فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 302

وفُحشِهِ ما لا يستطيعه المُحِق، فيلوح للناس أنه تَغَلب على المحق؛ على أن سب آلهتهم لما كان يحمي غيظهم ويزيد تصلبهم، قد عاد منافيًا لمراد الله من الدعوة، فقد قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [1] ، وقال لموسى وهارون ^ {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [2] ، فصار السب عائقًا عن المقصود من البعثة، فتمحض هذا السبّ للمفسدة ولم يكن مشوبًا بمصلحة. وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة؛ لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات، وإفضاؤه إلى المفسدة بالعَرَض. وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفًا وتحققًا واحتمالًا، وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلها، وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ).

قال القرطبي: (قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة، وخِيفَ أن يَسُبَّ الإسلام أو النبي عليه الصلاة والسلام أو الله - عز وجل -، فلا يَحِلُّ لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية) [3] ، أي على زيادة الكفر.

وقد احتج علماؤنا بهذه الآية على إثبات أصل من أصول الفقه عند المالكية، وهو الملقب بمسألة سد الذرائع [4] .

(1) النحل: 125.

(2) طه: 44.

(3) الجامع لأحكام القرآن، 8/ 491، مع تعديل في الصياغة ليوافق المطبوع.

(4) قاعدة"سد الذرائع"مندرجة تحت قاعدة"النظر في المآلات"، فهي نوع من أنواعها ووجه من أوجه تطبيقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت