فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 143

قلبت ثورة الإصلاح الديني أوربة، وكادت تدمِّر فرنسة بتحويلها إياها مدة خمسين سنة

إلى ساحة حرب، وما أتته من النتائج العظيمة لم تأتِ مثله أية حادثة تعدِلها من حيث

قلة قيمتها العقلية.

والأدلة على أن المعتقدات تنتشر بعيدة من العقل كثيرة، وما أقام النفوس وأقعدها

من المذاهب اللاهوتية أيام ثورة الإصلاح الديني، ولا سيما مذهب كال?ن، لا يستحق أن

يبحث عنه من جهة المنطق العقلي.

فلوثر الذي همه أمر سعادته الأبدية وخاف من الشيطان خوفًا لم يقدر كاهنه على

إزالته كان يبحث عن أقوى الوسائل التي يُرضي بها الله ليتقي جحيمه، وبعد أن شرع في

إنكار حق البابا في بيع المغفرة رفض ما له ولكنيسته من السلطان رفضًا تامٍّا، وأنحى

باللائمة على الطقوس الدينية والاعتراف وعبادة القديسين وصرَّح بأنه لا يجوز للنصارى

أن يتبعوا غير ما جاء في الكتاب المقدس، ثم قال إن النجاة الأبدية لا تكون إلا بفضل

لله وكرمه، ولم يحدد لوثر «نظرية المشيئة الأزلية» هذه تحديدًا تامٍّا، وقد عرَّفها كال?ن

بأوضح من ذلك فجعلها أساس مذهب لا يزال أكثر الپروتستان تابعين له، فعند كالفن

«أن لله اختار من الأزل أناسًا للنار وآخرين للجنة» وكان جوابه وقتما سئل عن علة هذا

الظلم «أن لله أراد ذلك» وهكذا رأى كالفن، الذي لم يفعل سوى إيضاح زعم القديس،

أوغوستن، أن لله القادر على كل شيء يُعْنَى بخلق أناس ليكونوا خالدين في النار غير

مبال بأفعالهم وفضائلهم، ومما يستوقف النظر أن تستولي هذه الغباوة الفكرية على

النفوس زمنًا طويلًا، وأن تظل مستحْوذة على كثير من الناس حتى الآن.

وهنالك شبه بين نفسية كالفن روبسپير، فكان الأول كالثاني أستاذًا غير متردد في

قتل من لم يكن على مذهبه، وكان يقول: «إن الله يريد أن تطرح الرأفة والإنسانية جانبًا

عند الجهاد في سبيله.»

ونستدل من حالة كال?ن وأنصاره على أن المتناقضات تلتئم في أدمغة المؤمنين،

فيستحيل من حيث المنطق العقلي أن نثبت أخلاق على مبدأ «المشيئة الأزلية» القائل إن

بعض الناس ناجون وبعضهم معذبون، مهما كانت أفعالهم، ومع ذلك لم يَلْقَ كالفن

صعوبة في إبداع أخلاق قوية قائمة على أساس غير منطقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت