تختلف الجمعيات الصغيرة، ذات الآراء والمعتقدات والمنافع الواحدة، عن المجالس الكبيرة
بوحدة مشاعرها وعزائمها، ومن هذه الجمعيات الصغيرة نذكر المجالس الدينية وطوائف
المحترفين في العهد السابق والأندية أيام الثورة الفرنسية والجمعيات السرية في النصف
الأول من القرن التاسع عشر ومحافل الماسون ونقابات العمال في الوقت الحاضر.
ويُقتضَى، لإدراك سير الثورة الفرنسية، أن يُبحث عن الفرق بين المجلس المتخالف
والنادي المتجانس، فالأندية هي التي سيطرت على الثورة الفرنسية حتى عهد الديركتوار،
وقد كانت هذه السيطرة شديدة في دور العهد كما هو معلوم.
وتخضع الأندية لنواميس روح الجماعات على رغم وَحدة عزائمها الناشئة عن
فقدان الأحزاب فيها، فهي تستكين للزعماء كما شوهد في النادي اليعقوبي الذي كان
يقوده روبسپير.
ويكون تأثير الزعيم في النادي - أي في الجماعة المتجانسة - أصعب مما في
الجماعة المتباينة، فلكي تسير الجماعة المتخالفة يكفي أن يهتزَّ عدد قليل من أوتارها،
وأما الجماعة المتجانسة - كالنادي مثلًا - حيث تكون المشاعر والمنافع واحدة فيجب
لسوقها مداراة هذه المشاعر والمنافع، وبهذا قد يصبح الزعيم مرؤوسًا.
وللجماعات المتجانسة قوةٌ عظيمة في خفائها، فقد كفى أيام الكومون أي سنة
1871، بضعة أوامر خفية لإحراق أجمل أبنية باريس كدار البلدية وقصر التويلري
وديوان المحاسبة وبيت جوقة الشرف، والمصادفة هي التي أنقذت وقتئذ قصر اللو?ر
وما فيه من الآثار الفنية، والآن يُصغى باحترام إلى الأوامر التي يصدرها زعماء العمال
المستترون على رغم مخالفتها للصواب، ولم يكن الانقياد لأندية باريس وللجمعية الثورية
المتمردة أقل من ذلك أيام الثورة الفرنسية، فكانت - بأمر واحد منها - تسوق رعاعًا
مسلحين إلى المجلس الاشتراعي لإملاء مطالبها عليه، وسنرى، عند بحثنا في تاريخ مجلس
العهد، وقوع مثل هذه الغارات كثيرًا وانقياد هذا المجلس، الذي وصفته الأقاصيص بشدة
البأس، لأوامر عصابة من الغوغاء.
تدلنا الملاحظات السابقة على ما لروح الجماعة من التأثير في إدارة أعضائها، فإذا
كانت الجماعة متجانسة كان هذا التأثير عظيمًا، وإلا كان أقلَّ من ذلك، وقد يصبح
عظيمًا لتغلب الجماعات النافذة في المجلس المتخالف على الجماعات الضعيفة الالتحام أو
لانتشار بعض المشاعر بالعدوى بين أعضاء هذا المجلس.
وأحسنُ مثال نورده على تأثير الجماعات هو القرار الذي تنزَّلَ فيه الأشراف عن
امتيازاتهم الإقطاعية في الليلة الرابعة من شهر أغسطس (أيام الثورة الفرنسية) ، وسبب
ذلك أن الناس وهم في الجماعة غيرهم وهم منفردون، فلو سئل كل شريف عن رأيه وهو
منفرد لأجاب أنه لا يتنزل عن حقوقه أبدًا.
وقد أورد ناپليون، وهو في جزيرة القديسة هيلانة، أمثلة عجيبة على تأثير المجالس
في أعضائها فقال: «كنا نصادف في ذلك الوقت أشخاصًا كانوا يسيرون على غير ما سُمع
عنهم، خذ مونج مثلًا ترَ أنه صعد في منبر اليعاقبة لما اختيرت الحرب وصرح بأنه
يهب ابنتيه مقدمًا للجنديين الأولين اللذين يجرحهما العدوُّ، وكان يود أن يقتل جميع
الأشراف، مع أنه كان من أكثر الناس دماثة وأشدهم ضعفًا، ولو اضطر إلى ذبح فروجة
ما فعل ذلك وما سمح لأحد أن يفعله أمامه.»