فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 143

تحولت مشاعر الشعب ومشاعر المجالس الثورية تجاه النظام الملكي تحولًا سريعًا، وإن

كانت المشاعر تتحول عادة شيئًا فشيئًا، إذ لم يمر، بين الوقت الذي بجَّل فيه أعضاء

المجلس الثوري الأول لويس السادس عشر والوقت الذي قطع فيه رأسه، سوى بضع

سنين.

لم تكن تلك التحولات السطحية سوى تبديل موضعي لمشاعر واحدة، فالحب الذي

كان يظهره الناس للملك قد أظهروه للحكومة الجديدة الوارثة له، وبيان ذلك: أن

استمداد الملك - في الدور السابق - قوته من لله منحه قدرة عظيمة أقبل عليه الشعب

من أجلها أيما إقبال، وقد ضعُف إيمان الناس بقدرة الملك المطلقة عندما أثبتت التجارب

أن هذه القدرة قائمة على الوهم فخسر الملك بذلك نفوذه وبحثت الجماعة، التي لا تسمح

للإله الساقط أن يموِّه عليها، عن معبود آخر.

حقٍّا كشفت الحوادث المكررة منذ بدء الثورة الفرنسية للمؤمنين الأحامس أنه لم

يبقَ للملكية شيء من الحول والقوة، وأن هنالك قوى أخرى قادرة على مقاتلتها ولها

سلطان أعظم من سلطانها، وما يكون حال السلطة الملكية أمام الجماعات التي رأت

تغلب مجلس النواب على الملك ورأت عجز الملك في باريس عن دفع هجمات العصابات

المسلحة عن حِصنه؟

وضَح للعِيان بذلك ضعف الملك فزادت قدرة مجلس النواب وأمدَّته الجماعات

بقوتها.

ومع ذلك فقد دام الإيمان الملكي بعد الاستيلاء على الباستيل وبعد فرار الملك واتفاقه

مع الملوك الأجانب، وظل هذا الإيمان المتأصل من القوة بحيث لم تقدر الفتن الباريسية،

التي أدت إلى قتل لويس السادس عشر، على استئصاله، 1 فبقي ثابتًا في جزء كبير من

فرنسة أيام الثورة الفرنسية، وكان سببًا لما وقع في المديريات من المؤامرات التي لم

يخمدها مجلس العهد إلا بعد عناء كبير.

ورسوخ المشاعر الملكية في النفوس جعل المقصلة عاجزة عن القضاء عليها،

فاستمرت الدعوة الملكية قائمة أيام الثورة الفرنسية في أنحاء فرنسة حاشا باريس،

وبعض المديريات التي تلاشى فيها الإيمان الملكي؛ لظهور ضعف الملك لسكانها بجلاء

ووضوح، ففي عهد الديركتوار انتخبت 49 مديرية نوابًا ملكيين، وقد ساعدت تلك المشاعر

الملكية، التي كبحت الثورة جماحها بعد ملاحم كثيرة، على نجاح ناپليون بوناپارت الذي

جاء ليستولي على عرش الملوك السابقين، وليعيد جزءًا كبيرًا من النظام السابق.

1 أورد ميشله الحادث الآتي الذي وقع في عهد لويس الخامس عشر دليلًا على محبة الأمة الوراثي لملوكها:

علم الناس في باريس ليلًا أن لويس الخامس عشر الذي ذهب ليلحق بالجيش مرض في ميس

فتركوا مضاجعهم وساروا في بلبلة إلى حيث لا يعلمون، ثم فتحت أبواب الكنائس في منتصف

الليل، وأخذ القوم يتجمعون في مفارق الطرق، ويقترب بعضهم من بعض ويتساءلون عن النبأ

من غير أن يتعارفوا، وقد كان بكاء الكهنة يقطع ما كانوا يقرأونه من الأدعية لشفاء الملك،

والجمهور يجيبهم بنحيبه وعويله، ولما جاء الرسول الذي أتى بخبر إبلال الملك عانقه الناس

وقبلوا حصانه، وساروا به سيرهم بالغازي الظافر، ودوت الشوارع من هتافهم»: شفي الملك «!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت