فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 143

ترضى الأمة بالنظام القائم منذ عهد بعيد، والعادة تستر مساوئه التي لا تبدو إلا عند

إنعام النظر، وعندما يفكِّر الإنسان فيه يسأل كيف اصطبر عليه فيعتقد أنه تعس، وقد

رَسَخَ مثل هذا الاعتقاد أيام الثورة الفرنسية بتأثير بعض الكتاب، فبدت عيوب النظام

السابق لكل ذي عينين، وسنكتفي ببيان بعض هذه العيوب.

كانت المملكة الفرنسية، التي تألفت من ولايات مستقلة في الماضي، مختلفة بقوانينها

وطبائعها وعاداتها، وكانت المكوس الداخلية تفصِل بعضها عن بعض، وما قام به الملوك

من الجهود - ومنهم لويس الرابع عشر - لم يؤدِّ إلى وَحدتها تمامًا.

وعدا هذه الأقسام المادية كانت الأمة الفرنسية مؤلفة من ثلاث طبقات، أي طبقة

الأشراف وطبقة الإكليروس والطبقة الثالثة، وتمسك النظام السابق بسياسة التفريق بين

الطبقات؛ لاعتباره ذلك سرٍّا من أسرار قوته، والاضطهادُ الذي جاءت به الطبقات الوسطى

الظافرة أيام الثورة الفرنسية ناشئٌ عن ميلها إلى الانتقام من ماضٍ طويل احتقرتها

فيه طبقة الأشراف وطبقة الإكليروس، وما أكثر ما عانته الطبقة الثالثة من جراح! ففي

اجتماع عقده مجلس النواب سنة 1684، وجثا فيه أعضاؤه مكشوفي الرؤوس، قال أحدُ

ممثلي الطبقة الثالثة: إن الطبقات الثلاث مثلُ إخوة ثلاثة، فأجابه خطيب طبقة الأشراف

قائلًا»:لا إخاء بين طبقة الأشراف والطبقة الثالثة، فالأشراف لا يريدون أن يدعوهم أبناء

الأساكفة والخرَّازين إخوةٌ لهم. «

وكان للأشراف والإكليروس امتيازات لم يوجد ما يسوغها منذ إقصاء السلطة لهم

عن الوظائف لارتيابها منهم وإقامتها مقامهم مَن هو أكثر منهم أهلية وعلمًا من أبناء

الطبقة الوسطى وحصرِها شأنهم الاجتماعي في الأبَّهة، قال تاين:

منذ خسر الأشراف سلطتهم وحصل عليها أبناء الطبقة الثالثة أصبح التفاوت

الفاصل بين الطبقتين مؤلمًا، وقد عدل الضمير عن تقديس هذا التفاوت القائم

على العادة فحُقَّ لأبناء الطبقة الثالثة أن يسخطوا على امتيازات لم يوجد ما

يُسَوِّغُها.

نعم تنزَّل الأشراف في ليلة تاريخية عن امتيازاتهم عندما أكرهتهم الحوادث على

ذلك، ولكن فعلتهم كانت متأخرة فظلت الثورة الفرنسية سائرة في طريقها.

وحقدُ أبناء الطبقة الوسطى على الطبقات الأخرى من جملة أسباب الثورة الفرنسية،

ولا يدل مقت أبناء الطبقة الوسطى للأشراف على حقدهم على الملكية، فلم يمقت الشعب

الملك لطيشه واستغاثته بالأجنبي إلا بالتدريج، ولم يفكر المجلس الاشتراعي الأول في

إقامة الجمهورية، وكل ما كان يحلم به هو أن تحل ملكية دستورية في مكان الملكية

المطلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت