ولْنُثَابِرْ على استخراج النتائج من الحوادث التي بحثنا عنها في هذا الكتاب بحثًا
نفسيٍّا:
دَلَّنا البحثُ عن الجماعات الثورية في باريس وفي الجيوش على ما لهذه الجماعات
من مختلف الأطوار، ويَسْهُل شرحُ هذه الأطوار، فقد أثبتنا أن الجماعات إذ كانت عاجزة
عن التعقل فإنها تَسيِرُ كما تُحَرَّض، ورأينا أيضًا أنها ذات بسالة متناهية وأن مزية
محبة الغير تكون نامية عندها في الغالب، وأنه يَسْهُلُ علينا أن نَجِدَ فيها ألوفًا من الرجال
مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل أحد المعتقدات.
وصفاتٌ نفسية مثلُ هذه تؤدِّي إلى أعمال متباينة بحسب الأحوال، والدليلُ على ذلك
ما ورد في قصة مجلس العهد وجيوشه، فقد أثبتت هذه القصة أن جماعات مؤلفة من
عناصر متقاربة سارت في باريس وفي الثغور سيرًا مختلفًا اختلافًا يجعل الإنسان يظن
أنها لم تكن من شعب واحد.
فكانت الجماعات في باريس مضطربة قاسية سفاكة للدماء متقلبة في رغائبها تقلبًا
يستحيل معه أن يستقيم أمر أية حكومة، وكانت الجماعات في الجيوش خلاف ذلك،
أي لما اختلطت هذه الجماعات بالجنود، أي بفريق الأمة الذي شب على حب النظام
من فلاحين وعمال، وتمَّ ترويضها بالتعليم الحربي واجتذابُها بالحماسة السارية، أوجب
ذلك كله صبرها على ضنك العيش، واستخفافها بالمهالك، وساعد على تأليف فئة عجيبة
انتصرت على أشدِّ جيوش أوربة سطوة.
ويستدل بمثل هذه الأمور على تأثير النظام، فهو يحوِّل الرجال، ولا تلبث الأمم التي
تتحرر منه أن تصبح قبائل بربرية، ولا تزال هذه الحقيقة تغيب عن بال أولياء الأمور،
ويؤدي جهلهم سُنن الجماعات إلى العمل بما تضعه هذه الجماعات من الخطط بدلًا من
قيادتها.