عُدَّ الإنصاف منذ القديم أمرًا ضروريٍّا للمؤرخ، وقد ادَّعى المؤرخون منذ زمن تاسيت
أنهم من المنصفين، والواقع أن المؤرخ يرى الحوادث كما يرى المصور المناظر، أي ينظر
إليها من خلال مزاجه وخلقه وروح أمته، وأن شأن المؤرخين شأنُ المصورين الكثيرين
الذين يقفون أمام منظر واحد ويأتي كل واحد منهم بصورة ذات طابع خاص.
نعم، قد يكتفي المؤرخ بنسخ الوثائق، وإلى هذا يميل المؤرخون في الوقت الحاضر،
غير أن وثائق الأدوار القريبة، كدور الثورة الفرنسية، من الكثرة بحيث لا تكفي حياة
المؤرخ لنسخها، ولذا يختار المؤرخ ما يروقه منها.
فالمؤرخ يختار من الوثائق - متعمدًا أو غير متعمد - ما يلائم أفكاره السياسية
والدينية والأدبية، ويؤلف من هذه الوثائق كتاب تاريخ بعيدًا من الإنصاف، ويكون كتاب
التاريخ ذا إنصاف إذا اقتصر مؤلفه على وضع قوائم تلخِّص كل حادثة في سطر واحد
منها، ولا نأسف على عدم ظهور من هو منصف، فالإنصاف يؤدي إلى وضع مثل هذه
القوائم التافهة المملة التي يستحيل الوقوف بها على حقيقة أدوار التاريخ.
وهل يجب على المؤرخ أن يمتنع بحجة الإنصاف عن تقدير الرجال أي مدحهم أو
هَجْوهم؟ لهذه المسألة حلَّان عادلان يختلفان باختلاف الكاتب الذي قد يكون من علماء
الأخلاق وقد يكون من علماء النفس.
ينظر علماء الأخلاق إلى المصلحة الاجتماعية فقط، ولا يقدِّرون الرجال إلا من خلال
هذه المصلحة، وبيان ذلك: أن المجتمع يحتاج لبقائه إلى مقياس يقاس به الخير والشر
وتُميَّز به الفضيلة والرذيلة، أي أن المجتمع يُضطر إلى وضع أمثلة يسعى إليها الناس،
ولا يبتعدون عنها من غير أن يصيبه خطر.
فعلى علماء الأخلاق أن يقدروا الرجال على حسب هذه الأمثلة والقواعد المشتقة
من مقتضيات الاجتماع، وهم - بمدحهم من أفاد وهجوهم من أضر - يبرزون أمثلة
أخلاقية ضرورية لسير الحضارة.
تلك هي وجهة علماء الأخلاق، وأما وجهة علماء النفس فغيرُ ذلك، وذلك أن المجتمع،
وإن لم يحق له أن يتساهل في أمر بقائه، يجب على علماء النفس أن لا يبالوا بذلك،
وذلك بما أن عليهم أن ينظروا إلى الأعمال نظرة علمية فإنه يجب ألَّا يهتموا بتقدير
منافعها، وأن لا يسعوا إلَّا إلى تفسيرها، أي أن يكون مَثَلهم كمثل الراصد أمام أي حادث
كان، نعم يصعب على الإنسان أن يقرأ، وهو رابط الجأش، أن كاريه كان يئد ضحاياه
بعد أن يفقأ عيونهم ويذيقهم أشد العذاب، ولكنه يجب، لاكتناه مثل هذه الأعمال، أن لا
يستشيط العالم على مقترفيها وأن يكون شأنه كشأن علماء الطبيعة إزاء العنكبوت وهي
تقتل ذبابة بالتدريج.
ظهر مما تقدم أنه ليس للمؤرخين وعلماء النفس شأن واحد، ولكنهم جميعهم
يطالبون بتفسير الحوادث تفسيرًا حسنًا واكتشاف ما هو مستتر تحت الحقائق الظاهرة
من القوى الخفية المسببة لها.