الطرف ، ولم يقلبها كما قلبها فِي أوائل ، وأصلها أواول لما ذكرنا ؛ إذ كان الأصل هاهنا العواوير ، وإنما حذفت الياء تخفيفًا وهي مرادة ، فجعل تصحيح الواو فِي العواور دليلًا على إرادة الياء فِي عواوير ، وكما جعل حذف النون من قوله:
إرهن بنيك عنهم أراهن بني1
أراد: بني ، فحذف الياء الثانية لتخفيف القافية ، وترك أن يرد النون من"بنين"؛ لأنه لم يَبْنِ الأمر على حذف الياء الثانية ألبتة ؛ وإنما حذفها للوقف على الحرف المشدد فِي الروي المقيد ، وكما أنشدنا أبو علي للفرزدق من قوله:
تنظرت نصرًا والسِّماكين أيهما علَيَّ من الغيث استهَلَّت مواطرُهُ2
أراد: أيهما ، فاضطر إلى تخفيف الحروف فحذف الياء الثانية ، وكانت ينبغي أن يرد الياء الأولى إلى الواو ؛ لأن أصلها الواو ، وأن يكون قياسًا واشتقاقًا جميعًا أولى ، ولم يقل: أوهما ، فيرد الواو الأصلية ؛ لأنه لم يَبْنِ الكلمة على حذف الياء ألبتة ، فيرد الواو ، فيقول: أوهما ؛ لأنه إنما اضطر إلى التخفيف هناك وهو ينوي الحرف المحذوف كما ينوي الملفوظ به ، ويأتي نظيره فِي سورة القصص ، وقد ذكرنا أخوات لهذا أكثر من عشر فِي كتاب الخصائص3 ؛ فلذلك قال: فالطجع ، فترك الطاء بحالها كما قدمنا ذكره.
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس فِي مصحف ابن مسعود:"وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولَانِ رَبَّنَا"4 ، وفيه:"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ"5 ، وفيه:"وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَقُولُونَ أَخْرِجُوا"6.
قال أبو الفتح: فِي هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدَّر
1 رهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه ، ويقال: ؟إنه من الشعر الجاهلي. وانظر: اللسان"رهن".
2 انظر الصفحة 41 من هذا الجزء.
3 انظر باب فِي بقاء الحكم مع زوال العلة. الخصائص: 3/ 157.
4 كذا فِي الأصل"ويقولان"بالواو ، ومثله فِي تفسير القرطبي 2/ 115 قال: قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} والمعنى: ويقولان: ربنا ، فحذف ، وكذلك هي فِي قراءة أبي وعبد الله بن مسعود:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا".
وفي البحر 1/ 388: وقراءة أبي وعبد الله:"يقولان"بإظهار هذه الجملة ، ومثله فِي الكشاف 1/ 74 قال:"ربنا: أي يقولان ربنا ، وهذا الفعل فِي محل النصب على الحال ، وقد أظهره عبد الله فِي قراءته ، فلعلهما روايتان"، والآية فِي سورة البقرة: 127.
5 سورة الزمر: 3.
6 سورة الأنعام: 93.