فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1

وبالسند إلى المؤلف قال:

161 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المهملة وإسكان الموحدة، واسمه: عبد الله بن عثمان المروزي (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) ابن المبارك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) ابن يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم بن شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله بالهمز والذال المعجمة بن عبد الله الخولاني بالمعجمة، التابعي الجليل، قاضي دمشق لمعاوية، المتوفى سنة ثمانين.

(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، زاد مسلم من طريق ابن المبارك وغيره: عن يونس أبا سعيد مع أبي هريرة (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ) ولأبوي ذر والوقت عن المستملي: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) بأن يخرج ما في أنفه من قذر، كمخاط وغبار بعد الاستنشاق؛ لما فيه من تنقية مجرى النفس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه تصح مجاري الحروف، وفيه طرد

ج 1 ص 618

الشيطان لما عند المؤلف في بدء الخلق: (( إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه ) ).

والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشيطان عليه حقيقة، أو هو على الاستعارة؛ لأن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم، قذارة توافق الشياطين، فهو على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته عامٌّ للنائمين، أومخصوص بمن لم يفعل ما يحترس به في منامه، كقراءة آية الكرسي، كلٌّ محتمل والثاني أقرب، والجمهور على أن الأمر فيه للندب؛ لما أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (( توضأ كما أمرك الله ) )، وليس فيه ذكر الاستنشاق.

ولكن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق؛ لورود الأمر به كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، أن يقول بوجوب الاستنثار، لذلك، وهو ظاهر كلام صاحب (( المغني ) )من الحنابلة، بل صرح بأن ذلك رواية عن أحمد صاحب (( المنتهى ) )في (( شرحه ) )، وبما تقرر يعلم أن نقل النووي الاتفاق على عدم وجوبه فيه ما فيه، إلا أن يحمل على الاتفاق من أهل مذهبه، أو اتفاق الجمهور.

وقال ابن بطال: وحمل الأكثرون الأمر بالاستنشاق على الندب، واستدلوا: بأن غسل باطن الوجه غير مأخوذ علينا في الوضوء.

(وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) : أي: مسح محل البول والغائط بالجمار، وهي الأحجار الصغار، وإن كان المراد ما هو أعم من الصغار والكبار.

قال في (( الفتح ) ): وحمله بعضهم على استعمال البخور، فإنه يقال فيه: تجمر واستجمر.

حكاه ابن حبيب عن ابن عمر، ولا يصح عنه، وابن عبد البر عن مالك، وروى ابن خزيمة عنه في (( صحيحه ) )خلافه.

وقال ابن الملقن: قال ابن حبيب: وكان ابن عمر يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الأمرين جميعًا؛ أي: فإنه يقال في هذا: تجمر واستجمر، فتأخذ ثلاث قطع من الطيب، وتتطيب ثلاث مرات، واحدة بعد أخرى، وحكي عن مالك أيضًا، والأظهر الأول. انتهى.

(فَلْيُوتِرْ) : أي: بثلاثة أحجار، أو خمس، أو ما فوقهما من الأوتار، فإن حصل الإنقاء بالوتر كفى ذلك، ولا تستحب الزيادة، وإن حصل الشفع استحب زيادة حجر آخر تحصيلًا للإيتار.

وفي العيني: قال الكرماني: مذهبنا: أن استيفاء الثلاث واجب، فإن حصل الإنقاء بها فلا زيادة، وإلا وجبت الزيادة، ثم إن حصل بوتر؛ فلا زيادة، وإن حصل بشفع استحب الإيتار.

وقال الخطابي: فيه دليل على وجوب الثلاث، إذ معلوم أنه لم يرد به الوتر الذي هو واحد فرد؛ لأنه زيادة صفة على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، فيعلم أنه إنما قصد به ما زاد على الواحد، وأدناه الثلاث.

قلت: ظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة وأصحابه، فيما ذهبوا إليه من أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث، والحديث دال على الإيتار فقط.

فإن قلت: تعيين الثلاث من نهيه صلى الله عليه وسلم من أن يُستنجى بأقل من ثلاثة أحجار.

قلت: لما دل حديث أبي هريرة: (( من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج ) )على عدم اشتراط التعيين حمل هذا على أن النهي فيه كان لأجل الاحتياط؛ لأن التطهير غالبًا إنما يحصل بالثلاث، ونحن أيضًا نقول: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاث تعين عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس، وهلم جرًا. يتعين عليه ذلك، فافهم. انتهى.

أقول: في قوله: (( ونحن أيضًا نقول ... الخ ) )نظر؛ لأن الاستنجاء عند الحنفية سنة، وما على المحل ساقط شرعًا، وإزالته سنة، فكيف تتعين الثلاث أو ما فوقها إذا لم يحصل الإنقاء إلا بها؟!

وما تجاوز المحل وإن وجب إزالته إذا كان قدر الدرهم، وافترضت إذا زاد، إلا أنه لا يسمى استنجاءً، بل هو من قبيل إزالة النجاسة.

اللهم إلا أن يريد بقوله: يتعين عليه ذلك في إقامة السنة، وإن كان بعيدًا، وقد تقدم له نظير ذلك في قول المؤلف: باب لا يستنجى بروث، ونبَّهنا عليه هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت