ويشهد لهذا قراءة مَن قرأ:"فنَظِرَةٌ إلى مَيْسُرة"، قرأ بها نافع فِي جماعة من الصحابة ، فاعرف.
ومن ذلك قراءة الحسن:"واتقوا يومًا يُرجعون فيه"1 بياء مضمومة.
قال أبو الفتح: فيه أنه ترك الخطاب إلى لفظ الغيبة كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} 2 ، غير أنه تصور فيه معنى مطروقًا هنا فحمل الكلام عليه ؛ وذلك أنه كأنه قال: واتقوا يومًا يَرجع فيه البشر إلى الله فأَضمر على ذلك ، فقال: يُرجعون فيه إلى الله.
وقد شاع واتسع عنهم حمل ظاهر اللفظ على معقود المعنى ، وترك الظاهر إليه ، وذلك كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر وإفراد الجماعة وجمع المفرد ، وهذا فاشٍ عنهم ، وقد أفردنا له بابًا فِي كتابنا فِي الخصائص ووسمناه هناك بشجاعة العربية3 ، وكأنه - والله أعلم - إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة فقال: يُرْجَعُون بالياء رفقًا من الله - سبحانه - بصالحي عباده المطيعين لأمره.
وذلك أن العود إلى الله للحساب أعظم ما يخوَّفُه ويُتَوعَّدُ به العباد ، فإذا قرئ:"تُرجعون فيه إلى الله"فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره المطيعين العابدين ، فكأنه - تعالى - انحرف عنهم بذكر الرجعة فقال:"يرجعون فيه إلى الله". ومعلوم أن كل وارد هناك على أهول أمر وأشنع خطر ، فقال: يرجعون فيه ، فصار كأنه قال: يجازَوْن أو يعاقبون أو يطالبون بجرائرهم فيه ، فيصير محصوله من بعد ؛ أي: فاتقوا أنتم يا مطيعون يومًا يُعذَّب فيه العاصون.
ومَن قرأ بالتاء"ترجعون"فإنه فضل تحذير للمؤمنين نظرًا لهم واهتمامًا بما يُعقِب السلامة بحذرهم ، وليس ينبغي أن يُقْتَصَر فِي ذكر علة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بما عادة توسط أهل النظر أن يفعلوه ، وهو قولهم: إن فيه ضربًا من الاتساع فِي اللغة لانتقاله من لفظ إلى لفظ ، هذا ينبغي أن يقال إذا عَرِي الموضع من غرض معتمد ، وسر على مثله تنعقد اليد.
1 قراءة الجماعة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ} بتاء مضمومة. سورة البقرة: 281.
2 سورة يونس: 22.
3 انظر: الخصائص: 2/ 360 وما بعدها.