فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

146 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد إمام أهل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري.

(عَنْ عُرْوَةَ) ابن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ومنهن عائشة راوية الحديث بناء على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه وهو المرجح عند الأصوليين.

قال الكرماني: والأكثر على أن المخاطب بكسر الطاء داخل تحت عموم متعلق خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا نحو: من أحسن إليك فأكرمه، فإن المتكلم يدخل تحته حتى لو أحسن إليك يجب عليك إكرامه انتهى.

أقول: ولا يرد على هذه القاعدة ما لو أمر الإمام بصوم ثلاثة أيام فإنه يجب الصوم عليهم دونه لأنه ليس فيها عموم يدخل هو تحته فهي خارجة عن هذه القاعدة.

(كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ) أي: فيه (إِذَا تَبَرَّزْنَ) أي: إذا خرجن للبراز لبول أو غائط (إِلَى الْمَنَاصِعِ) بفتح الميم وبالنون وكسر الصاد آخره عين مهملة، جمع منصع مفعل من النصوع وهو الخلوص، والناصع الخالص من كل شيء، يقال: أبيض ناصع وأصفر ناصع، وهي أماكن معروفة في آخر المدينة من جهة البقيع سميت بذلك لنصوعها؛ أي: خلوصها عن أبنية المدينة، وهذا الجار والمجرور متعلق بيخرجن.

قال الكرماني: ويحتمل أن يتعلق بقوله تبرزن، وهو كما قال العيني احتمال بعيد.

(وَهُوَ) أي: المناصع، وهو مقتضى الظاهر وهي لأنه راجع إلى المناصع، وهي جمع إلا أنه أفرد الضمير، وذكره بتأويله بالمذكور كما نص عليه صاحب (( المنحة ) ).

أقول: ويجوز أن يكون ذلك باعتبار واحده؛ أي: المنصع أو أن تلك الأماكن لاتصال بعضها ببعض صارت مكانًا واحدًا مسمى بالمناصع أوالتذكير مراعاة للخبر.

(صَعِيدٌ أَفْيَحُ) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح التحتية وبالحاء المهملة؛ أي: واسع، والصعيد التراب أو وجه الأرض، والثاني أنسب بالسياق وهذه الجملة تفسير للمناصع.

قال في (( الفتح ) ): والظاهر أن التفسير مقول عائشة رضي الله تعالى عنها، وتعقبه العيني فقال: لا دليل على هذا الظاهر بل يحتمل أن يكون منها أو من عروة أو ممن دونه.

وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأن دليل الظهور أن الأصل في كل شيء عطف على ما قبله أن يكون من كلام الذي نسب إليه الأول حتى يقع التصريح بغيره مع أن التعبير بالظاهر لا يمنع الاحتمال انتهى.

(فَكَانَ عُمَرُ) ابن الخطاب رضي الله عنه (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: احْجُبْ نِسَاءَكَ) أي: امنعهن من

ج 1 ص 596

الخروج من بيوتهن، بدليل أن عمر بعد نزول آية الحجاب قال لسودة رضي الله تعالى عنها قد عرفناك يا سودة كما سيأتي.

قال في (( الفتح ) ): ويحتمل أن يكون أراد أولًا الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد أحب أيضًا أن يحجب أشخاصهن مبالغة في الستر، فلم يجب لأجل الضرورة، وهذا أظهر الاحتمالين انتهى.

وتعقبه العيني فقال: ليس الأظهر إلا الاحتمال الأول بشهادة سياق الكلام، والاحتمال الذي ذكره لا يدل عليه هذا الحديث، وإنما الذي يدل عليه هو حديث آخر انتهى. وأجاب في الانتقاض بأنه لم يرد بالأظهر الظاهر كما ظنه بل أراد الأرجح انتهى.

أقول: لعل مراد صاحب (( الفتح ) )أن الأظهر بمعنى الأرجح لا يلزم أن يكون ظاهر السوق والمتبادر منه بل قد يكون رجحانه لدليل خارجي فليتأمل.

وفي العيني: أن الحجب لهن ثلاثة:

الأول: هو الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} الآية [الأحزاب:59] .

وقال القاضي عياض: والحجاب الذي خص أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها.

الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس يدل عليه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب:53] .

الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية فإذا خرجن لا يظهر شخصهن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها سترت شخصها حين خرجت، وزينب عملت لها قبة لما توفيت، وكانت لهن بالتستر عند قضاء الحاجة ثلاث:

الأولى: بالظلمة لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار كما قالت عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث: (( كن يخرجن بالليل ) )، وسيأتي في حديث عائشة في قصة الإفك: (( فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل ) )الحديث، ثم نزل الحجاب فتسترن بالثياب لكن ربما كانت أشخاصهن تتميز، ولهذا قال عمر: قد عرفناك يا سودة، وهذه هي الحالة الثانية.

ثم لما اتخذت الكنف في البيوت منعن عن الخروج منها، وهي الحالة الثالثة يدل عليه حديث عائشة في قصة الإفك فإن فيها: (( وذلك قبل أن تتخذ الكنف ) )وكانت قصة الإفك قبل نزول آية الحجاب انتهى.

(فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ) ما قاله عمر رضي الله عنه وفيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي في الأمور الشرعية؛ لأنه لم يأمرهن بالحجاب مع وضوح الحاجة إليه حتى نزلت الآية، وكذا في إذنه لهن بالخروج (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات أو بسكون الميم.

قال في (( النهاية ) ): وهو أكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه، القرشية العامرية أسلمت قديمًا وبايعت وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعًا إلى الحبشة، فلما قدما مكة مات زوجها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل بها بمكة، وذلك بعد موت خديجة قبل عائشة رضي الله عنها، وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت أراد طلاقها، فسألته أن لا يفعل، وجعلت ليلتها لعائشة فأمسكها، روي لها خمسة أحاديث، أخرج البخاري منها حديثين، توفيت آخر خلافة عمر رضي الله عنه وقيل: زمن معاوية، سنة أربع وخمسين بالمدينة.

(زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بترك التاء على الأفصح كقوله تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب:37] (لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً) بالمد، والمراد هنا بين المغرب والعتمة.

قال العيني: نصب على أنه بدل من ليلة انتهى.

وفيه نظر؛ لأن البدل هنا لا يحتمل إلا أن يكون بدل بعض من كل، وهذا لابد فيه من ضمير يرجع إلى المبدل منه وتقديره تكلف، فالأولى أن يكون النصب فيه على الظرفية كقوله تعالى: {وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ} [يوسف:16] ولا يرد عليه أن ليلة منصوب على الظرفية فكيف يعمل العامل في ظرفين بدون تبعية؛ لأن الظرف الثاني أخص من الأول فهو كقولك: جئتك يوم الجمعة بكرة.

(وَكَانَتِ) أي: سودة (امْرَأَةً طَوِيلَةً) أي: متميزة على النساء بطولها فلا تخفى (فَنَادَاهَا عُمَرُ) ابن الخطاب رضي الله عنه قائلًا في ندائه: (أَلاَ) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه واستفتاح تدل على تحقيق ما بعدها (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) بالبناء على الضم.

(حِرْصًا) مفعول لأجله فناداها

ج 1 ص 597

(عَلَى أَنْ يُنْزَلَ) بضم أوله مبنيًا للمفعول، وفي نسخة للفرع: بفتحه مبنيًا للفاعل، وسقطت من رواية الأصيلي؛ لأن حرف الجر يحذف قبل أن، و (( أن ) )قياسًا مطردًا.

(الْحِجَابُ) بالرفع على الروايتين؛ أي: حكمه (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ) بين الرجال والنساء، ولغير الأصيلي: (( فأنزل الله الحجاب ) ).

قال في (( المنحة ) ): والمراد بالآية الجنس، فيشمل آية: {قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} [الأحزاب:56] ، وآية: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا} [الأحزاب:53] ، وآية: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ} [النور:31] ، أو العهد لواحدة من الآيات الثلاث انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): زاد أبو عوانة في (( صحيحه ) )من طريق الزبيدي عن ابن شهاب، فأنزل الله الحجاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الآية [الأحزاب:53] وسيأتي في تفسير سورة الأحزاب أن سبب نزولها قصة زينب بنت جحش لما أولم عليها، وتأخر النفر الثلاث في البيت، واستحيا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج، فنزلت آية الحجاب، وسيأتي أيضًا حديث عمر قلت: يارسول الله إن نسائك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. وروى ابن جرير في تفسيره من طريق مجاهد، بينا النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم، إذ أصابت يد رجل منهم يدها، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت، وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، إذ المراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] انتهى.

وفي الحديث من الفوائد مراجعة الأدنى للأعلى فيما لا يتبين له، وفضل عمر رضي الله عنه وموافقته ربه فيما ذكر، وهذه إحدى المواضع الإحدى عشر التي وافق فيها عمر نزول القرآن الآتية إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الأحزاب، وجواز مكالمة الرجال مع النساء في الطريق إذا كان لحاجة دينية، وجواز خروجهن للحاجة ولما فيه مصلحة لهن، وجواز الإغلاظ في النصيحة، لقوله (( قد عرفناك يا سودة ) )والنصيحة لله ولرسوله لقوله: (( احجب نسائك ) )وقد اختلف في أي سنة كان الحجاب، فقال قتادة: في السنة الخامسة، وقال أبو عبيد: في الثالثة، وقال ابن سعد: في الرابعة في ذي القعدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت