهى.

(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ قَتَادَةَ) ابن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك (رضي الله عنه قَالَ) أي: أنس (قَالَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمان الكامل (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ) أي: أصله وفرعه، فيعم الأم والجد وإن علا وولد الولد وإن سفل (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) من عطف العام على الخاص كما في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ} [النبأ:38] عكس قوله تعالى {وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} [البقرة:98] فإنه تخصيص بعد التعميم.

قال الكرماني: فإن قلت: فهل يدخل في لفظ الناس نفس الرجل، أو تكون إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه يفهم منه خروج زيد منهم؟

قلت: لا يخرج لأن لفظ عام وما ذكر، ثم ليس من المخصصات انتهى.

وتعقبه ابن الكمال على عادته فقال: دخول نفس الرجل في عموم الناس مما لا وجه له لما عرفت فيما سبق، ولأن قصد إدخاله خلاف مقتضى البلاغة، فإنه على ذلك التقدير حق التخصيص بالذكر قبل التعميم له لمزيته على الوالدين انتهى.

وما أحال عليه فيما سبق هو قوله: وإنما لم يذكر نفسه؛ لأن الإيمان لأجلها فإنه لتخليصها من العذاب، وإيصالها إلى دار الثواب، فلا وجه لأن يعتبر فيه ما ذكر انتهى. وفيه نظر لا يخفى على المتأمل.

وفي (( المواهب اللدنية ) ): أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ ) ).

وفيها أيضًا أنه لما قيل يوم أحد: قتل محمد صلى الله عليه وسلم، وكثرت الصوارخ بالمدينة خرجت امرأة من الأنصار فاستقبلت بأخيها وأبيها وابنها وزوجها قتلى لا تدري بأيهم، استقبلت، وكلما مرت بواحد منهم صريعًا قالت من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وابنك قالت: فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: أمامك حتى ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب، وفي رواية لابن إسحاق: (( فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل يعني صغيرة ) )رضي الله تعالى عنها انتهى.

ثم ذكر عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا لا يستطيعون الصبر عنه صلى الله عليه وسلم، وفيها وفي الشفاء من ذلك ما يشفي ويكفي.

وفي (( شرح المشكاة ) )للمحقق علي القاري: وممن ارتقى إلى غاية هذه المرتبة، ونهاية هذه المزية سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فإنه لما سمع هذا الحديث أخبر بالصدق حتى وصل ببركة صدقه إلى كمال ذلك فقال بمقتضى الأمر الطبيعي: لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: (( لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ) )فقال عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي فقال: (( الآن يا عمر ) )رواه البخاري.

وهو يحتمل احتمالين:

أحدهما: أنه فهم أولًا أن المراد به الحب الطبيعي، ثم علم أن المراد الحب الإيماني والعقلي فأظهر بما أضمر.

وثانيهما: أنه أوصله الله تعالى إلى المقام الأتم ببركة توجهه صلى الله عليه وسلم، فطبع في قلبه حبه حتى صار كأنه حياته ولبه، ولذا قيل: هذه المحبة منه ليست اعتقاد الأعظمية فحسب؛ لأنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا، بل أمر يترتب على ذلك به يفنى المتحلي به عن حظ نفسه، وتصير خالية من غير محبوبه.

قال القرطبي: وكل من صح إيمانه به صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة، وإن استغرق بالشهوات، وحجب بالغفلات في أكثر الأوقات بدليل أنا نرى أكثرهم إذا ذكر صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته، وآثرها على أهله وماله وولده، وأوقع نفسه في المهالك والمخاوف مع وجدانه من نفسه الطمأنينة بذلك وجدانًا لا تردد فيه، وشاهد ذلك في الخارج إيثار كثيرين لزيادة قبره الشريف، ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر لما وقر في قلوبهم من محبته غير أن قلوبهم لما توالت عليها الغفلات، وكثرة الشهوات كانت في أكثر أوقاتها مشتغلة بلهوها ذاهلة عما ينفعها، ومع ذلك هم في بركة ذلك النوع من المحبة فيرجى لهم كل خير إن شاء الله تعالى، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا

ج 1 ص 220

المعنى أتم لأن ثمرة المعرفة وهم بقدره ومنزلته أعلم انتهى.

مهمة: قال في (( الفتح ) ): وفي هذا الحديث إيماء إلى أفضلية التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه، وإما غيرها.

أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالًا ومالًا، فإذا تأمل النفع الحاصل به من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالتسبب.

علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم؛ لأنه ثمرة المعرفة وهم بها أعلم انتهى.

أقول: ويترتب على ذلك كما ذكره بعض المحققين أن يكون جزعه وحزنه وقلقه على فراق النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا أكثر من فراق أبويه، كما يجب أن يكون عنده أحب إليه من نفسه وأهله وماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت