فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 143

حماسة مؤسسي الثورة الفرنسية تعدل حماسة ناشري دين محمد، فقد كانت تلك الثورة

ديانة اعتقد رجال الطبقة الوسطى في المجلس الاشتراعي الأولَّ أنهم أسسوها وقضَوا بها

على المجتمع القديم، وأقاموا بها حضارة أخرى على أنقاضه، وما وجد خيال فاتن شغل

قلب الإنسان أكثر من ذلك الخيال، فكان أولئك الرجال يقولون إن مبدأ الإخاء ومبدأ

المساواة اللذين أعلنوهما يمنحان الأمم سعادة أبدية، وإنه لما قُطعت العلائق بالماضي

المظلم المتوحش أصبح المجتمع الجديد سائرًا على نور العقل المطلق.

وإذا كان العنف قد قام حالًا مقام هذه الحماسة فذلك لأن انتباه الناس كان سريعًا،

ويسهُل علينا إدراك السر في أن رسل الثورة الفرنسية وقفوا أشداء غاضبين في وجه

العوائق اليومية المانعة من تحقيق أحلامهم، فهم لما أرادوا نبذ الماضي ونسيان التقاليد

وتجديد البشر، وكان الماضي يظهر من غير انقطاع، والبشر يأبي أن يتغير، اضطروا إلى

التوقف عن سيرهم غير مريدين الخضوع، فأخذوا يكرِهون الناس على الانقياد لأوامرهم

بضغط أعادوا به - في النهاية - النظام السابق المقضيَّ عليه، والذي لم يلبث أن أسِف

الناس عليه.

ومما يستحق الذكر أن حماسة الأيام الأولى التي لم تدم كثيرًا في المجالس الثورية

بقيت في الجيوش، فكانت سرَّ قوتها، فجيوش الثورة الفرنسية، التي كانت تميل إلى

الجمهورية قبل أن تصبح فرنسة جمهورية، استمرت على نزعتها زمنًا طويلًا بعد أن

صارت فرنسة غير جمهورية.

تتبع تقلبات الخلق، التي بحثنا فيها آنفًا، بعض الأماني وتحولات البيئة، وهي ترد

إلى أربع نفسيات: النفسية اليعقوبية، والنفسية الدينية، والنفسية الثورية، والنفسية

المجرمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت