التضلع بأصول الفهم والعلم [1] ؛ فمن الخطأ البين الفاحش الحكم في قضايا الأمة
(1) وقد أحسن الشيخ رحمه الله صنعًا بذلك، فجزاه الله خيرًا ونفع بعلمه وأسكنه الفردوس.
وخلاصة ما ذكره في كتابه أن هناك أمورًا مؤثرة في مسألة تطبيق الشريعة، وهي:
1 -القدرة والاستطاعة الشرعية، وتعني إمكان القيام بالعمل دون ترتب ضرر معتبر أو مفسدة راجحة، وذلك أن التكليف منوط بالقدرة والاستطاعة ويسقط بالعجز.
2 -اعتبار المآلات والنظر فيها، وتعني أن الحكم على الأمر قد يتغير باعتبار ما يؤول إليه، فقد يُفتى بتحريم مباح أو إباحة محرم أو غير ذلك، وليس هذا تغييرًا لحكم الله، ويتفرع عنها قاعدة"سد الذرائع"، والتي تعني تحريم المباح إن أوصل إلى محرم، قصدًا أو تبعًا، وعكسها"فتح الذرائع".
3 -اعتبار المصالح والمفاسد والترجيح بينها عند التعارض، وذلك أن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، ودفع أعظم المفسدتين، وتحصيل أعظم المصالح.
4 -مراعاة اختلاف أحوال الناس وأفهامهم، وذلك أن الله - عز وجل - لم يخلق الناس على حالة واحدة، وإنما خلقهم على أحوال متباينة، وجعل لكل حالة من الأحكام ما يناسبها.
5 -اعتبار مراتب الأحكام والأعمال، وذلك أن الأحكام والأعمال الشرعية ليست على مرتبة واحدة، بل هي على مراتب متفاوتة، فمنها ما يقع في الضروريات، ومنها ما يقع في الحاجيات، ومنها ما يقع في التحسينيات، وكل من هذه المراتب ينقسم إلى أصل ومكمل، والعلم بهذه المراتب يفيد في الترجيح بينها عند التعارض.
6 -اعتبار مقاصد الشريعة ومراتبها، وهي المصالح الخمسة، وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، والعلم بمراتبها يفيد كذلك في الترجيح بينها عند التعارض.
7 -اعتبار علل ومناطات الأحكام وأوصافها المؤثرة، فيُحكم بما تحقق مناطه أو صفته او قيده المؤثر.
8 -مراعاة الضرورات والحاجات، ويكون ذلك بالانتقال من حكم كلي إلى حكم جزئي خاص بالحالة الطارئة.
9 -مراعاة درء الحدود بالشبهات، وهذا قد يكون سببًا في عدم إقامة الحد على بعض من ارتكب جرمًا، وذلك إما لوجود شبهة دارئة للحد، أو لعدم السبب أو الشرط، أو لتحقق المانع، ومن ذلك عدم إقامة النبي صلى الله عليه وسلمحد القذف على ابن أُبي في حادثة الإفك.
10 -مراعاة تأخير بعض الحدود وتأجيلها لأسباب شرعية معتبرة، ومن ذلك نهيُ النبي صلى الله عليه وسلمعن قطع الأيدي في الغزو.
11 -مراعاة حالة التمكين ومراتبه، والتفريق بين القدرة والقوة، ويترتب على ذلك أنه يجب في التمكين الكلي ما لا يجب في التمكين الجزئي.
12 -مراعاة جهل الناس واندراس العلم وقلة أهله واعتبار إمكان العلم والعمل، فالتكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، وليس بالقدرة على العمل وحده.
13 -مراعاة اختلاف العادات والأعراف، وذلك أن من الأحكام ما قُيِّدَ بعادة أو عرف، فتختلف هذه الأحكام باختلاف العادات والأعراف والأحوال.
14 -اعتبار الأسباب والشروط والموانع، إذ الأحكام الشرعية على شطرين، حكم تكليفي وحكم وضعي، والأحكام التكليفية مقترنة بالأحكام الوضعية، كالصلاة مع دخول الوقت، والزكاة مع حولان الحول، والصيام مع رؤية الهلال، وغير ذلك، والأحكام الوضعية منها السبب، ومنها الشرط، ومنها المانع، وهي مؤثرة في الأحكام التكليفية، فإذا تغير شيء منها تغير الحكم الشرعي تبعًا له.
15 -اعتبار اختلاف أفهام المجتهدين من قضاة ومفتين، إذ أن استنباط الأحكام راجع إلى نظر المجتهد في الأدلة، وقد يصيب في ذلك وقد يخطئ، وهو في ذلك بين الأجر والأجرين.