ش: يجب على المريد للنسك أن يحرم من الميقات ، اقتداء بفعل رسول اللَّه ، وبقوله ( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ) الحديث ، ولأنه ميقات للعبادة ، فلم يجز تجاوزه كميقات الصلاة ، فإن أحرم فبها ونعم ، وإن جاوزه غير محرم فقد أثم إن كان عالمًا ، ووجب عليه الرجوع إن أمكنه ، ليأتي بالواجب ، فإن رجع فأحرم من الميقات فلا دم عليه ، وإن لم يرجع وأحرم من مكانه فعليه دم لتركه الواجب .
1458 وقد روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنه عن النبي أنه قال ( من ترك نسكًا فعليه دم ) روي موقوفًا ومرفوعًا وسواء رجع محرمًا إلى الميقات أو لم يرجع ، إذ بالإحرام دون الميقات حصل ترك الواجب فوجب الدم ، والأصل عدم سقوطه .
وقول الخرقي: ومن أراد الإحرام . ومفهومه أن من لم يرد الإحرام ليس حكمه كذلك ، فلا يخلو غير المريد للإحرام إما أن يريد الحرم أو دونه ، فإن كان مراده دون الحرم فلا إحرام عليه بلا نزاع ، لحديث ابن عباس ، ولأن النبي أتى بدرًا مرتين ولم يحرم ، ثم إن بدا له الإحرام أحرم من موضعه ولا شيء عليه ، على ظاهر كلام الخرقي ، واختيار أبي محمد ، اعتمادًا على ظاهر حديث ابن عباس ، وعن أحمد: يلزمه الرجوع إلى الميقات . انتهى .
وإن كان مراده الحرم فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
( أحدها ) أن يكون قصده لذلك لحاجة تتكرر ، كالاحتشاش والاحتطاب ، ونحوهما ، أو لقتال مباح ، أو خوف ، فيجوز له الدخول بغير إحرام ، لظاهر حديث ابن عباس ، ويخص القتال والخوف ونحوهما .
1459 بما روى جابر أن النبي دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام . رواه مسلم ، والنسائء .
1460 وفي الصحيح أنه دخل مكة [ عام الفتح ] وعلى رأسه المغفر ، الحديث قال مالك: ولم يكن رسول اللَّه يومئذ محرمًا ، ويخص من تكررت حاجته لأن في وجوب الإحرام عليه إذًا حرجًا ومشقة ، وهما منتفيان شرعًا .
الحال الثاني: أن يكون ممن لم يتعلق به الوجوب ، كالصبي والعبد والكافر ، فهؤلاء لا إحرام عليهم ، لحديث ابن عباس ثم [ أيضًا ] إن بلغ الصبي ، وعتق العبد ، وأرادا النسك وجب عليهما الإحرام من موضعهما ، ولا شيء عليهما ، لتعلق الوجوب بهما