ذكرنا أن الجماعات والمجالس والأمم والأندية تعجز عن السير حينما تكون عاطلة من
سيد يقودها، وبينتُ في كتاب آخر - مستعينًا بعلم وظائف الأعضاء - أن روح الجماعة
اللاشاعرة ترتبط بروح زعيمها، فهو الذي يمنحها إرادة واحدة ويُلزمها الطاعة المطلقة.
يؤثر الزعيم في الجماعة بالتلقين على الخصوص، ويتوقف نجاحه على طريقة
تلقينه، وقد أثبتت التجارب الكثيرة أن تلقين الجماعة سهل جدٍّا.
والجماعة تكون بحسب أنواع التلقين، هادئة أو هائجة أو مجرمة أو باسلة مغامرة،
وهذه الأحوال، وإن جاز أن تكون ذات مظهر عقلي، ليس فيها من العقل سوى الظاهر،
فالمشاعر والخيالات هي التي تؤثر في الجماعة، ولا تتأثر الجماعة بالمعقول أبدًا.
ويدلنا تاريخ الثورة الفرنسية على سهولة اتباع الجماعات ما يأتي به الزعماء من
التحريض المتناقض، فهي قد هتفت لفوز الجيرونديين والإيبريين والدانتونيين ورجال
الهول كما هتفت لسقوطهم.
والزعماء لسيرهم سرٍّا، لا يلاحظ شأنهم بعد تقادم العهد إلا بصورة مبهمة، فيجب
لاستجلاء هذا الشأن أن يبحث عنه في الحوادث الحديثة التي تثبت سهولة تحريك
الزعماء للناس، ولا نشير هنا إلى اعتصابات موظفي البريد والمعدنين التي قد يقال إن
سببها هو استياؤهم، بل نشير إلى الحوادث التي لا منفعة للجماعة فيها، كالهرج الذي
أوجبه بعض زعماء الاشتراكية في باريس يوم أعُدم في إسبانية الفوضويُّ فيرير الذي لم
يسمع الناس شيئًا عنه في فرنسة، فقد كفى تحريض بعض الزعماء في باريس لسوق
جيش شعبي إلى السفارة الإسبانية بقصد إحراقها، ولما دُفع المهاجمون عنها اقتصروا
على تخريب بعض المخازن لإنشاء بضعة متاريس.
وقد أتى الزعماء في ذلك الحين دليلًا آخر على تأثيرهم، فلما أحسوا أن حرق سفارة
أجنبية أمر خطأ أشاروا على الجماعة في يوم آخر بإقامة مظاهرة سلمية فأطاعتهم كما
فعلت وقتما أمروها بالتمرد، ولا شيء أحسن من هذا المثال لإثبات شأن الزعماء وإطاعة
الجماعات.