فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 143

نرى، قبل بيان العوامل النفسية التي ساعدت على نجاح جيوش الثورة، أن الإلماع إلى

روح المقاتلة التي تأصلت في أوربة واستفحلت ضدَّ الثورة الفرنسية لا يخلو من فائدة.

نظر ملوك الأجانب في أوائل الثورة الفرنسية إلى المصاعب التي كانت تلقاها الملَكية

الفرنسية المزاحمة لهم بعين الرِّضى؛ لأنه لمَّا ظن ملك بروسية أن فرنسة ضعفت فكَّرَ

في توسيع مُلكه على حسابها، فاقترح على إمبراطور النمسة أن يساعدا لويس السادس

عشر رجاءَ الحصول على ولاية فلاندر وألزاس، فعقدا في فبراير سنة 1792 معاهدة ضد

فرنسة، إلا أن الفرنسيين سبقوا في الهجوم فشهروا الحرب بتأثير الحزب الجيرونديِّ.

ومع أنه لم يُقتل في المعركة سوى ثلاثمئة فرنسي ومئتي بروسي فإنها كانت ذات

نتائج عظيمة؛ لأن رَدَّ جيشٍ اشتهر باستحالة قهره أورث قلوب الكتائب الثورية الفتية

شجاعةً كبيرةً، فأخذت هذه الكتائب تهاجم العدوَّ على طول الجَبهة، ولم تمض بضعة

أسابيع حتى طَرد جنود فالمي النمسويين من بلجيكة، فاستقبلهم الناس فيها كمنقذين.

وقد اتسع نطاق الحرب كثيرًا أيام مجلس العهد، ونشأ عن ضمِّ مجلس العهد بلاد

بلجيكة إلى فرنسة، في سنة 1793، حربٌ ضِدَّ إنكلترة استمرت اثنتين وعشرين سنة.

اجتمع مندوبو إنكلترة وپروسية والنمسة في أن?رس، وتعاهدوا على تقسيم فرنسة

على أن تنال پروسية مقاطعة ألزاس ومقاطعة لورين وأن تنال النمسة مقاطعة فلاندر

ومقاطعة أرتوا وأن تنال إنكلترة مرفأ دنكرك، وقد اقترح سفير النمسة أن تُقمع الثورة

الفرنسية بالإرهاب» وباستئصال شأفة قادة الأمة الفرنسية، «وهذا ما اضطرَّ فرنسة إلى

أن تحارب من سنة 1793 إلى سنة 1797 على طول ثغورها، أي من جبال البرانس

حتى الشمال.

وقد أضاعت فرنسة في البداءة فتوحاتها السابقة، وحلت بها نوازل كثيرة؛ فاستولى

الإسپان على مدينة بيربنيان ومدينة بايون، واستولى الإنكليز على مدينة طولون، واستولى

النمسويون على مدينة ?لنسيان؛ فاضطر مجلس العهد سنة 1793 إلى الأمر بتجنيد

كل فرنسي تترجح سنه بين الثامنة عشرة والأربعين، وساق إلى الحدود تسعة جيوش

مؤلفة من 750000 جندي تقريبًا، وقد مُزِجت كتائب الجيش الملكي السابقة بكتائب

المتطوعين وكتائب المجندين.

انكسر الحلفاءُ ورفع الحصار عن موبوج بعد انتصار المارشال جوردان في فاتيني،

ثم أنقذ أوشُ مقاطعة لورين فأخذت فرنسة تهاجم فاستردت بلجيكة وضفة الرين

اليسرى، ثم كسر المارشال جوردان النمسويين في فلوروس ورماهم خلف الرين مستوليًا

على كلونيا وكوبلنز، واحتل هولندة، فاضطر ملوك الحلفاء إلى طلب الصلح معترفين

لفرنسة بفتوحاتها.

ومن دواعي انتصار فرنسة أن أعداءنا لم يعيروا قضيتنا ما تستحقه من الاهتمام،

فكانوا منهمكين في تقسيم پولونية منذ سنة 1793 حتى سنة 1795، وكان كل منهم

يريد أن يحضر القسمة لينال أكثر من غيره، وهكذا استفدنا كثيرًا من تردد الحلفاء

وسوء ظن بعضهم ببعض، ولو زحف النمسويون في صيف سنة 1793 على باريس

لكنا كما قال القائد تيابول: «خسِرنا مئة وربحنا واحدًا، فهم الذين أنقذونا بمنحهم إيانا

وقتًا كافيًا لجمع الجنود واختيار الضباط والقواد.»

ولم يبقَ لنا بعد معاهدة بال عدو ذو شأن في أوربة سوى النمسة، فساقت حكومة

الديركتوار جيشًا إلى مقاطعة ميلانه الإيطالية التابعة للنمسة، وفوضت إلى بوناپارت أن

يهاجمها، وقد أكره بوناپارت دولة النمسة على طلب الصلح من فرنسة، وذلك بعد وقائع

دامت حَولًا كاملًا، أي من شهر أبريل سنة 1796 إلى شهر أبريل سنة 1797.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت