ويُحسِّن هذه القراءة: أنك إنما تنهى الإنسان عن فعله هو ، والتناسي من فعله ، فأما النسيان فظاهره أنه من فعل غيره به ، فكانه أُنسي فنَسِيَ ، قال الله سبحانه: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} 1.
وزاد فِي حسنه شيء آخر ؛ وهو أن المأمور هنا جماعة ، وتفاعَلَ لائق بالجماعة ؛ كتقاطعوا وتواصلوا وتقاربوا وتباعدوا. فأما قوله تعالى: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} 2 فلاقَ به فعل"نسي"؛ لأن المأمور هنا واحد ، ولأن العرف والعادة أن الإنسان لا يكاد يُحض على ما هو حلال له ؛ بل الغالب المعتاد أن يُكفَّ عما ليس له تناوله ، وعليه وضع التكليف لما يُستحق عن الطاعة فيه من الثواب ، قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ} 3 ، وقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} 4 ، والآي فِي ذلك كثيرة.
فقوله إذن: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} 3 أي: لك فيها حظ وحلال فتناوله ، فلا بأس بتناول الحلال.
ولو قيل:"ولا تناس نصيبك"لكان فائدته: لا تُظهر سهوك عنه ، وتتظاهر بنسيانك إياه ، وذلك إذا ترك الحلال وهو فِي صورة الساهي عنه لم تكن له فِي النفوس منزلة الذي يتركه وهو عالم بحِلِّه له ، وإباحته إياه ، هذا هو العادة والعرف فيما يتعاطاه أهل الدنيا بينهم.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحن السلمي:"ألم تَرْ إلى الملأ"5 ساكنة الراء."27و"
قال أبو الفتح: هذا لعمري هو أصل الحرف: رأَى يرأَى كرعَى يرعَى ، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف همزته ؛ بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها على عبرة التخفيف فِي نحو ذلك ، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة ، وهو قولهم: أنت ترى وهو يرى ونحن نرى ، وكذلك أفعل منه ، كقول الله سبحانه: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 6 وأصله: أَرْآك الله ، وحكاها صاحب الكتاب عن أبي الخطاب7 ، ثم إنه قد جامع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها ، وذلك كقول سراقة البارقي:
أُرِي عينيَّ ما لم تَرْأَيَاه كلانا عالم بالتُّرَّهَات8
1 سورة الكهف: 63.
2 سورة القصص: 77.
3 سورة طه: 131.
4 سورة الأعراف: 199.
5 سورة البقرة: 246.
6 سورة النساء: 105.
7 هو عبد الحميد بن عبد المجيد أبو الخطاب الأخفش الأكبر ، مولى قيس بن ثعلبة أحد الأخافشة الثلاثة المشهورين ، كان إمامًا فِي العربية ، لقي الأعراب وأخذ عنهم وعن أبي عمرو بن العلاء ، أخذ عنه سيبويه والكسائي ويونس. بغية الوعاة: 296.
8 انظر: ديوان سراقة: 78 ، واللسان"رأى"، والنوادر: 185 ، والترهات: الأباطيل ، واحدها ترهة.