فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 143

إن مبادئ الحقوق الأساسية التي قامت عليها الثورة الفرنسية مذكورة في بيانات حقوق

الإنسان الثلاثة التي نُشرت بالتتابع في سنة 1789، وسنة 1793، وسنة 1795، وقد

صرحت كلها: «بأن السلطة للأمة» .

وهذه البيانات الثلاثة تختلف في كثير من الأمور، ولا سيما في المساواة، فقد جاء

في المادة الأولى من بيان سنة 1789: «أن الناس يولدون أحرارًا ويعيشون أحرارًا، وهم

متساوون حقوقًا»، وجاء في المادة الثالثة من بيان سنة 1793»: أن الناس متساوون

طبيعة «، وجاء في المادة الثالثة من بيان سنة 1795، وهو أكثر اعتدالًا من سابقيه: «إن

المساواة هي كون القانون واحدًا للجميع»، وبعد أن تكلم واضعو هذا البيان الأخير عن

الحقوق رأَوا أن النص فيه على بعض الواجبات مفيد فشابه الإنجيل في مواعظه، جاء في

المادة الثانية منه: «أن واجبات الإنسان والمواطن كلها تنشأ عن مبدأين طبعتهما الطبيعة

على القلوب وهما: «لا تعامل الناس بما لا تُحِب أن يعاملوك به، وعاملهم بما تُحب أن

يعاملوك به»، والذي بقي من تلك البيانات هو مبدأ المساواة ومبدأ السلطة الشعبية.»

للشعار الجمهوري - أي «الحرية والمساواة والإخاء» - شأن كبير مع ضعف

قيمته العقلية، ولهذا الشعار الساحر الذي نقش على جدُرنا قدرة عظيمة تعدل القدرة

التي يعزوها السحرة إلى بعض الألفاظ، وما ألقاه من الآمال في القلوب سَهَّل انتشاره،

وقد ضحَّى ألوف الناس بأنفسهم في سبيله، والآن إذا اضطرمت ثورة في العالم فإن

رجالها يستنجدون به.

حقٍّا إنهم يجيدون الاختيار، فذلك الشعار من الأمثال المبهمة الساحرة للنفوس،

والتي يفسرها كل امرئ على حسب ذوقه وحقده وخياله، ففي أمر الإيمان لا شأن لمعنى

الألفاظ الحقيقي، وما سر قوة هذه الألفاظ إلا بما يُعزى إليها من القدرة.

ومبدأ اُلمساواة هو أكثر مبادئ الشعار الثوري دوامًا، فسنرى في مكان آخر أن هذا

المبدأ وحده هو الذي ظل باقيًا على وجه التقريب، وأن نتائجه لم تزل بادية للعيان.

ولم تكن الثورة الفرنسية هي التي علَّمت العالم مبدأ المساواة، ولا نحتاج، لإثبات

ذلك، إلى التنقيب في الجمهوريات اليونانية القديمة، فالنصرانية والإسلام قد أرشدا الناس

إلى هذا المبدأ، وبيان ذلك: أن الناس متساوون في هاتين الديانتين، وهم عباد إله واحد،

ولا فضل لأحدهم على الآخر إلَّا بالتقوى.

ولكن إعلان المبدأ لا يكفي لمحافظة الناس عليه، فالكنيسة النصرانية لم تلبث أن

عدَلت عن مبدأ المساواة النظري، ولم يعبأ به زعماء الثورة الفرنسية إلَّا في خُطَبهم.

ويختلف معنى المساواة باختلاف الناس، فمبدأ المساواة عند بعضهم يدل على

رغبة الإنسان في ألَّا يرى فوقه أحدًا، وأن يكون كل امرئ دونه، وهو عند يعاقبة

الثورة الفرنسية ويعاقبة الوقت الحاضر ينم على مقت كل أفضلية، والسعي إلى إبطال

الأفضليات بإنكار التفاوت الطبيعي وتوحيد العادات والأوضاع والأزياء والمراتب.

وهذا لا يمنع من القول إنه كان ينطوي تحت تعطش زعماء الثورة الفرنسية إلى

المساواة رغبة في التفاوت، وقد أدرك ناپليون ذلك فأحدث ألقاب شرف وأوسمة لهم، قال

تاين:

اكتشف ناپوليون تحت كلمة الحرية وكلمة المساواة اللتين كانت أفواههم

تلوكُهما ميلهم إلى السيادة ورغبتهم في الأمر والنهي والتفوق، وقد رأى أن

أكثرهم يطمع في المال والترف، وأنه لا فرق في ذلك بين النائب في لجنة السلامة

العامة والوزير، وبين الوالي ونائبه.

والرغبة في مبدأ المساواة هي تُراث الثورة الفرنسية الدائم، وأما مبدأ الحرية ومبدأ

الإخاء اللذان اكتنفا مبدأ المساواة في الشعار الجمهوري فتأثيرُهما ضعيف، ولم ينفعا

أيام الثورة الفرنسية وفي العهد الإمبراطوري إلا في تزويق الخُطب، وما زاد تأثيرُهما بعد

ذلك قط، فالأمم لا عهد لها بمبدأ الإخاء في زمن، ولم تبال بمبدأ الحرية إلا قليلًا، وقد

تركه العمال في الوقت الحاضر لنقاباتهم، والخلاصة: أن تأثير الشعار الجمهوري لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت