والدليل القطعي: هو ما دل على الحكم من غير احتمال ضده، وقيل ما دل على الحكم ولم يحتمل غيره احتمالًا ناشئًا عن دليل، فعلى الأول يكون الاحتمال الممكن - وإن كان بعيدًا لا دليل عليه - ناقلًا للدليل من القطع إلى الظن، وعلى الثاني لا ينتقل الدليل إلى الظن بمجرد الاحتمال، بل لابد أن يكون الاحتمال مستندًا لدليل.
مثاله قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: من الآية 196] ، فدلالة العدد هنا على الأيام الواجب صيامها دلالة قطعية.
وهذه الأحكام [1] بينت أصول الحلال والحرام، وتناولت القواعد العامة التي تبني عليها الحياة الإنسانية في الإسلام، وهي تقرر الأمور الثابتة في الشريعة التي لا يختلف حكمها باختلاف الزمان والمكان.
والدليل الظني: ما دل على الحكم مع احتمال ضده احتمالًا مرجوحًا، ومثاله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] ، فالآية تدل بظاهرها على أن كلًا من المن والأذى يبطل الصدقة ويذهب أجرها، ولا يلتفت إلى الاحتمال المرجوح الذي تحتمله الآية وهو أن الصدقة لا تبطل إلا بمجموع الأمرين. [انظر أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف] .
وهذا الجانب في الشريعة الإسلامية - أي محتمل الدلالة - هو مجال الاجتهاد
(1) يقصد الأحكام القطعية.