فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 143

(3) العوامل النفسية والعوامل الحربية التي أوجبت انتصار جيوش الثورة

الفرنسية

يجب - لإدراك السبب في انتصار جيوش الثورة الفرنسية - أن نذكر مقدار ما كان

عند جنودها الحفاة العُراة من الحماسة الشديدة ومن الصبر على المكاره ومن إنكار

النفس، فهم لما أشُبعوا من المبادئ الثورية شعروا بأنهم رسل دين جديد أوحِيَ به

لتجديد العالم، وقد منحهم إيمانهم بطولة وبسالة لم تزعزعهما قارعة، فأنقذوا الوطن

من العدو وصاروا يحاربونه حرب استيلاء يوم حلت حكومة الديركتوار محل مجلس

العهد ولم يبق في فرنسة جمهوريون سوى الجنود، ويذكرنا تاريخهم بتاريخ قبائل

جزيرة العرب التي آمنت بما جاء به محمد؛ فتحولت إلى جيوش مخيفة فتحت جزءًا

كبيرًا من العالم الروماني القديم بأسرع ما يمكن.

استقبل كثير من البلاد المحتلة غزاة فرنسة كمحررين لها، فقد أهُرع سكان سافوا

إلى رؤية الجنود الفرنسيين، واستقبل الناس في مايانس هؤلاء الجنود بحماسة، وغرسوا

أشجار الحرية، وأسسوا مجلس عهد شبيه بمجلس باريس.

وكلما كانت جيوش الثورة الفرنسية تصطدم بأمم أذلها الملوك المستبدون ولم يكن

لها خيال تذُب عنه كان النصر يحالفها، ولكن النصر كان يتعذر عليها عند اصطدامها

بأناس أولي خيال وثيق كخيالها، فخيال الحرية والمساواة القادر على استمالة الشعوب

العاطلة من العقائد المتينة والرازحة تحت استبداد أمرائها لا يؤثر بحكم الطبيعة في

أناس ذوي خيال قوي رسخ في نفوسهم منذ عهد طويل، وبهذا ندرك سر محاربة

سكان بريتانيه و?انده، الذين كانوا ذوي مشاعر دينية وملكية متأصلة فيهم، جيوشَ

الجمهورية وانتصارهم عليها سنين كثيرة، وقد عمت فتن هاتين المقاطعتين عشر مديريات

فجمعتا 80000 مقاتل.

وبما أنه لا محل للرحمة في تنازع الخيالات المتباينة، أي المعتقدات التي لا شأن

للعقل فيها، لم يلبث الصراع الذي وقع في ?انده أن اتصف بقسوة لا تحدُث إلا في الحروب

الدينية، وقد استمر هذا الصراع حتى أواخر سنة 1795، حين وطَّد أوُش دعائم السلام

في ?انده، ولم تخمد الفتنة فيها إلا بإبادة عُصاتها، قال مولنياري:

أصبحت ?انده قاعًا صفصفًا بعد حرب أهلية استمرت سنتين، وهلك فيها

900000 نفس تقريبًا، ولم يبق طعام ولا مأوى للذين ظلوا أحياء فيها بعد

تلك المذابح.

وإذا صرفنا النظر عما عند جيوش الثورة الفرنسية من الإيمان الذي يتعذر معه

قهرهم رأينا أنهم فاقوا غيرهم بقادتهم النوابغ الذين أنجبت بهم ساحات القتال، فلما

هاجر أكثر قادة الجيش الذين هم من طبقة الأشراف إلى البلاد الأجنبية سنحت لأصحاب

الأهلية الحربية فرصة أبدوا فيها مواهبهم فتدرجوا في بضعة أشهر إلى جميع المراتب،

ومن هؤلاء أوش الذي كان في سنة 1789 عريفًا فصار قائد فرقة ثم قائد جيش في

الخامسة والعشرين من عُمره، وقد كانت بسالة هؤلاء القواد تمنحهم روحًا هجومية لا

عهد لجيوش الأعداء بها، وهم لعدم تقيدهم بالتقاليد وعدم تطبعهم بالعادات أبدعوا فنَّا

حربيٍّا ملائمًا لمقتضيات الزمن.

ولا تقدر الجنود غير المجربة على الحركة إزاء كتائب اتخذت الجندية مهنة لها،

وتدربت على الطرق المستعملة منذ حرب السنين السَّبع، إلا أن قيام جموع كثيرة

بالهجَمات ذلل ذلك، فالعدد الكبير هو الذي كان يمكن القواد من القيادة، وهو الذي

كان يسد الفراغ الناشئ عن طريقة الهجوم المذكورة المؤثرة مع ما فيها من قسوة.

وكانت الجموع الكثيفة عند هجومها على العدو بالحِراب تَهْزِمُ كتائبه المتعودة

طرقًا تُدارَى بها حياة الجند، وجَعَل بطء إطلاق الرصاص في ذلك الوقت فنَّ فرنسة

الحربي أسهل استعمالًا، فبه تم النصر لها، غير أنه أهلك كثيرًا من أبنائها، فمنذ سنة

1792 حتى سنة 1800 قُتِلَ في ساحة الحرب ما يقرب من ثلثهم(أي 700000 من

مليوني مقاتل).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت