فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 143

نَعُد من المبادئ التي اتخذت أساسًا لأنظمة الثورة الفرنسية مبدأ فصل الإنسان عن

ماضيه ومبدأ إمكان تجديد المجتمع بالأنظمة، فقد اعتقد المشترعون في ذلك الحين أن

الماضي - ما عدا القرون الخالية البعيدة - مشبع من الخرافات والأضاليل فعزموا

على قطع كل صلة به، ودوَّنوا - لإظهار مقصِدهِم - تاريخًا جديدًا وتقويمًا جديدًا

مبدِّلين أسماء الشهور والفصول، وأوجب توهمهم أن الناس أكفاء ظنهم أنهم قادرون

على الاشتراع للبشر كلِّهم، قال كوندرسي»: إن القانون الحسن نافع لكل الناس. «

وما علم مشترعو الثورة الفرنسية أن وراء ظواهر الأمور عوامل خفية تسيرها، وأن

الإنسان مرتبط بماضيه كثيرًا، وهم - لجهلهم فعل الماضي- أرادوا القضاء عليه فقضى

عليهم.

كان إيمان المشترعين بقوة النظم والقوانين تامٍّا أيام الثورة الفرنسية، قال غريغوار

في المجلس التأسيسي»: إننا لقادرون على تغيير الدين، ولكننا لا نريد ذلك «، والواقع أنهم

أرادوا ذلك، ولكن من غير توفيق، فهم لم يلبثوا أن انكشف عجزهم، بعد كل ما أتوا

به في عشر سنين، من اضطهاد وتخريب وتحريق ومذابح، في سبيل إلزام الناس بعض

القوانين، انكشافًا حوَّل وجوه الناس عنهم فاضطُر ناپليون إلى ترميم أكبر جانب مما

هدموه.

وللتجربة العظيمة، التي قام بها هؤلاء اليعاقبة في سبيل تجديد المجتمع باسم

العقل، فائدة كبيرة قد لا تسمح الأحوال للإنسان أن يعيدها مرة أخرى، ويظهر أنها -

على رغم قسوتها - غير كافية لتحذير كثير من الناس، فها نحن أولاء نرى الاشتراكيين

يقترحون تجديد المجتمع بأجمعه على حسب خططهم الوهمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت