فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 143

الفصل الثالث

روح مجلس العهد

وثائق تاريخ مجلس العهد النفسية كثيرة، وهي تثبت لنا أن شهود أحد الأدوار لا تكون

أحكامهم صحيحة بما يشاهدونه من الحوادث والناس.

ولم تصدر أحكام بالثورة الفرنسية عليها مسحة من التدقيق إلا بعد مضي قرن

كامل على نشوبها، ولم تكن هذه الأحكام سديدة من كل وجه، فالوصول إلى ذلك يتطلب

إخراج الوثائق من الخزائن القديمة وكشف غشاوة القصص التي حجبت الحقيقة مع

الزمن.

وربما كانت قصة أولئك الذي نعتهم الآباءُ بغيلان العهد أشد تلك القصص فعلًا في

النفوس، ومحاربةُ رجال العهد لفرنسة الثائرة ولأوربة المدججة بالسلاح تركت في الناس

تأثيرًا جعلهم يظنون أن أبطالها مخلوقون من طينة أسمى من طينة البشر.

يظل وصف أولئك الرجال بالغيلان سائغًا ما دامت حوادث ذلك الدور تظهر كأنها

حادثة واحدة، أي ما دامت أعمال الجيوش الجمهورية تختلط بأعمال جيوش العهد،

فبهذا الاختلاط يدهش الناس من العزِّ الذي نالته الجيوش الجمهورية فيغضون النظر

عما اقترفته جيوش العهد من قسوة وقتل وتخريب، غير أن الحقيقة ظهرت بفضل النقد

الحديث، فحافظت الجمهورية على احترام الناس لها وخسِر رجال العهد، الذين لم يبالوا

بغير الحروب الأهلية، مقامهم الأدبيَّ.

حقٍّا إنه لم يهتم بأمر الجيوش في ذلك الحين سوى عضوين أو ثلاثة أعضاء من

لجان مجلس العهد، ولم يتم النصر لهذه الجيوش إلا بفضل عددها ودهاء قوَّادها وما

أدخله الإيمان الجديد من الحماسة إلى قلوبهم، وسوف نبين في فصل آخر، نبحث فيه عن

الجيوش الثورية، كيف انتصرت تلك الجيوش على أوربة الشاكية السلاح، وسارت مشبعة

من مبادئ الحرية والمساواة التي هي إنجيل ذلك الزمن، فوصلت إلى الحدود وأقامت

فيها مدة طويلة متمسكة بنفسية خاصة تختلف عن نفسية الحكومة التي جهلت أمرها

في البُداءة وازدرتها في النهاية.

ولم يبال رجال مجلس العهد بانتصار الجيوش، وإنما اقتصروا على الاشتراع

الفج وفق أهواء زعمائهم الذين أرادوا تجديد فرنسة بالمقصلة، فمن أجل تلك الجيوش

المستبسلة صارت قصة العهد تاريخًا مبجلًا، وهذا التبجيل أخذ يزول الآن، فالبحث

المفصل عن نفسية غيلان العهد أثبت أنهم كانوا قليلي العقل والذكاء، وقد اعترف بذلك

أشد الناس دفاعًا عنهم، كمسيو أولار الذي قال في كتابه الذي سماه(تاريخ الثورة

الفرنسية):

من الوهم قولُ الناس إن الجيل الذي قام بين سنة 1789 وسنة 1799

بأعمال عظيمة هو من الغيلان أي أرفع من الجيل الذي جاء قبله والجيل الذي

جاء بعده، فلم يكن مؤسسو الجمعيات البلدية والأحزاب اليعقوبية والوطنية

التي قامت بالثورة الفرنسية أسمى ذكاءً ونبوغًا من رجال فرنسة أيام لويس

الخامس عشرأو لويس فيليب، وهل كان أولئك الذين حفظ التاريخ أسماءهم،

لظهورهم في مسرح باريس، أو لأنهم أخطب خطباء المجالس الثورية، ذوي

مزايا وطبائع نادرة؟ نعم، قد يستحق ميرابو أن يلقب بالخطيب العبقري،

ولكن هل كان روبسپير ودانتون وفرنيو أفصح من خطبائنا في الوقت الحاضر

مثلًا؟ كلا.

وإذا بحثنا عن رجال مجلس العهد وهم مجتمعون رأينا أنهم لم يتصفوا بشيء من

الذكاء والفضيلة والشجاعة، وأن الخوف لم يبدُ على جماعة كما بدا عليهم، وأن عملهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت