وجِد بجانب رجال العهد الذين كانت لهم نفسية خاصة رجال آخرون، كباراس وفوشيه
وتاليان وميرلان دوتيونفيل، لم يكونوا من ذوي المعتقدات أو المبادئ، ولم يبالوا بغير
الإثراء.
استطاع هؤلاء أن يستفيدوا من البؤس العام فجمعوا أموالًا عظيمة، ولو فعلوا ذلك
في الأزمنة العادية، لا في أيام الثورة التي لا يفرَّق فيها بين الفضيلة والرذيلة، لعدوا
من اللصوص المجرمين، نعم، ظل القليل من اليعاقبة متعصبًا لمذهبه، وأما أكثرهم فقد
تركوه بعد أن اغتنوا وأصبحوا من بطانة ناپليون، ونذكر منهم كنباسيرس الذي كان
يلقِّب لويس السادس عشر، وهو في السجن، ب (لويس كابي) فصار يطلب أيام ناپليون
من جلسائه أن يلقبوه ب (صاحب السمو) وأن يخاطبوه ب (سيدنا) ، وأمرٌ مثل هذا يدلنا
على مقدار الحسد الذي كان ينطوي تحت ميل كثير من اليعاقبة إلى المساواة، قال مسيو
مادلن:
اغتنى أكثر اليعاقبة(مثل شابو وبازير ومرلن وباراس وبورسول وتاليان
وبارير)، فصاروا أصحاب قصور وأطيان، ومن لم يغتنِ منهم في البداءة أثرى
في النهاية، وقد وُجد في لجنة السنة الثالثة وحدها رجال أصبح أحدهم في
المستقبل أميرًا، وصار ثلاثة عشر رجلًا منهم من الكونتات، وخمسة رجال منهم
من البارونات وسبعة رجال منهم أعضاء في مجلس الشيوخ الإمبراطوري وستة
رجال منهم أعضاء في مجلس الشورى، ونعد بجانبهم خمسين ديموقراطيٍّا
كانوا أعضاء في مجلس العهد فصاروا في أقل من خمس عشرة سنة أرباب
مخازن وعربات وأوقاف وفنادق وقصور، ومن هؤلاء الخمسين نذكر الدوك
أورتان والكونت روينول، ولما مات فوشه كان ميراثه خمسة عشر مليونًا.
وهكذا أعُيدت امتيازات العهد السابق التي انتهكت حرمتها، ولكن لم يتم الوصول
إلى هذه النتيجة إلا بتخريب فرنسة وإحراق ولايات بأسرها وقتل نفوس كثيرة وإيقاع
كثير من الأسَُر في الغم الشديد وإقلاق أوربة وموت مئات الألوف من الناس في ميادين
الحرب.
نختم هذا الفصل الذي بحثنا فيه عن نفسية كثير من زعماء الثورة الفرنسية بما
يأتي:
إذا كان علم الأخلاق - وهو الباحث في القواعد التي يجب على المجتمعات أن تحترمها
لتعيش - يقضي على علمائه أن يكونوا أشداء في أحكامهم على بعض الأشخاص، فإنه
ليس في علم النفس ما يجعل علماءه أشداء مثلهم، فغاية علم النفس هي إدراك الأسباب،
ولسرعان ما يزول النقد تجاه هذا الإدراك.
والروح البشرية آلة سريعة الانكسار؛ ولذلك قلما تستطيع الحوادث التي تمثل على
مسرح التاريخ أن تقاوم القوى المحركة لها، وبما أن هذه القوى المهيمنة مؤلفة من
الوراثة والبيئة والأحوال فإنه لا يستطيع أن يقول متيقنًا ما يُصبح سيره لو كان في
مكان من يحاول أن يفسر أعمالهم من الرجال.